درس کفایة الاصول - بخش اول (فشرده)

جلسه ۱۱: جلسه ۱۱

 

العاشر

[الصحيح والأعمّ]

أنّه وقع الخلاف في أنّ ألفاظ العبادات أسام لخصوص الصحيحة أو للأعمّ منها (١).

وقبل الخوض في ذكر أدلّة القولين يذكر امور :

[١ ـ ابتناء النزاع على القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة]

منها : أنّه لا شبهة في تأتّي الخلاف على القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة (٢). وفي جريانه على القول بالعدم إشكال.

وغاية ما يمكن أن يقال في تصويره (٣) : أنّ النزاع وقع على هذا في أنّ الأصل

__________________

(١) وقد يقال : «ألفاظ العبادات هل هي موضوعة بإزاء خصوص الصحيحة أو الأعمّ؟».

(٢) فيقال : «إنّ ألفاظ العبادات هل وضعها الشارع بالوضع الثانويّ لخصوص الصحيحة من العبادات أو لما يعمّ الفاسدة منها؟».

(٣) أي : تصوير الخلاف على القول بعدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة. وهذا التصوير ذكره الشيخ الأعظم الأنصاريّ ـ على ما في تقريرات بحثه : ٣ ـ. وحاصله : أنّه لا شكّ أنّ استعمال ألفاظ العبادات في معانيها استعمال في غير الموضوع له ـ على القول بعدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة ـ ، واستعمال اللفظ في غير الموضوع له غلط إلّا فيما إذا كان بينه وبين المعنى الموضوع له علاقة بها يصحّح الاستعمال ، كي يكون استعمال ألفاظ العبادات في معانيها استعمالا ـ

في هذه الألفاظ المستعملة مجازا في كلام الشارع هو استعمالها في خصوص الصحيحة أو الأعمّ ، بمعنى أنّ أيّهما قد اعتبرت العلاقة بينه وبين المعاني اللغويّة ابتداء وقد استعمل في الآخر بتبعه ومناسبته ، كي ينزّل كلامه عليه مع القرينة الصارفة عن المعاني اللغويّة وعدم قرينة اخرى معيّنة للآخر.

وأنت خبير بأنّه لا يكاد يصحّ هذا إلّا إذا علم أنّ العلاقة إنّما اعتبرت كذلك ، وأنّ بناء الشارع في محاوراته استقرّ ـ عند عدم نصب قرينة اخرى (١) ـ على إرادته (٢) ، بحيث كان هذا (٣) قرينة عليه (٤) من غير حاجة إلى قرينة معيّنة اخرى ، وأنّى لهم بإثبات ذلك (٥).

وقد انقدح بما ذكرنا تصوير النزاع على ما نسب إلى الباقلانيّ (٦) ، وذلك بأن يكون النزاع في أنّ قضيّة القرينة المضبوطة (٧) الّتي لا يتعدّى عنها إلّا بالاخرى الدالّة على أجزاء المأمور به وشرائطه هي تمام الأجزاء والشرائط أو هما في الجملة ، فلا تغفل.

__________________

ـ مجازيّا. انّما الكلام في أنّ العلاقة هل اعتبرت ابتداء بين الموضوع له وبين خصوص الصحيحة من المعاني الشرعيّة ثمّ استعملت فيما يعمّ الفاسدة بالتبع والمناسبة فيكون من قبيل سبك مجاز في مجاز أم اعتبرت ابتداء بين الموضوع له وبين ما يعمّ الفاسدة؟ فعلى الأوّل تحمل الألفاظ على خصوص الصحيحة فيما إذا لم تقم قرينة على تعيين أحد المعنيين ـ بعد قيام قرينة صارفة عن الموضوع له ـ ، وعلى الثاني تحمل على الأعمّ.

(١) غير القرينة الصارفة عن المعنى اللغويّ الّتي لا بدّ منها.

(٢) أي : إرادة خصوص المعنى الّذي اعتبرت العلاقة ابتداء بينه وبين المعنى اللغويّ.

(٣) أي : هذا البناء.

(٤) هكذا في جميع النسخ. والصحيح أن يقول : «وعليها» ، فإنّ الضمير يرجع إلى إرادة أحد المعنيين بالخصوص.

(٥) وقد ذكر المحقّق النائينيّ وجها آخر في التصوير لا يتوقّف على اثبات ما ذكره المصنّف.

فراجع فوائد الاصول ١ : ٥٩ ، أجود التقريرات ١ : ٣٤.

(٦) وحاصله : أنّ ألفاظ العبادات استعملت في معانيها اللغويّة ، وأمّا المعاني الشرعيّة فاريدت بالقرائن من قبيل تعدّد الدالّ والمدلول. شرح العضديّ ١ : ٥١ ـ ٥٢.

(٧) فإنّ النزاع ـ حينئذ ـ يقع في القرائن ، لا في نفس الألفاظ.

[٢ ـ معنى الصحّة والفساد]

ومنها : أنّ الظاهر أنّ الصحّة عند الكلّ بمعنى واحد ، وهو التماميّة. وتفسيرها بإسقاط القضاء ـ كما عن الفقهاء ـ أو بموافقة الشريعة ـ كما عن المتكلّمين ـ أو غير ذلك إنّما هو بالمهمّ من لوازمها (١) ، لوضوح اختلافه (٢) بحسب اختلاف الأنظار. وهذا لا يوجب تعدّد المعنى ، كما لا يوجبه اختلافها بحسب الحالات من السفر والحضر والاختيار والاضطرار إلى غير ذلك ، كما لا يخفى.

ومنه ينقدح : أنّ الصحّة والفساد أمران إضافيّان (٣) ، فيختلف شيء واحد صحّة وفسادا بحسب الحالات ، فيكون تامّا بحسب حالة وفاسدا بحسب اخرى ، فتدبّر جيّدا.

[٣ ـ لزوم قدر جامع على القولين]

ومنها : أنّه لا بدّ على كلا القولين من قدر جامع في البين كان هو المسمّى بلفظ كذا(٤).

__________________

(١) وأورد عليه المحقّق الاصفهانيّ بما حاصله : أنّ حيثيّة القضاء وموافقة الشريعة وغيرهما ليست من لوازم التماميّة بالدقّة ، بل هي من الحيثيّات الّتي يتمّ بها حقيقة التماميّة حيث لا رافع للتماميّة إلّا التماميّة من حيث إسقاط القضاء أو من حيث موافقة الأمر وغيرهما ، واللازم ليس من متمّمات معنى ملزومه. نهاية الدراية ١ : ٥٨ ـ ٥٩.

وأجاب عنه السيّد المحقّق الخوئيّ بأنّ للتماميّة واقعيّة مستقلّة هي : جامعيّة الأجزاء والشرائط ، فلها واقعيّة قطع النظر عن إسقاط القضاء وموافقة الشريعة وغيرهما ، وليست هذه الامور إلّا من آثار التماميّة ولوازمها. محاضرات في اصول الفقه ١ : ١٣٥ ـ ١٣٦.

ولكن لا يخفى ما فيه ، فإنّ الجامعيّة والتماميّة والصحّة أوصاف وجوديّة تعرض الشيء الموجود ، فهي كيفيّات عرضيّة ، والأعراض لا واقع لها مستقلّا حتّى تكون موجودة في نفسه لنفسه ، بل هي وجودات غير مستقلّة ومن نوع الوجود في نفسه لغيره ، فإسقاط القضاء وموافقة الشريعة وغيرهما ليست من مقوّمات التماميّة ولا من آثارها ولوازمها ، بل هي من آثار الشيء الموجود المتّصف بالتماميّة.

(٢) أي : اختلاف المهمّ.

(٣) وقد خالفه السيّد الإمام الخمينيّ وذهب إلى أنّ الصحّة والفساد كيفيّتان وجوديّتان عارضتان للشيء في الوجود الخارجيّ وبينهما تقابل التضادّ. مناهج الوصول ١ : ١٤٣ ـ ١٤٤.

(٤) وخالفه المحقّق النائيني وذهب إلى أنّه لا ضرورة تدعو إلى تصوير جامع وحدانيّ ـ

ولا إشكال في وجوده بين الأفراد الصحيحة ، وإمكان الإشارة إليه بخواصّه وآثاره (١) ، فإنّ الاشتراك في الأثر كاشف عن الاشتراك في جامع واحد يؤثّر الكلّ فيه (٢) بذاك الجامع (٣) ، فيصحّ تصوير المسمّى بلفظ الصلاة ـ مثلا ـ ب «الناهية عن الفحشاء» و «ما هو معراج المؤمن» ونحوهما (٤).

__________________

ـ يشترك فيه جميع الأفراد ، بل يمكن الالتزام بوضع لفظ العبادة ـ كالصلاة ـ في المرتبة العليا من مراتبها بالخصوص ، وهي المرتبة الواجدة لتمام الأجزاء والشرائط ـ أي الصلاة المختارة ـ. فالموضوع له على قول الصحيحيّ أو الأعمىّ هو المرتبة العليا. ويستعمل اللفظ في غيرها على كلا القولين ـ من الادّعاء والتنزيل ـ ، غاية الأمر أنّ الصحيحيّ يدّعي أنّ استعمال لفظ الصّلاة في بقيّة المراتب الصحيحة من باب الادّعاء وتنزيل الفاقد منزلة الواجد أو من باب الاشتراك في الأثر ، والأعمّي يدّعي أنّ استعماله في بقيّة مراتب الصّلاة من باب العناية والتنزيل أو الاشتراك في الأثر. أجود التقريرات ١ : ٣٦.

ولا يخفى : أنّ المرتبة العليا من كلّ عبادة هي العبادة المأمور بها ، وهي تختلف باختلاف الأصناف والأحوال ، فلا بدّ من تصوير الجامع الّذي يكون اللفظ موضوعا بإزائه.

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «بخواصّها وآثارها» فإنّ الضميرين يرجعان إلى الأفراد الصحيحة. والأولى أن يقول : «وإمكان الإشارة إليه ـ أي إلى الجامع ـ بخواصّها وآثارها المشتركة».

(٢) أي : في ذلك الأثر.

(٣) وهو لقاعدة فلسفيّة ، هي : «الواحد لا يصدر إلّا من الواحد».

(٤) نحو : «ما هو قربان كلّ تقيّ» و «ما هو عمود الدين».

وقد خالفه الأعلام الثلاثة :

أمّا المحقّق الاصفهانيّ فخالفه وأورد عليه بوجوه :

الأوّل : أنّه لا يتصوّر وجود جامع ذاتيّ مقوليّ لأفراد الصّلاة ، لأنّها مؤلّفة من مقولات متباينة لا تندرج تحت مقولة واحدة ، فإنّ المقولات أجناس عالية لا جنس فوقها.

الثاني : أنّه لو فرض وجود الجامع البسيط المقوليّ المتّحد مع الأفراد الخارجيّة يلزم منه اتّحاد البسيط مع المركّب ، وهو ممتنع.

الثالث : أنّ النهي عن الفحشاء أثر واحد عنوانا لا حقيقة ، لاختلاف أنحائه حقيقة باختلاف مراتب أنحاء الفحشاء ، فهو لا يكشف عن وحدة المؤثّر حقيقة.

الرابع : أنّه لو كان الجامع المقوليّ الذاتيّ معقولا لم يكن مختصّا بالصحيحيّ ، بل يعمّ الأعميّ ، لأنّ مراتب الصحيحة والفاسدة متداخلة حيث أنّ ذات الأجزاء والشرائط قابلة للصحّة والفساد بلحاظ اختلاف حالها. ـ

والإشكال فيه (١) : ب «أنّ الجامع لا يكاد يكون أمرا مركّبا ، إذ كلّ ما فرض جامعا يمكن أن يكون صحيحا وفاسدا ، لما عرفت. ولا أمرا بسيطا ، لأنّه لا يخلو إمّا أن يكون هو عنوان المطلوب أو ملزوما مساويا له (٢) ، والأوّل غير معقول ، لبداهة استحالة أخذ ما لا يتأتّى (٣) إلّا من قبل الطلب في متعلّقه ؛ مع لزوم الترادف بين لفظة الصّلاة والمطلوب ؛ وعدم جريان البراءة مع الشكّ في أجزاء العبادات وشرائطها ، لعدم الإجمال حينئذ في المأمور به فيها ، وإنّما الإجمال فيما يتحقّق به ، وفي مثله لا مجال لها ـ كما حقّق في محلّه ـ ، مع أنّ المشهور القائلين بالصحيح قائلون بها في الشكّ فيها. وبهذا يشكل لو كان البسيط هو ملزوم المطلوب أيضا».

مدفوع : بأنّ الجامع إنّما هو مفهوم واحد منتزع عن هذه المركّبات المختلفة

__________________

ـ ثمّ ذكر وجها للجامع الصحيحيّ ، حاصله : أنّ الجامع لا ينحصر في الجامع المقوليّ والعنوانيّ ، بل لنا أن نلتزم بثبوت جامع آخر للأفراد الصحيحة ، وهو سنخ عمل مبهم مركّب من جملة أجزاء يعرّفه جهة نهيه عن الفحشاء ، وبذلك يقتصر في صدقه على خصوص الأفراد الصحيحة. نهاية الدراية ١ : ٦١ ـ ٦٤.

وأمّا المحقّق العراقيّ ـ بعد ملاحظة ما في كلام المصنّف رحمه‌الله وعدم ارتضائه بما ذكره المحقّق الاصفهانيّ ـ فصوّر الجامع ببيان آخر ، حاصله : أنّ الجامع لا ينحصر في المقوليّ والعنوانيّ ، بل لنا فرض جامع آخر ، وهو المرتبة الخاصّة من الوجود الساري في المقولات المتباينة ماهيّة. بدائع الأفكار ١ : ١١٦ ـ ١١٨.

وأمّا المحقّق النائينيّ فهو ـ بعد ذكر ما يرد على الجامع الصحيحيّ الّذي صوّره المحقّق الخراسانيّ ـ أنكر وجود الجامع الصحيحيّ. فوائد الاصول ١ : ٦٥ ـ ٧٤.

وفي كلماتهم بعض ملاحظات ذكر بعضها السيّدان العلمان : الخوئيّ والخمينيّ ، فراجع المحاضرات ١ : ١٤٤ ـ ١٥٥ ، ومناهج الوصول ١ : ١٤٨ ـ ١٥٥.

(١) والمستشكل هو الشيخ الأعظم الأنصاريّ على ما في تقريرات بحثه ، فراجع مطارح الأنظار : ٦.

(٢) وفي مطارح الأنظار : ٦ : «أو ما هو في مرتبته أو ملزوما مساويا له». ثمّ أورد الإشكال الأوّل «لبداهة ...» والثاني «مع لزوم الترادف ...» على فرض كون الجامع عنوان المطلوب أو ما هو في مرتبته. وأورد الإشكال الثالث «وعدم جريان البراءة ...» على فرض كونه ملزوما مساويا له.

(٣) هكذا في جميع النسخ. والأولى أن يقول : «يأتي».

ـ زيادة ونقيصة بحسب اختلاف الحالات ـ متّحد معها نحو اتّحاد (١) ، وفي مثله تجري البراءة ، وإنّما لا تجري فيما إذا كان المأمور به أمرا واحدا خارجيّا مسبّبا عن مركّب مردّد بين الأقلّ والأكثر ، كالطهارة المسبّبة عن الغسل والوضوء فيما إذا شكّ في أجزائهما.

هذا على الصحيح.

وأمّا على الأعمّ ، فتصوير الجامع في غاية الإشكال ، فما قيل في تصويره أو يقال وجوه :

أحدها : أن يكون عبارة عن جملة من أجزاء العبادة كالأركان في الصّلاة ـ مثلا ـ وكان الزائد عليها معتبرا في المأمور به ، لا في المسمّى (٢).

وفيه : ما لا يخفى ، فإنّ التسمية بها حقيقة لا تدور مدارها ، ضرورة صدق الصّلاة مع الإخلال ببعض الأركان (٣) ، بل وعدم الصدق عليها مع الإخلال بسائر الأجزاء والشرائط عند الأعميّ (٤) ؛ مع أنّه يلزم أن يكون الاستعمال فيما هو المأمور به بأجزائه وشرائطه مجازا عنده ، وكان من باب استعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكلّ (٥) ، لا من باب إطلاق الكلّيّ على الفرد والجزئيّ ـ كما هو واضح ـ ، ولا يلتزم به القائل بالأعمّ ، فافهم.

ثانيها : أن تكون موضوعة لمعظم الأجزاء الّتي تدور مدارها التسمية عرفا.

__________________

(١) من قبيل اتّحاد الكلّي مع أفراده.

(٢) وهذا ما استظهره الشيخ الأعظم الأنصاريّ ـ على ما في مطارح الأنظار : ٧ ـ من كلام المحقّق القميّ في قوانين الاصول ١ : ٦٠.

وذهب إليه السيّد المحقّق الخوئيّ ـ بعد دفع ما أورد عليه المصنّف والمحقّق النائينيّ ـ. محاضرات في اصول الفقه ١ : ١٥٧ ـ ١٦٣.

(٣) كما تصدق الصّلاة على صلاة الجالس الفاقدة للقيام ، فلا يكون هذا الجامع منعكسا.

(٤) فلا يكون هذا الجامع مطّردا.

(٥) لأنّ اللفظ موضوع لخصوص الأركان ، فاستعماله في المجموع وإطلاقه على الواجد لجميع الأجزاء والشرائط استعمال للّفظ الموضوع للجزء في الكلّ ، وهو مجاز.

فصدق الاسم كذلك يكشف عن وجود المسمّى ، وعدم صدقه عن عدمه (١).

وفيه ـ مضافا إلى ما اورد على الأوّل أخيرا (٢) ـ : أنّه عليه يتبادل ما هو المعتبر في المسمّى ، فكان شيء واحد داخلا فيه تارة وخارجا عنه اخرى ، بل مردّدا بين أن يكون هو الخارج أو غيره عند اجتماع تمام الأجزاء ، وهو كما ترى ، سيّما إذا لوحظ هذا مع ما عليه العبادات من الاختلاف الفاحش بحسب الحالات (٣).

ثالثها : أن يكون وضعها كوضع الأعلام الشخصيّة ك «زيد» ، فكما لا يضرّ في التسمية فيها (٤) تبادل الحالات المختلفة من الصغر والكبر ونقص بعض الأجزاء وزيادته ، كذلك فيها (٥).

وفيه : أنّ الأعلام إنّما تكون موضوعة للأشخاص ، والتشخّص إنّما يكون بالوجود الخاصّ ، ويكون الشخص حقيقة باقيا ما دام وجوده باقيا وإن تغيّرت عوارضه من الزيادة والنقصان وغيرهما من الحالات والكيفيّات ، فكما لا يضرّ اختلافها في التشخّص لا يضرّ اختلافها في التسمية. وهذا بخلاف مثل ألفاظ العبادات ممّا كانت موضوعة للمركّبات والمقيّدات ، ولا يكاد يكون موضوعا له إلّا ما كان جامعا لشتاتها وحاويا لمتفرّقاتها ، كما عرفت في الصحيح منها.

رابعها : أنّ ما وضعت له الألفاظ ابتداء هو الصحيح التامّ الواجد لتمام الأجزاء

__________________

(١) هذا منسوب إلى جماعة من القائلين بالأعمّ ، راجع مطارح الأنظار : ٨.

(٢) وهو لزوم المجازيّة في استعمال اللفظ في الكلّ.

(٣) فإنّ معظم الأجزاء في صلاة المختار هو النيّة والتكبيرة والركوع والتشهّد والقيام ـ مثلا ـ ، وهو في صلاة العاجز عن القيام تلك الامور مجرّدة عن القيام ، فجزء واحد قد يكون داخلا في المعظم وقد يكون خارجا عنه ، فلا يعلم أنّ القيام داخل في المعظم أو خارج عنه.

وهذا الإيراد دفعه المحقّق الاصفهانيّ وصحّح كون الجامع هو المعظم بنحو آخر. وحاصله : أنّ إشكال تبادل أجزاء ماهيّة واحدة انّما يرد إذا لوحظت الأجزاء معيّنة لا مبهمة ، فيمكن تصحيح كون الجامع هو المعظم بنحو الإبهام. وتقريبه : أنّ الجامع الموضوع له هو سنخ عمل مبهم إلّا من بعض الجهات ، وهو قابل للانطباق على الكثير والقليل ، وتكون نسبته إلى الأفراد نسبة الكلّي إلى أفراده ، فيصدق على الأفراد المتبادلة بنحو البدل. نهاية الدراية ١ : ٧٦.

(٤) أي : في الأعلام الشخصيّة.

(٥) أي : في ألفاظ العبادات.

والشرائط ، إلّا أنّ العرف يتسامحون ـ كما هو ديدنهم (١) ـ ويطلقون تلك الألفاظ على الفاقد للبعض تنزيلا له منزلة الواجد ، فلا يكون مجازا في الكلمة ـ على ما ذهب إليه السكّاكي في الاستعارة (٢) ـ ، بل يمكن دعوى صيرورته حقيقة فيه بعد الاستعمال فيه كذلك (٣) دفعة أو دفعات ، من دون حاجة إلى الكثرة والشهرة ، للانس الحاصل من جهة المشابهة في الصورة أو المشاركة في التأثير. كما في أسامي المعاجين الموضوعة ابتداء لخصوص مركّبات واجدة لأجزاء خاصّة ، حيث يصحّ إطلاقها على الفاقد لبعض الأجزاء المشابه له صورة والمشارك (٤) في المهمّ أثرا ، تنزيلا أو حقيقة.

وفيه : أنّه إنّما يتمّ في مثل أسامي المعاجين وسائر المركّبات الخارجيّة ممّا يكون الموضوع له فيها ابتداء مركّبا خاصّا. ولا يكاد يتمّ في مثل العبادات الّتي عرفت أنّ الصحيح منها يختلف حسب اختلاف الحالات وكون الصحيح بحسب حالة فاسدا بحسب حالة اخرى ، كما لا يخفى ، فتأمّل جيّدا.

خامسها : أن يكون حالها حال أسامي المقادير والأوزان ، مثل المثقال والحقّة والوزنة إلى غير ذلك ممّا لا شبهة في كونها حقيقة في الزائد والناقص في الجملة ، فإنّ الواضع وإن لاحظ مقدارا خاصّا إلّا أنّه لم يضع له بخصوصه ، بل للأعمّ منه ومن الزائد والناقص ، أو أنّه وإن خصّ به أوّلا إلّا أنّه بالاستعمال كثيرا فيهما (٥) ـ بعناية أنّهما منه ـ قد صار حقيقة في الأعمّ ثانيا.

وفيه : أنّ الصحيح ـ كما عرفت في الوجه السابق ـ يختلف زيادة ونقيصة فلا يكون هناك ما يلاحظ الزائد والناقص بالقياس عليه كي يوضع اللفظ لما هو الأعمّ ، فتدبّر جيّدا.

__________________

(١) أي : دأبهم وعادتهم.

(٢) مفتاح العلوم : ١٥٦.

(٣) أي : يمكن دعوى صيرورة اللفظ حقيقة في الفاقد بعد استعماله فيه تنزيلا له منزلة الواجد.

(٤) المشابه والمشارك وصفان لقوله : «الفاقد».

(٥) أي : في الزائد والناقص.

[٤ ـ الوضع والموضوع له في ألفاظ العبادات]

منها : أنّ الظاهر أن يكون الوضع والموضوع له في ألفاظ العبادات عامّين.

واحتمال كون الموضوع له خاصّا بعيد جدّا ، لاستلزامه كون استعمالها في الجامع ـ في مثل : «الصّلاة تنهى عن الفحشاء» (١) و «الصّلاة معراج المؤمن» (٢) و «عمود الدين» (٣) و «الصوم جنّة من النار» (٤) ـ مجازا ، أو منع استعمالها فيه في مثلها. وكلّ منهما بعيد إلى الغاية (٥) ، كما لا يخفى على اولي النهاية (٦).

[٥ ـ ثمرة النزاع]

ومنها : أنّ ثمرة النزاع إجمال الخطاب على القول الصحيحيّ (٧) وعدم جواز الرجوع إلى إطلاقه في رفع ما إذا شكّ في جزئيّة شيء للمأمور به أو شرطيّته أصلا ، لاحتمال دخوله في المسمّى كما لا يخفى (٨) ، وجواز الرجوع إليه في ذلك على

__________________

(١) إشارة إلى قوله تعالى : ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. العنكبوت / ٤٥.

(٢) الاعتقادات للشيخ ٢ : ٣٩.

(٣) دعائم الإسلام ١ : ١٣٣. وسقط في بعض النسخ.

(٤) المحاسن (للبرقي) : ٢٨٦ ، الحديث ٤٣٠.

(٥) أمّا الأوّل : فلأنّ استعمال الألفاظ الموضوعة للأفراد في الجامع يحتاج إلى قرينة ، وهي مفقودة في المقام. وأمّا الثاني : فلأنّ المتبادر إلى الذهن في مثل هذه التراكيب طبيعيّ الصّلاة ، لا أفرادها.

(٦) هكذا في جميع النسخ. والأولى أن يقول : «اولى النهى» ، فإنّ النهى جمع النهية أي : العقل.

وأمّا النهاية فليس معناها إلّا غاية الشيء ، وهو لا يناسب المقام.

(٧) هكذا في جميع النسخ. والصحيح أن يقول : «قول الصحيحيّ».

(٨) بيان ذلك : أنّ إحراز صدق اللفظ المطلق على الفرد المشكوك فيه شرط في التمسّك بالإطلاق. وهذا مفقود في المقام على القول بوضع اللفظ للصحيح ، لأنّ كلّ ما يشكّ في اعتباره ـ جزءا وشرطا ـ في المأمور به يحتمل أن يكون دخيلا في المسمّى ، فلا يحرز صدق اللفظ على فاقده حتّى يتمسّك بإطلاقه في نفى اعتباره في المأمور به. وأمّا على القول بوضع اللفظ للأعمّ فلا شكّ أنّ اللفظ يصدق على الفاقد كما يصدق على الواجد ، فيجدي التمسّك بإطلاقه فى نفى اعتبار المشكوك فيه في المأمور به.