درس کفایة الاصول - بخش اول (فشرده)

جلسه ۹: جلسه ۹

 

[٣ ـ الاطّراد وعدمه]

ثمّ إنّه قد ذكر (١) الاطّراد وعدمه علامة للحقيقة والمجاز أيضا.

ولعلّه بملاحظة نوع العلائق المذكورة في المجازات ، حيث لا يطّرد صحّة استعمال اللفظ معها ، وإلّا فبملاحظة خصوص ما يصحّ معه الاستعمال فالمجاز مطّرد كالحقيقة (٢).

وزيادة قيد : «من غير تأويل» ، أو : «على وجه الحقيقة» (٣) وإن كان موجبا لاختصاص الاطّراد كذلك بالحقيقة ، إلّا أنّه حينئذ لا يكون علامة لها إلّا على وجه دائر. ولا يتأتّى التفصّي عن الدور بما ذكر في التبادر هاهنا (٤) ، ضرورة أنّه مع العلم بكون الاستعمال على نحو الحقيقة لا يبقى مجال لاستعلام حال الاستعمال بالاطّراد أو بغيره (٥).

__________________

(١) الذريعة إلى اصول الشريعة ١ : ١٠ ، القوانين ١ : ٣٢ ، الفصول : ٣٨.

(٢) هذا دفع إشكال مقدّر.

حاصل الإشكال : أنّ الاطّراد حاصل بالنسبة إلى المعاني المجازيّة أيضا ، نظير استعمال لفظ «أسد» في زيد بلحاظ الشجاعة ، فإنّه يصحّ استعماله في غير زيد من أفراد الشجاع.

وحاصل الجواب : أنّ الملحوظ في استعمال المجازيّ نوع العلاقة كعلاقة المشابهة ، لا خصوصها ـ كالمشابهة بالشجاعة ـ ، وبملاحظة نوع العلاقة لا يطّرد الاستعمال ، بداهة أنّه لا يطّرد استعمال لفظ «أسد» في كلّ ما شابهه بلحاظ المشابهة ، إذ لا يصحّ استعماله في الجبّان الأبخر ولا الجبّان ذي العينين وهكذا.

(٣) كما زادهما صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٣٨.

(٤) وفي بعض النسخ «هنا».

(٥) وفيه : أنّا لم تكن بصدد استعلام حال الاستعمال بالاطّراد ، بل كنّا بصدد استعلام حال الوضع والموضوع له بالاطّراد. فنقول : انّا إذا راجعنا إلى أهل لغة ورأينا أنّهم يستعملون لفظا ويريدون به معنى وكان استعماله في ذاك المعنى شائعا بحيث ينتقلون إلى ذاك المعنى بمجرّد سماعه ـ من أيّ فرد وفي أيّ مورد ـ يحصل لنا القطع بأنّه الموضوع له ، لأنّ صحّة الاستعمال ـ بعد فرض عدم استناده إلى القرينة ولا إلى ذات اللفظ ـ مستندة إلى الوضع.

والحاصل : أنّ شيوع استعمال لفظ في معنى خاصّ عند أهل لغة ـ من دون ذكر قرينة ـ يكشف عن أنّه الموضوع له ، فهذا طريقة إلى فهم المعنى الموضوع له كما أنّ تصريح ـ

الثامن

[تعارض الأحوال]

أنّه للّفظ أحوال خمسة ، وهي : التجوّز والاشتراك والتخصيص والنقل والإضمار (١) ، لا يكاد يصار إلى أحدها فيما إذا دار الأمر بينه وبين المعنى

__________________

ـ الواضعين بالوضع طريقة اخرى إليه.

هذا كلّه لو كان المراد من الاطّراد ما ذكرناه ، وأمّا التقارير الأخر فلا تخلو من ضعف. فراجع نهاية الدراية ١ : ٥١ ، مناهج الوصول ١ : ١٢٩ ـ ١٣٠ ، محاضرات في اصول الفقه ١ : ١٢١ ـ ١٢٣.

تنبيه :

ثمّ لا يخفى : أنّه لا يترتّب على العلم بالوضع ثمرة عمليّة إلّا على القول بأنّ مدار حجيّة اللفظ على أصالة الحقيقة تعبّدا ، فيقال : إنّ مراد المستعمل هو المعنى الموضوع له ولو لم يكن اللفظ ظاهرا فيه ، فيستعلم المعنى الموضوع له ـ ولو بمعونة أصالة عدم النقل ـ ويحمل كلامه عليه. وأمّا لو كان مدار حجّيّة اللفظ على أصالة الظهور ـ كما هو التحقيق ـ فلا يترتّب على العلم بالموضوع له ثمرة عمليّة ، لأنّ كلام المستعمل يحمل على ما يكون ظاهرا فيه وإن كان ظهوره فيه مستندا إلى وجود القرينة ، ولا يحمل على ما لا يكون ظاهرا فيه وإن كان معنى حقيقيّا قد وضع اللفظ له.

(١) أمّا التجوّز فهو استعمال اللفظ فيما يناسب الموضوع له من جهة وجود العلاقة بينه وبين الموضوع له.

وأمّا الاشتراك فهو قسمان :

١ ـ الاشتراك اللفظيّ : وهو وضع لفظ لمعاني مختلفة بأوضاع متعدّدة.

٢ ـ الاشتراك المعنويّ : وهو وضع لفظ لمعنى عامّ له أفراده مختلفة. ـ

الحقيقيّ (١) إلّا بقرينة صارفة عنه إليه.

وأمّا إذا دار الأمر بينها ، فالاصوليّون وإن ذكروا لترجيح بعضها على بعض وجوها (٢) إلّا أنّها استحسانيّة لا اعتبار بها إلّا إذا كانت موجبة لظهور اللفظ في المعنى ، لعدم مساعدة دليل على اعتبارها بدون ذلك ، كما لا يخفى.

__________________

ـ وأمّا التخصيص فهو اختصاص حكم العامّ ببعض أفراده.

وأمّا النقل فهو غلبة استعمال اللفظ الموضوع لمعنى في معنى آخر بحيث هجر المعنى الأوّل.

وأمّا الإضمار فهو تقدير شيء يتوقّف الكلام عليه.

(١) لا يخفى : أنّ تصوّر دوران الأمر بين المعنى الحقيقيّ والمجازيّ ظاهر. وتصوّره بين المعنى الحقيقيّ والمعنى المنقول أيضا بمكان من الإمكان ، بأن يقال : إنّ المراد من المعنى الحقيقيّ هو المعنى الموضوع له اللفظ بالوضع الأوّلي ، فيدور الأمر بينه وبين المعنى الموضوع له اللفظ بالوضع الثانويّ. وكذلك الحال في دوران الأمر بين المعنى الحقيقيّ والتخصيص بناء على أنّ التخصيص لا يوجب المجازيّة. وأمّا دوران الأمر بين المعنى الحقيقيّ والمشترك اللفظيّ أو المشترك المعنويّ فلا يتصوّر ، لأنّ المعنى المشترك أيضا معنى حقيقيّ ، فلا يعدّ قسيما للمعنى الحقيقيّ حتّى يتصوّر دوران الأمر بينهما.

(٢) راجع الفصول الغرويّة : ٤٠ ، وقوانين الاصول ١ : ٣٢.

التاسع

[الحقيقة الشرعيّة]

أنّه اختلفوا في ثبوت الحقيقة الشرعيّة (١) وعدمه على أقوال.

[تمهيد مقال]

وقبل الخوض في تحقيق الحال لا بأس بتمهيد مقال ، وهو : أنّ الوضع التعيينيّ كما يحصل بالتصريح بإنشائه (٢) كذلك يحصل باستعمال اللفظ في غير ما وضع له كما إذا وضع له ، بأنّ يقصد الحكاية عنه والدلالة عليه بنفسه لا بالقرينة (٣) ، وإن كان لا بدّ حينئذ من نصب قرينة ، إلّا أنّه للدلالة على ذلك (٤) ، لا على إرادة المعنى كما

__________________

(١) وهي الحقيقة الثانوية الّتي وضع لها اللفظ بالوضع الثانويّ الصادر من الشارع بعد ما كان موضوعا بالوضع الأوّلى في معنى آخر لغويّ.

وتحرير النزاع : أنّه لا اشكال في أنّ الشارع استعمل ألفاظا وأراد منها معان معيّنة مستحدثة غير معانيها اللغويّة ، انّما الكلام في أنّه هل نقلها من المعاني اللغويّة ووضعها بالوضع الثانويّ في هذه المعانيّ المستحدثة فيثبت الحقيقة الشرعيّة ، أو لم ينقلها ، بل استعملها فيها بنحو المجاز؟

(٢) بأن يقول الواضع : «وضعت هذا اللفظ لهذا المعنى».

(٣) أي : كذلك يتحقّق بنفس استعمال اللفظ في معنى مستحدث على سبيل الوضع بقصد الحكاية عن المعنى المستحدث بنفس اللفظ ـ كما كان كذلك حين استعماله في المعنى اللغويّ السابق ـ ، لا بالقرينة حتّى يكون من استعمال اللفظ في غير الموضوع له.

(٤) أي : لا بدّ من نصب قرينة على إرادة الوضع الثانويّ.

في المجاز ، فافهم.

وكون استعمال اللفظ فيه كذلك [استعمالا] (١) في غير ما وضع له بلا مراعاة ما اعتبر في المجاز فلا يكون بحقيقة ولا مجاز ، غير ضائر بعد ما كان ممّا يقبله الطبع ولا يستنكره. وقد عرفت سابقا (٢) أنّه في الاستعمالات الشائعة في المحاورات ما ليس بحقيقة ولا مجاز (٣).

[ثبوت الحقيقة الشرعيّة]

إذا عرفت هذا ، فدعوى الوضع التعيينيّ في الألفاظ المتداولة في لسان الشارع هكذا قريبة جدّا ، ومدّعي القطع به غير مجازف قطعا (٤). ويدّل عليه تبادر المعاني الشرعيّة منها في محاوراته (٥).

ويؤيّد ذلك أنّه ربما لا تكون علاقة معتبرة بين المعاني الشرعيّة واللغويّة ، فأيّ

__________________

(١) ما بين المعقوفتين ليس في النسخ ، ولكن لا بدّ منه ، فيكون معنى العبارة : كون استعمال اللفظ في المعنى المستحدث بقصد الوضع الثانويّ استعمالا في غير ما وضع له بلا مراعاة ما اعتبر في المجاز ، فلا يكون الاستعمال حقيقيّا حيث لم يستعمل في الموضوع له ولا مجازيّا حيث لم يلاحظ وجود العلاقة بينه وبين المعنى المستحدث. هذا كلّه مبتدأ ، وخبره «غير ضائر».

(٢) في الأمر الرابع : ٣٥.

(٣) كاستعمال اللفظ في نوعه أو مثله.

(٤) أورد عليه المحقّق النائينيّ بأنّ حقيقة الاستعمال إفناء اللفظ في المعنى وإلقاء المعنى في الخارج بحيث تكون الألفاظ مغفولا عنها. فالاستعمال يستدعي أن يكون النظر إلى الألفاظ آليّا ، والوضع يستدعي أن يكون النظر إليها استقلاليّا ، لأنّه جعل الارتباط بين اللفظ والمعنى ، فالجمع بين الوضع والاستعمال في شيء يلازم الجمع بين اللحاظ الآليّ والاستقلاليّ ، وهو محال. أجود التقريرات ١ : ٣٣.

ودفعه المحقّق العراقيّ بما حاصله : أنّ متعلّق اللحاظ الاستقلاليّ في حال الوضع هو طبيعيّ اللفظ ، ومتعلّق اللحاظ الآليّ في حال الاستعمال هو مصداق اللفظ ، إذ به تكون الحكاية ، فلا يلزم من انشاء الوضع بالاستعمال اجتماع لحاظين في شيء واحد. بدائع الأفكار ١ : ٣٣.

والمحقّق الاصفهانيّ قرّب الإشكال بوجه ثان ، ثمّ دفعه بوجه آخر. راجع نهاية الدراية ١ : ٥٢ ، وبحوث في الاصول ١ : ٣٢.

(٥) مرّ ما في علاميّة التبادر ، فراجع.