درس کفایة الاصول - بخش اول (فشرده)

جلسه ۵: جلسه ۵

 

عليها (١) ، حيث لا موطن له إلّا الذهن ، فامتنع امتثال مثل : «سر من البصرة» ، إلّا بالتجريد (٢) وإلغاء الخصوصيّة. هذا.

مع أنّه ليس لحاظ المعنى حالة لغيره في الحروف إلّا كلحاظه في نفسه في الأسماء ، وكما لا يكون هذا اللحاظ معتبرا في المستعمل فيه فيها ، كذلك اللحاظ في الحروف ، كما لا يخفى.

وبالجملة : ليس المعنى في كلمة «من» ولفظ «الابتداء» ـ مثلا ـ إلّا الابتداء. فكما لا يعتبر في معناه لحاظه في نفسه ومستقلّا ، كذلك لا يعتبر في معناها لحاظه في غيرها وآلة (٣) ، وكما لا يكون لحاظه فيه موجبا لجزئيّته فليكن كذلك فيها (٤).

__________________

(١) لا يخفى : أنّ المفروض أنّ المعنى الحرفيّ جزئيّ ذهنيّ ، فلا يصحّ الاستدلال على عدم صدقه على الخارجيّات بامتناع صدق الكلّي العقليّ عليها. فالصحيح إمّا أن يقال : «كامتناع صدق الكلّي العقليّ عليها» أو يقال : «لامتناع صدق الجزئيّ الذهنيّ عليها».

(٢) أي : تجريد المعنى الحرفيّ عن لحاظه حالة لغيره.

(٣) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «في غيره وآلة». ومعنى العبارة : أنّه لا يعتبر في معنى كلمة «من» لحاظ المعنى في ضمن غيره وآلة للربط بين معنيين.

(٤) فالوضع والموضوع له والمستعمل فيه في الحروف عامّ كما هو في الأسماء كذلك.

وهذا القول قد ينسب إلى المحقّق الرضيّ ، كما قد ينسب إليه القول بعدم وضع الحروف لمعان أصلا ، بل حالها حال علامات الإعراب في إفادة كيفيّة خاصّة في لفظ آخر. والوجه في نسبتهما إليه هو ما في كلماته من الاضطراب ، راجع شرح الكافية ١ : ٩ ـ ١٠.

ثمّ ينبغي التعرّض لما أفاده الأعلام الثلاثة في المقام :

أمّا المحقّق النائينيّ : فوافق في الشقّ الأوّل ـ أي أنّ الوضع والموضوع له في الحروف عامّ ـ ، وخالفه في الشقّ الثاني ـ أي في كيفيّة الفرق بين المعنى الحرفيّ والاسميّ ـ ، فذهب إلى أنّهما متباينان بالذات والحقيقة ولا اشتراك لهما في طبيعيّ معنى واحد ، فإنّ المفاهيم الاسميّة مفاهيم استقلاليّة اخطاريّة ، والمفاهيم الحرفيّة مفاهيم غير استقلاليّة إيجاديّة. فوائد الاصول ١ : ٣٤ ـ ٥٨.

وأمّا المحقّق الاصفهانيّ : فخالفه في كلا الشقّين ، وذهب ـ بعد اختيار المباينة بالذات بين المعنى الحرفيّ والاسميّ ـ إلى عموم الوضع وخصوص الموضوع له ، بمعنى أنّ الحروف موضوعة للأخصّ من المعنى الملحوظ حال الوضع. نهاية الدراية ١ : ٢٦ ـ ٣٢. ـ

إن قلت : على هذا لم يبق فرق بين الاسم والحرف في المعنى ، ولزم كون مثل كلمة «من» ولفظ «الابتداء» مترادفين (١) صحّ استعمال كلّ منهما في موضع الآخر ، وهكذا سائر الحروف مع الأسماء الموضوعة لمعانيها ، وهو باطل بالضرورة ، كما هو واضح.

قلت : الفرق بينهما إنّما هو في اختصاص كلّ منهما بوضع ، حيث إنّه وضع الاسم ليراد منه معناه بما هو هو وفي نفسه ، والحرف ليراد منه معناه لا كذلك ، بل بما هو حالة لغيره ، كما مرّت الإشارة إليه غير مرّة. فالاختلاف بين الاسم والحرف في الوضع يكون موجبا لعدم جواز استعمال أحدهما في موضع الآخر وإن اتّفقا فيما له الوضع (٢). وقد عرفت بما لا مزيد عليه : أنّ نحو إرادة المعنى لا يكاد يمكن

__________________

ـ وأمّا المحقّق العراقيّ : فوافق المصنّف في الشقّ الأوّل ، ولكن لا بالمعنى المشهور ، بل بمعنى أنّ الموضوع له في الحروف ـ في كلّ صنف منها ـ عبارة عن الجامع بين أشخاص تلك الروابط. نهاية الأفكار ١ : ٥٣ ـ ٥٤.

وهذه الأقوال كلّها وقع مورد النقض والابرام بين الأعلام الثلاثة ومن تأخّر عنهم ، سيّما السيّد الامام الخمينيّ والسيّد الخوئيّ ، فإنّهما ـ بعد التأمّل فيما أفاده الأعلام الثلاثة ـ ذهبا إلى كون الوضع في الحروف عامّا والموضوع له خاصّا ، فراجع مناهج الوصول ١ : ٦٨ ـ ٨٥ ، والمحاضرات ١ : ٥٤ ـ ٨٢.

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «مترادفا».

(٢) توضيحه : أنّه لا فرق بين الاسم والحرف في المدلول التصوّري الّذي وضع اللفظ بإزائه ، فإنّ المدلول التصوّريّ في الاسم والحرف ليس إلّا ذات المعنى ، وهو الموضوع له فيهما ، فكلمة «من» و «الابتداء» ـ مثلا ـ لا تدلّان بالدلالة التصوّريّة إلّا على ذات الابتداء العامّ. وإنّما الفرق بينهما في المدلول التصديقيّ ـ أي الّذى أراده الواضع في مقام استعمالهما ، وهو في الاسم ذاك المعنى بما هو هو وفي نفسه وفي الحرف نفس المعنى بما هو حالة لغيره ـ ، فالاختلاف بينهما في المدلول التصديقيّ يوجب عدم جواز استعمال أحدهما في موضع الآخر ، وإن اتّفقا في المدلول التصوّري الّذي وضعا فيه مشتركا.

ويظهر أنّ مراد المصنّف رحمه‌الله من قوله : «فى الوضع» هو المدلول التصديقيّ ، كما أنّ مراده من قوله : «فيما له الوضع» هو المدلول التصوّريّ.

أن يكون من خصوصيّاته (١) ومقوّماته (٢).

[الوضع في الخبر والإنشاء]

ثمّ لا يبعد أن يكون الاختلاف في الخبر والإنشاء أيضا كذلك ، فيكون الخبر موضوعا ليستعمل في حكاية ثبوت معناه في موطنه ، والإنشاء ليستعمل في قصد تحقّقه وثبوته ، وإن اتّفقا فيما استعملا فيه (٣) ، فتأمّل (٤).

[الوضع في أسماء الإشارة والضمائر]

ثمّ إنّه قد انقدح ممّا حقّقناه أنّه يمكن أن يقال : إنّ المستعمل فيه في مثل أسماء الإشارة والضمائر أيضا عامّ ، وإنّ تشخّصه إنّما نشأ من قبل طور استعمالها (٥) ، حيث إنّ أسماء الإشارة وضعت ليشار بها إلى معانيها ، وكذا بعض الضمائر ، وبعضها ليخاطب به المعنى (٦) ، والإشارة والتخاطب يستدعيان التشخّص ، كما لا يخفى. فدعوى : «أنّ المستعمل فيه في مثل هذا ، أو هو ، أو إيّاك ، إنّما هو المفرد المذكّر ،

__________________

(١ و ٢) الضمير فيهما يرجع إلى المعنى الموضوع له.

(٣) والحاصل : أنّ الإخباريّة والإنشائيّة من مقوّمات المدلول التصديقيّ في مقام الاستعمال ، وإلّا فالخبر والإنشاء اتّفقا في المدلول التصوّريّ الّذي هو الموضوع له.

(٤) ولعلّ وجه التأمّل ما أورده عليه بعض من تأخّر عنه ، فراجع نهاية الدراية ١ : ٣٤ ـ ٣٥ ، نهاية الأفكار ١ : ٥٤ ـ ٥٨ ، محاضرات في الاصول ١ : ٨٥ ـ ٨٩.

(٥) فالموضوع له والمستعمل فيه فيها عامّ كالوضع.

ووافقه تلميذه المحقّق العراقيّ وقال بامكان تصوير عموميّة الموضوع له فيها بالمعنى الّذي تصوّره في الوضع والموضوع له ـ كما مرّ ـ ، بل بالمعنى الّذي هو المشهور. فراجع نهاية الأفكار ١ : ٦٠ ـ ٦١.

وخالفه المحقّق الاصفهانيّ والسيّدان المحقّقان : الخوئيّ والخمينيّ رحمهما‌الله ، وذهبوا إلى أنّ الوضع فيها عامّ والموضوع له خاصّ. فراجع نهاية الدراية ١ : ٣٦ ، ومحاضرات في اصول الفقه ١ : ٩٠ ـ ٩١. ومناهج الوصول ١ : ٩٨.

(٦) وفي بعض النسخ : «ليخاطب بها المعنى» والتأنيث باعتبار المضاف إليه.

وتشخّصه إنّما جاء من قبل الإشارة أو التخاطب بهذه الألفاظ إليه ، فإنّ الإشارة أو التخاطب لا يكاد يكون إلّا إلى الشخص أو معه» غير مجازفة.

[حاصل الكلام]

فتلخّص ممّا حقّقناه : أنّ التشخّص الناشئ من قبل الاستعمالات لا يوجب تشخّص المستعمل فيه ، سواء كان تشخّصا خارجيّا ـ كما في مثل أسماء الإشارة ـ أو ذهنيّا ـ كما في أسماء الأجناس والحروف ونحوهما ـ ، من غير فرق في ذلك أصلا بين الحروف وأسماء الأجناس ، ولعمري هذا واضح. ولذا ليس في كلام القدماء من كون الموضوع له أو المستعمل فيه خاصّا في الحرف عين ولا أثر ، وإنّما ذهب إليه بعض من تأخّر (١). ولعلّه لتوهّم كون قصده بما هو في غيره من خصوصيّات الموضوع له أو المستعمل فيه ، والغفلة من أنّ قصد المعنى من لفظه على أنحائه لا يكاد يكون من شئونه وأطواره ، وإلّا فليكن قصده بما هو هو وفي نفسه كذلك. فتأمّل في المقام ، فإنّه دقيق وقد زلّ فيه أقدام غير واحد من أهل التحقيق والتدقيق.

__________________

(١) منهم صاحب القوانين في القوانين ١ : ١٠ ، وصاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ١٦ ، والمحقّق الشريف في تعليقته على المطوّل : ٣٧٤.

الثالث

[استعمال اللفظ في المعنى المجازيّ]

صحّة استعمال اللفظ فيما يناسب ما وضع له (١) هل هو بالوضع أو بالطبع؟ (٢) وجهان ، بل قولان (٣). أظهرهما أنّه بالطبع ، بشهادة الوجدان بحسن الاستعمال فيه ولو مع منع الواضع عنه ، وباستهجان الاستعمال فيما لا يناسبه ولو مع ترخيصه ، ولا معنى لصحّته إلّا حسنه (٤). والظاهر أنّ صحّة استعمال اللفظ في نوعه أو مثله من قبيله. كما تأتي الإشارة إلى تفصيله (٥).

__________________

(١) أي : المعنى المجازيّ.

(٢) ولا يخفى : أنّ هذا البحث ـ بعد الاتّفاق على جواز استعمال اللفظ في المعنى المناسب للموضوع له ـ ليس فيه ثمرة عمليّة ، بل ولا علميّة.

(٣) أحدهما : أنّه بالطبع ، كما ذهب إليه المحقّق القميّ في القوانين ١ : ٦٤ ، وتبعه المصنّف في المقام.

وثانيهما : أنّه بالوضع. واختلفوا في أنّه بالوضع الشخصيّ أو أنّه بالوضع النوعيّ؟ والأصل عدمهما.

قد يقال : «إنّ نفس الوضع للمعنى الحقيقيّ وضع للمجازات أيضا ، فيستعمل اللفظ في المجازات أيضا استعمالا حقيقيّا». وهذا ما ذهب إليه السكّاكيّ من انكار المجاز في الكلمة في الاستعارات. ووسّعه الشيخ أبو المجد محمّد رضا الاصفهانيّ بعدم اختصاصه بالاستعارات ، بل هو جار في مطلق المجازات حتّى المركّب والكناية. وتبعه السادة المحقّقون : البروجرديّ والخمينيّ والخوئيّ. فراجع المطوّل : ٣٦٢ ، وقاية الأذهان : ١٠٣ ـ ١١٢ ، نهاية الاصول ١ : ٢٤ ـ ٢٥ ، مناهج الوصول ١ : ١٠٤ ، المحاضرات ١ : ٩٣.

(٤) الضميران يرجعان إلى الاستعمال.

(٥) في الأمر الآتي.

الرابع

[إطلاق اللفظ وإرادة نوعه أو صنفه أو مثله أو شخصه]

لا شبهة في صحّة إطلاق اللفظ وإرادة نوعه به ، كما إذا قيل : «ضرب ـ مثلا ـ فعل ماض» ؛ أو صنفه ، كما إذا قيل : «زيد في (ضرب زيد) فاعل» ، إذا لم يقصد به شخص القول (١) ؛ أو مثله ك «ضرب» في المثال فيما إذا قصد (٢). وقد أشرنا (٣) إلى أنّ صحّة الإطلاق كذلك وحسنه إنّما كان بالطبع لا بالوضع ، وإلّا كانت المهملات موضوعة لذلك (٤) ، لصحّة الإطلاق كذلك فيها ، والالتزام بوضعها كذلك كما ترى.

وأمّا إطلاقه وإرادة شخصه ـ كما إذا قيل : «زيد لفظ» ، واريد منه شخص نفسه ـ ففي صحّته بدون تأويل نظر ، لاستلزامه اتّحاد الدالّ والمدلول أو تركّب القضيّة من جزءين كما في الفصول (٥). بيان ذلك : أنّه إن اعتبر دلالته على نفسه ، حينئذ لزم الاتّحاد ، وإلّا لزم تركّبها من جزءين ، لأنّ القضيّة اللفظيّة على هذا إنّما تكون حاكية عن المحمول والنسبة ، لا الموضوع ، فتكون القضيّة المحكيّة بها مركّبة من جزءين ،

__________________

(١) أي : لم يقصد بلفظ «ضرب» في المثال الأوّل شخص «ضرب» الّذي وقع في المثال ، بل يقصد به هيئة ضرب. ولم يقصد بلفظ «زيد» في المثال الثاني شخص هذا اللفظ الواقع في المثال ، بل يقصد به كلّ اسم يقع بعد فعل ضرب.

(٢) أي : فيما إذا قصد شخص ضرب. ومثله عبارة عن «ضرب» في «ضرب خالد» و «ضرب عمرو» وغيرهما.

(٣) في الأمر السابق.

(٤) أي : النوع أو الصنف أو المثل.

(٥) الفصول الغرويّة : ٢٢.