درس کفایة الاصول - بخش اول (فشرده)

جلسه ۷: جلسه ۷

 

هذا مضافا إلى ضرورة صحّة الحمل والإسناد في الجمل بلا تصرّف في ألفاظ الأطراف ، مع أنّه لو كانت موضوعة لها بما هي مرادة لما صحّ بدونه (١) ، بداهة أنّ المحمول على زيد في «زيد قائم» والمسند إليه في «ضرب زيد» ـ مثلا ـ هو نفس القيام والضرب ، لا بما هما مرادان ؛ وهكذا الحال في طرف الموضوع (٢).

مع أنّه يلزم كون وضع عامّة الألفاظ عامّا والموضوع له خاصّا ، لمكان اعتبار خصوص إرادة اللافظين فيما وضع له اللفظ (٣) ، فإنّه لا مجال لتوهّم أخذ مفهوم الإرادة فيه ، كما لا يخفى (٤).

[توجيه المحكيّ عن الشيخ الرئيس والمحقّق الطوسيّ]

وأمّا ما حكي عن العلمين : الشيخ الرئيس والمحقّق الطوسيّ ـ من مصيرهما

__________________

ـ الاستعمال ، ولذا لا يدلّ ما يصدر منه على المعنى المقصود وإن دلّ على نفس المعنى.

وبالجملة : لا تدلّ الألفاظ بالدلالة الوضعيّة إلّا على المعنى الموضوع له ، كما ذهب اليه المصنّف رحمه‌الله ، وتبعه تلميذه المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ١ : ٦٣ ـ ٦٤ والسيّد الإمام الخمينيّ في مناهج الوصول ١ : ١١٣ ـ ١١٥.

وخالفه السيّد المحقّق الخوئيّ مستدلّا بأنّ الغرض الباعث على الوضع هو ابراز المقاصد ، فلا يزيد سعة الوضع عن سعة ذلك الغرض ، فتختصّ العلقة الوضعيّة بصورة إرادة التفهيم ، وتنحصر الدلالة الوضعية في الدلالة التصديقيّة. محاضرات في اصول الفقه ١ : ١٠٤ ـ ١٠٥.

وأنت خبير بأنّه خلط بين الوضع والاستعمال وليس غرض الواضع إلّا جعل العلقة بين اللفظ والمعنى بحيث يفهم من اللفظ نفس المعنى لا المعنى المراد.

(١) أي : بدون التصرّف.

(٢) وفي النسخ المطبوعة ذكر قوله : «وهكذا الحال في طرف الموضوع» بعد قوله الآتي : «كما لا يخفى». ولكن الصحيح ما أثبتناه ، وهو الموافق لما في بعض النسخ.

(٣) فيكون الموضوع له هو المعاني المرادة بالإرادات الشخصيّة الحاصلة للمتكلّمين الموجبة لصيرورتها جزئيّة.

(٤) فالوجوه الّتي أقامها المصنّف رحمه‌الله ثلاثة : الأوّل : قوله : «لما عرفت ...». والثانى : ما أشار إليه بقوله : «مضافا إلى ضرورة ...». والثالث : ما تعرّض له بقوله : «مع أنّه يلزم ...».

واستدلّ عليه المحقّق العراقيّ بأنّ الإرادة من الامور المتأخّرة رتبة عن المعنى ، فيستحيل أخذها قيدا في ناحية الموضوع له. نهاية الأفكار ١ : ٦٣.

إلى أنّ الدلالة تتبع الإرادة (١) ـ فليس ناظرا إلى كون الألفاظ موضوعة للمعاني بما هي مرادة ـ كما توهّمه بعض الأفاضل (٢) ـ ، بل ناظر إلى أنّ دلالة الألفاظ على معانيها بالدلالة التصديقيّة (٣) ـ أي دلالتها على كونها مرادة للافظها ـ تتبع إرادتها منها (٤) وتتفرّع عليها ـ تبعيّة مقام الإثبات للثبوت وتفرّع الكشف على الواقع المكشوف ـ ، فإنّه لو لا الثبوت في الواقع لما كان للإثبات والكشف والدلالة مجال ، ولذا لا بدّ من إحراز كون المتكلّم بصدد الإفادة في إثبات إرادة ما هو ظاهر كلامه ودلالته على الإرادة (٥) ، وإلّا لما كانت لكلامه هذه الدلالة ، وإن كانت له الدلالة التصوّريّة ـ أي كون سماعه موجبا لإخطار معناه الموضوع له ، ولو كان من وراء الجدار أو من لافظ بلا شعور ولا اختيار ـ.

إن قلت : على هذا يلزم أن لا يكون هناك دلالة عند الخطأ والقطع بما ليس بمراد ، أو الاعتقاد بإرادة شيء ولم يكن له من اللفظ مراد.

قلت : نعم لا يكون حينئذ دلالة ، بل يكون هناك جهالة وضلالة يحسبها الجاهل دلالة.

ولعمري ما أفاده العلمان من التبعيّة ـ على ما بيّنّاه ـ واضح لا محيص عنه. ولا يكاد ينقضي تعجّبي كيف رضي المتوهّم أن يجعل كلامهما ناظرا إلى ما لا ينبغي صدوره عن فاضل ، فضلا عمّن هو علم في التحقيق والتدقيق؟!

__________________

(١) راجع الفصل الثامن من المقالة الاولى من الفن الأوّل من منطق الشفاء : ٤٢ ، وشرح الإشارات ١ : ٣٢.

(٢) وهو صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ١٧.

(٣) لا يخفى : أنّ حمل كلامهما على الدلالة التصديقيّة بعيد ، فإنّه لا يوافق صريح كلامهما من انحصار الدلالة اللفظيّة الوضعيّة في التصديقيّة. ولذا حمله غيره على محامل أخر ، فراجع نهاية الدراية ١ : ٣٩ ـ ٤٠ ، مناهج الوصول ١ : ١١٥.

(٤) والأولى أن يقول : «تتبع إحراز إرادتها منها» ، ضرورة أنّ مجرّد إرادة المتكلّم من دون إحرازها من السامع لا يوجب انتقال السامع إلى المعنى المراد ، كما أشار إليه بعد أسطر.

(٥) أي : وفي دلالة كلامه على المعنى المراد.

السادس

[وضع المركّبات]

لا وجه لتوهّم وضع للمركّبات (١) غير وضع المفردات ، ضرورة عدم الحاجة إليه بعد وضعها بموادّها في مثل : «زيد قائم» و: «ضرب عمر وبكرا» ، شخصيّا ، وبهيئاتها المخصوصة من خصوص إعرابها نوعيّا ، ومنها (٢) خصوص هيئات المركّبات الموضوعة لخصوصيّات النسب والإضافات بمزاياها الخاصّة من تأكيد وحصر وغيرهما نوعيّا ، بداهة أنّ وضعها (٣) كذلك واف بتمام المقصود منها ، كما لا يخفى ، من غير حاجة إلى وضع آخر لها بجملتها ، مع استلزامه الدلالة على المعنى تارة بملاحظة وضع نفسها واخرى بملاحظة وضع مفرداتها.

ولعلّ المراد من العبارات الموهمة لذلك هو وضع الهيئات على حدة (٤) غير وضع الموادّ ، لا وضعها بجملتها علاوة على وضع كلّ منهما.

__________________

(١) أي : الجملات المركّبة من الموادّ والهيئة. فالنزاع إنّما هو في وضع الجملة المركّبة منهما مجموعا ، وأمّا وضع المفردات بموادّها شخصيّا وبهيئتها وصورتها نوعيّا فلا اشكال فيه. ففي جملة «زيد قائم» ـ مثلا ـ لا إشكال في وضع مادّة «زيد» و «قائم» لمعناهما بالوضع الشخصيّ ووضع هيئة «زيد» للابتداء وهيئة «قائم» للخبر ، كما لا إشكال في وضع صورتهما الحاصلة من ضمّ أحدهما بالآخر في الجملة الاسميّة ، بل النزاع في وضع آخر لمجموع المادّة والهيئة.

(٢) أي : من الهيئات العارضة للموادّ.

(٣) أي : وضع المركّبات.

(٤) كهيئة : «زيد» الناشئة من إعرابه رفعا بالابتداء ؛ وهيئة «قائم» الناشئة من رفعه بالخبريّة.

السابع

[علامات الوضع وعدمه] (١)

[١ ـ التبادر وعدمه]

لا يخفى : أنّ تبادر المعنى من اللفظ وانسباقه (٢) إلى الذهن ـ من نفسه وبلا قرينة ـ علامة كونه حقيقة فيه (٣) ، بداهة أنّه لو لا وضعه له لما تبادر.

لا يقال : كيف يكون علامة؟ مع توقّفه (٤) على العلم بأنّه موضوع له ـ كما هو

__________________

(١) جعلنا عنوان البحث «علامات الوضع وعدمه» ، وإن كان المتعارف أنّه جعل عنوانه هكذا : «علامات الحقيقة والمجاز». وذلك لأنّه المناسب لما يبحث عنه في المقام ويستدلّ عليه.

بيان ذلك : أنّه قد يبحث حول المستعمل فيه الّذي استعمل اللفظ فيه فيقال : هل استعمل اللفظ في ما وضع له ـ أي مدلوله التصوريّ ـ فيكون استعمالا حقيقيّا ، أو استعمل في غيره ممّا يناسب الموضوع له فيكون استعمالا مجازيّا ، أو استعمل في غيره ممّا لا يناسبه فيكون استعماله غلطا؟ وهذا البحث خارج عمّا نحن بصدده في المقام.

وقد يبحث حول تشخيص المدلول التصوّري للّفظ ، أي الّذي وضع اللفظ بإزائه ، سواء استعمل اللفظ ويصدر من المتكلّم الملتفت أو لم يستعمل ويصدر من غيره. وهذا هو ما يبحث عنه في المقام ، فيقال ـ مثلا ـ : تبادر المعنى من حاقّ اللفظ يكشف عن أنّه المعنى الموضوع له ، فهو دليل على وجود العلقة بينه وبين اللفظ.

ومن هنا يظهر مواضع من الخلط في كلمات بعض المحقّقين ومنهم المصنّف رحمه‌الله كما سيأتي.

(٢) هكذا في النسخ. ولكن لا تساعد عليه اللغة ، بل الصحيح أن يقول : «وإسباقه».

(٣) أي : علامة كونه موضوعا له.

(٤) أي : التبادر.

واضح ـ ، فلو كان العلم به موقوفا عليه (١) لدار.

فإنّه يقال : الموقوف عليه غير الموقوف عليه (٢) ، فإنّ العلم التفصيليّ بكونه موضوعا له موقوف على التبادر ، وهو موقوف على العلم الإجماليّ الارتكازيّ به ، لا التفصيليّ ، فلا دور. هذا إذا كان المراد به التبادر عند المستعلم. وأمّا إذا كان المراد به التبادر عند أهل المحاورة فالتغاير أوضح من أن يخفى.

ثمّ إن هذا فيما لو علم استناد الانسباق (٣) إلى نفس اللفظ ، وأمّا فيما احتمل استناده إلى قرينة فلا يجدي أصالة عدم القرينة في إحراز كون الاستناد إليه ، لا إليها ـ كما قيل (٤) ـ ، لعدم الدليل على اعتبارها إلّا في إحراز المراد لا الاستناد.

[٢ ـ عدم صحّة السلب وصحّته]

ثمّ إنّ عدم صحّة سلب اللفظ ـ بمعناه المعلوم المرتكز في الذهن إجمالا كذلك (٥) ـ عن معنى تكون علامة كونه حقيقة فيه ، كما أنّ صحّة سلبه عنه علامة

__________________

(١) أي : لو كان العلم بالموضوع له موقوفا على التبادر.

(٢) أي : ما يتوقّف على التبادر غير ما يتوقّف التبادر عليه ، فإنّ ما يتوقّف على التبادر هو العلم التفصيليّ بالموضوع له ، وما يتوقّف التبادر عليه هو العلم الارتكازيّ الإجماليّ بالموضوع له ، فلا دور.

ولا يخفى ما فيه : فإنّا ننقل الكلام إلى المعلوم بالعلم الإجماليّ المكنون في خزانة النفس ، فهو أيضا لا بدّ له من سبب ، والسبب لا يخلو : إمّا أن يكون وجود العلقة الذاتيّة بين اللفظ والمعنى بحيث كلّ من سمعه ينتقل إلى المعنى إجمالا ، وقد عرفت بطلانه ؛ وإمّا أن يكون العثور على وجود العلقة الوضعيّة بينهما ، والعثور عليه لا يحصل إلّا بالمراجعة إلى الواضعين من أهل اللغة أو كتبهم أو المواجهة مع المحاورات والإطلاقات الرائجة بين أهل اللغة ، وحينئذ فكان تحصيل العلم بوجودها من التبادر تحصيلا للحاصل وعلى وجه دائر ، فلا يمكن دفع الدور بما ذكر.

(٣) هكذا في النسخ. ولكن لا تساعد عليه اللغة كما مرّ.

(٤) أي : كما قيل بجواز التمسّك بأصالة عدم القرينة في إحراز عدم الاستناد إلى القرينة. والقائل صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٣٣.

(٥) أي : كالإجمال المذكور في التبادر.