بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسّلام على محمّد وآله
الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين
وبعد ، فقد رتّبته على مقدّمة ومقاصد وخاتمة
أمّا المقدّمة
ففي بيان امور :
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسّلام على محمّد وآله
الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين
وبعد ، فقد رتّبته على مقدّمة ومقاصد وخاتمة
أمّا المقدّمة
ففي بيان امور :
الأوّل
[موضوع العلم ومسائله]
[موضوع كلّ علم]
إنّ موضوع كلّ علم (١) ـ وهو الّذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة (٢) ، أي
__________________
(١) قبل الخوض في بيان موضوع كلّ علم ، يجب التنبّه على أصل الحاجة إلى الموضوع في العلوم. وكأنّه من الأصل المسلّم عند المصنّف رحمهالله كما هو كذلك عند أكثر أهل التحقيق ، ولعلّه لم يذكره المصنّف رحمهالله في المقام.
وقد خالفهم المحقّق العراقيّ وأنكر الحاجة إلى الجامع الواقعيّ لعدم تصوّر جامع صوريّ أو معنويّ في بعض العلوم. نهاية الأفكار ١ : ٩ ـ ١٠.
وخالفهم أيضا السيّد الإمام الخمينيّ وقال ـ ما حاصله ـ : أنّ ما اشتهر ـ من أن لا بدّ لكلّ علم من موضوع واحد جامع بين موضوعات المسائل ـ ممّا لا أصل له. والدليل عليه أنّه لم يعهد من أرباب التأليف ذكر موضوع واحد خاصّ للعلم الخاصّ ، بل كان كلّ علم بدو تدوينه عدّة قضايا مرتبطة ، فأضاف إليه الخلف حتّى صار كاملا. مناهج الوصول ١ : ٣٩ ـ ٤٠.
ولا يخفي : أنّ عدم تصوّر الجامع إنّما يدلّ على عدم الحاجة إلى العلم بالموضوع لا عدم الحاجة إلى الموضوع ، كما أنّ عدم نقل الموضوع من أرباب التأليف لا يدلّ على عدم الحاجة إليه.
(٢) إن شئت فقل : «هو الجامع الّذي يبحث في العلم عن عوارضه الذاتيّة».
وذهب السيّد المحقّق الخوئيّ إلى أنّه لا ملزم بأن يكون البحث عن العوارض الذاتيّة فقط بعد فرض دخل العوارض الغريبة أيضا في المهمّ. محاضرات في اصول الفقه ١ : ٢٤.
بلا واسطة في العروض (١) ـ هو نفس موضوعات مسائله عينا وما يتّحد معها خارجا ، وإن كان يغايرها مفهوما تغاير الكلّيّ ومصاديقه والطبيعيّ وأفراده (٢).
[مسائل العلوم]
والمسائل عبارة عن جملة من قضايا متشتّتة ، جمعها اشتراكها في الدخل في الغرض الّذي لأجله دوّن هذا العلم. فلذا قد يتداخل بعض العلوم في بعض المسائل ممّا كان له دخل في مهمّين (٣) ، لأجل كلّ منهما دوّن علم على حدة ، فيصير من مسائل العلمين (٤).
__________________
(١) كلمة : «العروض» من الأغلاط المشهورة ، ولم تساعد عليها اللغة ، بل الصحيح : «العرض».
والمراد من العروض هو الحمل ، فقوله : «بلا واسطة في العروض» أي بلا واسطة في الحمل ، فكلّ عارض يحمل على الموضوع حقيقة ـ بحيث يعدّ من اسناد الشيء إلى ما هو له ـ هو العرض الذاتيّ للموضوع.
والسرّ في تفسير العرض الذاتيّ بأن لا يكون هناك واسطة في العروض ـ مع أنّه خلاف ما هو المشهور في معنى العرض الذاتيّ من أنّه كونه بحيث يقتضيه نفس الذات ـ هو أنّ البحث في غالب مسائل العلوم ليس بحثا عن العوارض الذاتيّة لموضوعها بهذا المعنى ، فإنّ البحث عن حجّيّة خبر الواحد ـ مثلا ـ ليس بحثا عن ما يقتضيه ذات خبر الواحد ، بل هي من فعل الشارع ، وهكذا كثير من المباحث في العلوم الأخر. فلا بدّ من توسعة العرض الذاتيّ بأن يقال : أنّه ما كان يعرض الذات بلا واسطة في العروض وإن كان لأمر لا يقتضيه نفس الذات.
وذهب المحقّق الاصفهانيّ إلى أنّ الالتزام بعدم الواسطة في العروض من باب لزوم ما لا يلزم ، لأنّ العلم عبارة عن القضايا المتشتّتة ، ونفس تلك القضايا مسائل العلم ، ومحمولاتها أعراض ذاتيّة لموضوعاتها ، فلا ملزم بما ذكر. نهاية الدراية ١ : ٧.
(٢) قوله : «والطبيعيّ وأفراده» من العطف التفسيريّ.
وذهب المحقّق العراقيّ إلى التفصيل ، فجعل النسبة بين موضوع العلم وموضوعات مسائله في مثل العلوم الرياضيّة الاتّحاد ومن قبيل نسبة الكليّ إلى أفراده ، وفي مثل العلوم النقليّة بنحو العينيّة ومن قبيل نسبة الكلّ إلى أجزائه. راجع نهاية الأفكار ١ : ١٢.
(٣) أي : غرضين. والأولى أن يقول : «في غير واحد من الأغراض» حتّى يشمل تداخلها في ما له دخل في الأغراض.
(٤) كمسألة «التجرّي» ، فإنّه يتداخل فيها علم الفقه والاصول والكلام.
لا يقال : علي هذا يمكن تداخل علمين في تمام مسائلهما في ما كان هناك مهمّان متلازمان في الترتّب على جملة من القضايا لا يكاد انفكاكهما.
فإنّه يقال : ـ مضافا إلى بعد ذلك بل امتناعه عادة ـ لا يكاد يصحّ لذلك تدوين علمين وتسميتهما باسمين ، بل تدوين علم واحد ، يبحث فيه تارة لكلا المهمّين واخرى لأحدهما ، وهذا بخلاف التداخل في بعض المسائل ، فإنّ حسن تدوين علمين كانا مشتركين في مسألة أو أزيد في جملة (١) مسائلهما المختلفة لأجل مهمّين ممّا لا يخفي (٢).
[تمايز العلوم]
وقد انقدح بما ذكرنا أنّ تمايز العلوم إنّما هو باختلاف الأغراض الداعية إلى التدوين ، لا الموضوعات (٣) ولا المحمولات (٤) ، وإلّا كان كلّ باب ـ بل كلّ مسألة ـ من كلّ علم علما على حدة ـ كما هو واضح لمن كان له أدنى تأمّل ـ ، فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجبا للتعدّد (٥) ، كما لا يكون
__________________
(١) في قوله : «في جملة» وجهان :
الأوّل : أن يكون متعلّقا بقوله : «تدوين» ، ومعناه : أنّ حسن تدوين علمين ـ كانا مشتركين في مسألة أو أزيد ـ في جملة من مسائلهما المختلفة لأجل مهمّين ممّا لا يخفي.
الثاني : أن يكون بدلا عن قوله : «أو أزيد» ومعناه : أنّ حسن تدوين علمين ـ كانا مشتركين في مسألة أو في جملة من مسائلهما المختلفة ـ لأجل مهمّين ممّا لا يخفي.
(٢) خبر عن قوله : «فإنّ».
(٣) والقول بأنّ تمايزها بتمايز الموضوعات منسوب إلى المشهور ، كما في فوائد الاصول ١ : ٢٤.
وذهب المحقّق الأصفهانيّ والمحقّق النائينيّ إلى أنّ تمايزها بتمايز الموضوعات المتحيّثة بالحيثيّة الخاصّة ، ولكن اختلفا في ما يراد من تحيّث الموضوع. راجع نهاية الدراية ١ : ١٠ ، وفوائد الاصول ١ : ٢٥ ـ ٢٦.
(٤) لم أجد من ذهب إليه. وفي المقام قولان آخران ذهب إلى أحدهما السيّد الإمام الخمينيّ وإلى الآخر السيّد المحقّق الخوئيّ ؛ فذهب الأوّل إلى أنّ تمايزها بذات العلوم ، والثاني إلى عدم انحصاره بالموضوع والأغراض. راجع مناهج الوصول : ١ : ٤٤ والمحاضرات ١ : ٢٧.
(٥) أورد عليه المحقّق الاصفهانيّ في نهاية الدراية ١ : ١١ ـ ١٢.
وحدتهما سببا لأن يكون من الواحد.
ثمّ إنّه ربما لا يكون لموضوع العلم ـ وهو الكلّيّ المتّحد مع موضوعات المسائل ـ عنوان خاصّ واسم مخصوص ، فيصحّ أن يعبّر عنه بكلّ ما دلّ عليه ، بداهة عدم دخل ذلك في موضوعيّته أصلا.
[موضوع علم الاصول]
وقد انقدح بذلك أنّ موضوع علم الاصول هو الكلّيّ المنطبق على موضوعات مسائله المتشتّتة (١) ، لا خصوص الأدلّة الأربعة بما هي أدلّة (٢) ، بل ولا بما هي هي (٣) ، ضرورة أنّ البحث في غير واحد من مسائله المهمّة ليس عن عوارضها.
وهو (٤) واضح لو كان المراد بالسنّة منها (٥) هو نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره ، كما هو المصطلح فيها ، لوضوح عدم البحث في كثير من مباحثها المهمّة ـ كعمدة مباحث التعادل والترجيح ، بل ومسألة حجّيّة خبر الواحد ـ لا عنها ولا عن سائر الأدلّة.
__________________
(١) وخالفه كثير ممن تأخّر عنه. فذهب المحقّق العراقيّ إلى عدم وجود الموضوع لعلم الاصول ، لعدم جامع متصوّر في مسائل علم الاصول. وتبعه السيّد المحقّق الخوئيّ. راجع نهاية الأفكار ١ : ١٠ ، والمحاضرات ١ : ٢٨.
وذهب المحقّق النائينيّ إلى أنّ موضوعه كلّ ما كان عوارضه واقعة في طريق استنباط الحكم الشرعيّ أو ما ينتهي إليه العمل. فوائد الاصول ١ : ٢٨.
وذهب السيّد الإمام الخمينيّ ـ تبعا لاستاذه المحقّق البروجرديّ ـ إلى أنّ موضوع علم الاصول هو الحجّة في الفقه. راجع نهاية الاصول : ١١ ، وأنوار الهداية ١ : ٢٧٠ ـ ٢٧٢.
(٢) كما ذهب إليه المحقّق القميّ في قوانين الاصول ١ : ٩.
(٣) أي : الأدلّة الأربعة بذاتها ، وهي : الكتاب والسنّة والاجماع والعقل. وهذا ما ذهب إليه صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ١١ ـ ١٢.
وقريب منه ما عن بعض العامّة حيث فسّروا اصول الفقه ب «أدلّة الفقه» ـ أي الكتاب والسنّة والاجماع والقياس والاستدلال أو الاستصحاب ـ. كما في الإحكام ١ : ٩ ـ ١٠ ، واللمع : ٦.
(٤) أي : عدم كون البحث في أكثر مسائله عن عوارض الأدلّة.
(٥) أي : من الأدلّة الأربعة.