درس کفایة الاصول - بخش اول (فشرده)

جلسه ۱۲: جلسه ۱۲

 

[٤ ـ الوضع والموضوع له في ألفاظ العبادات]

منها : أنّ الظاهر أن يكون الوضع والموضوع له في ألفاظ العبادات عامّين.

واحتمال كون الموضوع له خاصّا بعيد جدّا ، لاستلزامه كون استعمالها في الجامع ـ في مثل : «الصّلاة تنهى عن الفحشاء» (١) و «الصّلاة معراج المؤمن» (٢) و «عمود الدين» (٣) و «الصوم جنّة من النار» (٤) ـ مجازا ، أو منع استعمالها فيه في مثلها. وكلّ منهما بعيد إلى الغاية (٥) ، كما لا يخفى على اولي النهاية (٦).

[٥ ـ ثمرة النزاع]

ومنها : أنّ ثمرة النزاع إجمال الخطاب على القول الصحيحيّ (٧) وعدم جواز الرجوع إلى إطلاقه في رفع ما إذا شكّ في جزئيّة شيء للمأمور به أو شرطيّته أصلا ، لاحتمال دخوله في المسمّى كما لا يخفى (٨) ، وجواز الرجوع إليه في ذلك على

__________________

(١) إشارة إلى قوله تعالى : ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. العنكبوت / ٤٥.

(٢) الاعتقادات للشيخ ٢ : ٣٩.

(٣) دعائم الإسلام ١ : ١٣٣. وسقط في بعض النسخ.

(٤) المحاسن (للبرقي) : ٢٨٦ ، الحديث ٤٣٠.

(٥) أمّا الأوّل : فلأنّ استعمال الألفاظ الموضوعة للأفراد في الجامع يحتاج إلى قرينة ، وهي مفقودة في المقام. وأمّا الثاني : فلأنّ المتبادر إلى الذهن في مثل هذه التراكيب طبيعيّ الصّلاة ، لا أفرادها.

(٦) هكذا في جميع النسخ. والأولى أن يقول : «اولى النهى» ، فإنّ النهى جمع النهية أي : العقل.

وأمّا النهاية فليس معناها إلّا غاية الشيء ، وهو لا يناسب المقام.

(٧) هكذا في جميع النسخ. والصحيح أن يقول : «قول الصحيحيّ».

(٨) بيان ذلك : أنّ إحراز صدق اللفظ المطلق على الفرد المشكوك فيه شرط في التمسّك بالإطلاق. وهذا مفقود في المقام على القول بوضع اللفظ للصحيح ، لأنّ كلّ ما يشكّ في اعتباره ـ جزءا وشرطا ـ في المأمور به يحتمل أن يكون دخيلا في المسمّى ، فلا يحرز صدق اللفظ على فاقده حتّى يتمسّك بإطلاقه في نفى اعتباره في المأمور به. وأمّا على القول بوضع اللفظ للأعمّ فلا شكّ أنّ اللفظ يصدق على الفاقد كما يصدق على الواجد ، فيجدي التمسّك بإطلاقه فى نفى اعتبار المشكوك فيه في المأمور به.

القول الأعمّيّ (١) في غير ما احتمل دخوله فيه (٢) ممّا شكّ في جزئيّته أو شرطيّته (٣).

__________________

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «على قول الأعمّيّ».

(٢) أي : في المسمّى.

(٣) لا يخفى عليك : أنّه قد يورد على هذه الثمرة بوجوه :

الأوّل : ما ذكره المحقّق العراقيّ ، وحاصله : أنّه لا فرق بين القولين في عدم إمكان التمسّك بالإطلاق عند الشك في اعتبار جزء أو قيد ، لأنّ الإطلاقات الواردة في الكتاب مهملة وليست في مقام البيان ، بل كلّها في مقام التشريع بلا نظر إلى خصوصيّتها من الكمّيّة والكيفيّة. نهاية الأفكار ١ : ٩٦.

وقد تصدّى الأعلام لرفع هذا الإيراد بوجوه :

منها : ما ذكره المحقّق النائينيّ من أنّ مطلقات الكتاب والسنّة وإن لم يكن واردا في مقام البيان إلّا أنّه يكفي في الثمرة فرض وجود مطلق في مقام بيان. أجود التقريرات ١ : ٤٥.

ومنها : ما ذكره المحقّق الاصفهانيّ من أنّ الثمرة هي إمكان التمسّك بالإطلاق ، لا فعليّته ، فعدم فعليّة التمسّك لعدم وقوع المطلق في مقام البيان لا ينفي إمكان التمسّك. بحوث في الاصول ١ : ٣٨.

ومنها : ما ذكره المحقّق الخوئيّ من إنكار دعوى عدم وجود مطلق في الكتاب والسنّة يكون واردا مورد البيان ، إذ قوله تعالى : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ـ البقرة / ١٨٣ ـ وارد مورد البيان ، فيكون موردا للثمرة المذكورة. المحاضرات ١ : ١٧٨.

الثاني : ما تعرّض له الشيخ الأنصاريّ في مطارح الأنظار : ٩. وحاصله : أنّ اللفظ وإن كان ينطبق على الصحيح والفاسد على القول بالوضع للأعمّ ، إلّا أنّ المأمور به خصوص الصحيح على القولين ، ومعه لا يصحّ التمسّك بالإطلاق عند الشكّ ، لا على قول الصحيحيّ ولا على الأعمّي ، فإنّ التمسّك بالإطلاق في مورد الشكّ بعد إحراز تقييد المأمور به بالصحيح من التمسّك بالإطلاق في الشبهة المصداقيّة ، وهو ممنوع.

واختلفت كلمات الأعلام في الإجابة عن هذا الإيراد ، والمهمّ منها وجوه :

الأوّل : أنّ المخصّص لبّيّ غير ارتكازيّ ، وفي مثله يجوز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة. بدائع الأفكار (للمحقّق العراقيّ) ١ : ١٣٠.

الثاني : أنّ الأوامر متعلّقة بنفس العناوين على الأعمّ ، ولا ينافي تقيّدها بقيود منفصلة ، فإذا ورد مطلق في مقام البيان نأخذ بإطلاقه ما لم يرد مقيّد ، ونحكم بصحّة المأتيّ به. مناهج الوصول ١ : ١٦٢.

الثالث : أنّ المأمور به على كلا القولين وإن كان هو الصّلاة الواجدة لجميع الأجزاء والشرائط ، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلا ، إلّا أنّ الاختلاف بينهما في أنّ صدق اللفظ ـ

نعم لا بدّ في الرجوع إليه (١) فيما ذكر من كونه (٢) واردا مورد البيان ، كما لا بدّ منه في الرجوع إلى سائر المطلقات ؛ وبدونه لا مرجع أيضا إلّا البراءة أو الاشتغال ، على الخلاف في مسألة دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين.

وقد انقدح بذلك أنّ الرجوع إلى البراءة أو الاشتغال في موارد إجمال الخطاب أو إهماله على القولين (٣). فلا وجه لجعل الثمرة هو الرجوع (٤) إلى البراءة على الأعمّ والاشتغال على الصحيح ، ولذا ذهب المشهور إلى البراءة مع ذهابهم إلى الصحيح (٥).

__________________

ـ على الفاقد لما يشكّ في اعتباره معلوم على قول الأعمّي ، وانّما الشكّ في اعتبار أمر زائد عليه ؛ وأمّا على الصحيحيّ فالصدق غير معلوم ؛ وعليه يجوز التمسّك بالإطلاق على القول بالأعمّ دون القول بالصحيح. محاضرات في اصول الفقه ١ : ١٨١.

الثالث : أنّ الثمرة للمسألة الاصوليّة ليست إلّا الوقوع في طريق استنباط الحكم الفرعيّ ، وهو مفقود في المقام ، لأنّ إمكان التمسّك بالإطلاق وعدمه المترتّب على مسألة الصحيح والأعمّ ليس مسألة فقهيّة ، لكي تكون هذه المسألة ممّا يقع في طريق استنباطه ، بل هو بنفسه مسألة اصوليّة.

وهذا الإيراد أقوى من السابقين ، كما لا يخفى.

(١) أي : في التمسّك بالإطلاق.

(٢) أي : الإطلاق.

(٣) أي : على قول الصحيحيّ والأعمّي.

(٤) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «هي الرجوع».

(٥) وقد خالفه المحقّق النائينيّ ـ في فوائد الاصول ١ : ٧٩ ـ وجعل ثمرة النزاع ـ بعد انكار الثمرة الاولى ـ هي جريان البراءة على قول الأعمّي والاشتغال على قول الصحيحيّ.

وخالفه أيضا السيّد الإمام الخمينيّ ـ في مناهج الوصول ١ : ١٦٠ ـ وجعل القول بالبراءة والاشتغال ثمرة القول بالأعمّ والصحيح.

ولكن لا يخفى : أنّ مخالفتهما معه ناشئة من الاختلاف في مبناهم في تصوير الجامع الصحيحيّ. بيان ذلك : أنّه لو قلنا بأنّ الجامع على القول بالصحيح جامع بسيط حقيقيّ ذاتيّ مقوليّ ـ كما قال به المحقّق الخراسانيّ ـ أو قلنا بأنّ الجامع جامع مركّب يعرّفه النهي عن الفحشاء ـ كما قال به المحقّق الاصفهانيّ ـ يكون الشكّ في الأقلّ والأكثر من موارد البراءة ، فلا وجه لجعل الثمرة الرجوع إلى البراءة على الأعمّ والاشتغال على الصحيح. وأمّا لو قلنا بأنّ الجامع على القول بالصحيح جامع بسيط عنوانيّ أو جامع مركّب مقيّد بالنهي عن الفحشاء ـ كما التزم بهما المحقّق النائينيّ ـ أو هيئة خاصّة حالّة في الأجزاء الخاصّة ـ كما أفاده السيّد الإمام الخمينيّ ـ يكون مورد الشكّ في الأقلّ والأكثر من موارد الاشتغال ، فيصحّ جعل الرجوع إلى البراءة ـ على الأعمّي ـ وإلى الاشتغال ـ على الصحيحيّ ـ ثمرة للقولين.

وربما قيل بظهور الثمرة في النذر أيضا (١).

قلت : وإن كان تظهر فيما لو نذر لمن صلّى إعطاء درهم في البرء ـ فيما لو أعطاه لمن صلّى ولو علم بفساد صلاته ، لإخلاله بما لا يعتبر في الاسم ـ على الأعمّ ، وعدم البرء (٢) على الصحيح ، إلّا أنّه ليس بثمرة لمثل هذه المسألة ، لما عرفت من أنّ ثمرة المسألة الاصوليّة هي أن تكون نتيجتها (٣) واقعة في طريق استنباط الأحكام الفرعيّة ، فافهم.

[أدلّة القول بالصحيح]

وكيف كان قد استدلّ للصحيحيّ بوجوه :

[١ ـ التبادر]

أحدها : التبادر ودعوى أنّ المنسبق (٤) إلى الأذهان منها (٥) هو الصحيح (٦).

__________________

(١) والقائل هو المحقّق القمّي. وحاصلها : أنّه لو نذر شخص بأن يعطي درهما لمن صلّى ، فإنّه بناء على قول الصحيحيّ لا يحصل الوفاء بالنذر إلّا باعطاء الدرهم لمن صلّى صلاة صحيحة ، وعلى قول الأعمّي يحصل الوفاء بالنذر باعطاء الدرهم لمن صلّى ولو كانت صلاته فاسدة ، قوانين الاصول ١ : ٤٣.

(٢) هكذا في النسخ المخطوطة. وفي بعض النسخ المطبوعة : «البرّ» بمعنى الطاعة.

(٣) الظاهر أنّ الضمير يرجع إلى المسألة الاصوليّة. لكن لا يخفى ما فيه من الغموض ، والأولى أن يقول : «إنّ ثمرة المسألة الاصوليّة هي استنباط الحكم الكلّي الفرعيّ بوقوعها في طريق الاستنباط».

ويحتمل زيادة كلمة «ثمرة» بأن تكون العبارة هكذا : «لما عرفت من أنّ المسألة الاصوليّة هي أن تكون نتيجتها واقعة في طريق استنباط الأحكام الفرعيّة».

وبالجملة : فما ذكر من الوفاء وعدمه مرتبط بتنقيح موضوع الحكم وتطبيقه على موارده ، وهذا أجنبيّ عن الاستنباط الّذي هو ثمرة المسألة الاصوليّة.

(٤) هكذا في النسخ. ولكنّه من الأغلاط المشهورة ، فإنّ اللغة لم تساعد عليها والصحيح : «المتبادر».

(٥) أي : من ألفاظ العبادات.

(٦) حاصل الاستدلال قياس على نحو الشكل الأوّل ، فيقال : الصحيح ما يتبادر من اللفظ ـ

ولا منافاة بين دعوى ذلك وبين كون الألفاظ على هذا القول مجملات ، فإنّ المنافاة إنّما تكون فيما إذا لم تكن معانيها على هذا (١) مبيّنة بوجه (٢) ، وقد عرفت كونها مبيّنة بغير وجه (٣).

[٢ ـ صحّة السلب عن الفاسد]

ثانيها : صحّة السلب عن الفاسد بسبب الإخلال ببعض أجزائه أو شرائطه بالمداقّة ، وإن صحّ الإطلاق عليه بالعناية (٤).

[٣ ـ الأخبار]

ثالثها : الأخبار الظاهرة في إثبات بعض الخواصّ والآثار للمسمّيات ، مثل : «الصّلاة عمود الدين» (٥) أو «معراج المؤمن» (٦) و «الصوم جنّة من النار» (٧) ، إلى

__________________

ـ إلى الذهن ، وكلّ ما يتبادر من اللفظ إلى الذهن هو الموضوع له ، فالصحيح هو الموضوع له.

وأورد عليه السيّد الإمام الخمينيّ بأنّ ما يتبادر من اللفظ أوّلا هو نفس المعنى الموضوع له ، وبعد تبادر نفس المعنى ينتقل الذهن إلى مصاديقه ثانيا لأجل انس الذهن ، وإلى الصحّة ثالثا بواسطة الارتكاز العقلائيّ ، فلا يتبادر من اللفظ الصحّة أوّلا حتّى يكون تبادر الصحيح علامة للحقيقة. مناهج الوصول ١ : ١٦٢ ـ ١٦٣.

وأقول : بل في علاميّة التبادر نظر ، لما مرّ من عدم إمكان دفع الدور بما ذكره المحقّق الخراسانيّ ومن تبعه. ولو سلّم فلا يمكن تبادر الصحيح المحمول على القول بأنّ الجامع لم يكن أمرا واضحا ، بل هو أمر بسيط حقيقيّ ذاتيّ مقوليّ كما ذهب إليه المصنّف.

(١) أي : على القول بوضعها للصحيح.

(٢) أي : بأيّ وجه.

(٣) أي : بأكثر من وجه واحد. فهي مبيّنة من جهة اللوازم مثل كونها ناهية عن الفحشاء وقربان كلّ تقيّ ومعراج المؤمن.

ولا يخفى : أنّ تبادر الشيء بوجهه ليس علامة للوضع ـ لو سلّم علاميّته ـ ، بل تبادر نفس المعنى علامة لوضع اللفظ لذلك المعنى.

(٤) مرّ ما في علاميّة صحّة السلب ، فراجع.

(٥) عوالى اللآلى ١ : ٣٢٢ ، ودعائم الإسلام ١ : ١٣٣.

(٦) الاعتقادات «للشيخ المجلسيّ» : ٣٩.

(٧) محاسن البرقي : ٢٨٦ ، الحديث ٤٣٠.

غير ذلك ؛ أو نفي (١) ماهيّتها وطبائعها ، مثل : «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (٢) ، ونحوه (٣) ممّا كان ظاهرا في نفي الحقيقة بمجرّد فقد ما يعتبر في الصحّة شطرا أو شرطا.

وإرادة خصوص الصحيح من الطائفة الاولى (٤) ونفي الصحّة من الثانية لشيوع استعمال هذا التركيب (٥) في نفي مثل الصحّة أو الكمال ، خلاف الظاهر (٦) ، لا يصار إليه مع عدم نصب قرينة عليه (٧).

واستعمال هذا التركيب في نفي الصفة (٨) ممكن المنع حتّى في مثل «لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد» (٩) ممّا يعلم أنّ المراد نفي الكمال ، بدعوى استعماله في نفي الحقيقة في مثله أيضا بنحو من العناية (١٠) ، لا على الحقيقة ، وإلّا لما دلّ على المبالغة ، فافهم (١١).

[٤ ـ عدم تخطّي الشارع عن طريقة الواضعين]

رابعها : دعوى القطع بأنّ طريقة الواضعين وديدنهم وضع الألفاظ للمركّبات التامّة ـ كما هو قضيّة الحكمة الداعية إليه ـ ، والحاجة وإن دعت أحيانا إلى

__________________

(١) معطوف على قوله : «إثبات».

(٢) راجع مستدرك الوسائل ٤ : ١٥٨ ، الباب ١ من أبواب القراءة في الصّلاة ، الحديث ٥.

(٣) كقوله عليه‌السلام : «لا صلاة إلّا بطهور».

(٤) باعتبار ما ذكر فيها من الآثار الّتي لا يترتّب إلّا على الصحيح.

(٥) أي : لا النافية للجنس مع مدخولها.

(٦) خبر لقوله : «وإرادة».

(٧) يمكن أن يقال : ذكر الآثار المهمّة قرينة على إرادة الصحيح في الطائفة الاولى.

(٨) أي : نفي صفة الكمال. والكلمة في النسخة الأصليّة غير واضحة ، يحتمل أن يكون : «نفي الصحّة».

(٩) وسائل الشيعة ٣ : ٤٧٨ ، الباب ٢ من أبواب أحكام المسجد ، الحديث ١.

(١٠) أي : إدّعاء.

(١١) إشارة إلى أنّ الأخبار المثبتة للآثار وإن كانت ظاهرة في ذلك لمكان أصالة الحقيقة ، ولازم ذلك كون الموضوع له للأسماء هو الصحيح ، ضرورة اختصاص تلك الآثار به ، إلّا أنّه لا يثبت بأصالتها كما لا يخفى ، لإجرائها العقلاء في إثبات المراد ، لا في أنّه على نحو الحقيقة لا المجاز ، فتأمّل جيّدا. منه رحمه‌الله.

استعمالها في الناقص أيضا إلّا أنّه لا يقتضي (١) أن يكون بنحو الحقيقة ، بل ـ ولو كان ـ مسامحة ، تنزيلا للفاقد منزلة الواجد. والظاهر أنّ الشارع غير متخطّئ (٢) عن هذه الطريقة.

ولا يخفى : أنّ هذه الدعوى وإن كانت غير بعيدة إلّا أنّها قابلة للمنع (٣) ، فتأمّل.

[أدلّة القول بالأعمّ]

وقد استدلّ للأعمّيّ أيضا بوجوه :

[١ ـ التبادر]

منها : تبادر الأعمّ.

وفيه : أنّه قد عرفت الإشكال في تصوير الجامع الّذي لا بدّ منه ، فكيف يصحّ معه دعوى التبادر؟!

[٢ ـ عدم صحّة السلب]

ومنها : عدم صحّة السلب عن الفاسد.

وفيه : منع ، لما عرفت (٤).

[٣ ـ صحّة التقسيم إلى الصحيح والفاسد]

ومنها : صحّة التقسيم إلى الصحيح والسقيم.

__________________

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «إلّا أنّها لا تقتضي» ، فإنّ الضمير يرجع إلى الحاجة ويكون معنى العبارة : «إلّا أنّ الحاجة لا تقتضي أن يكون الاستعمال بنحو الحقيقة».

(٢) وفي بعض النسخ : «غير مخطئ».

(٣) إذ عدم تخطّي الشارع طريقة الواضعين غير معلوم. ومجرّد نفى البعد ليس موجبا للقطع.

مضافا إلى أنّ الشارع في المركّبات الشرعيّة يحتاج إلى تفهيم الفرد الفاسد كثيرا ، كما يحتاج إلى تفهيم الفرد الصحيح كذلك ، فالوضع للأعمّ لا ينافي الحكمة الداعية إلى الوضع.

(٤) من صحّة سلب الصّلاة عن الفاسدة.

وفيه : أنّه إنّما يشهد على أنّها للأعمّ لو لم تكن هناك دلالة على كونها موضوعة للصحيح ، وقد عرفتها (١) ، فلا بدّ أن يكون التقسيم بملاحظة ما يستعمل فيه اللفظ ولو بالعناية.

[٤ ـ الأخبار]

ومنها : استعمال الصّلاة وغيرها في غير واحد من الأخبار في الفاسدة (٢) ، كقوله عليه‌السلام : «بني الإسلام على خمس : الصّلاة والزكاة والحجّ والصوم والولاية ، ولم يناد أحد بشيء كما نودي بالولاية ، فأخذ الناس بأربع وتركوا هذه ؛ فلو أنّ أحدا صام نهاره وقام ليله ومات بغير ولاية لم يقبل له صوم ولا صلاة» (٣) ، فإنّ الأخذ بالأربع لا يكون بناء على بطلان عبادات تاركي الولاية إلّا إذا كانت أسامي للأعمّ (٤). وقوله عليه‌السلام : «دعي الصّلاة أيّام أقرائك» (٥) ، ضرورة أنّه لو لم يكن المراد منها الفاسدة لزم عدم صحّة النهي عنها ، لعدم قدرة الحائض على الصحيحة منها (٦).

وفيه : أنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة (٧).

مع أنّ المراد في الرواية الاولى هو خصوص الصحيح بقرينة أنّها ممّا بني عليها الإسلام (٨). ولا ينافي ذلك بطلان عبادة منكري الولاية ، إذ لعلّ أخذهم بها إنّما كان بحسب اعتقادهم ، لا حقيقة ، وذلك لا يقتضي استعمالها في الفاسد أو

__________________

(١) الضمير يرجع إلى الدلالة.

(٢) الأولى أن يقول : «فى الأعمّ».

(٣) هذا مفاد الرواية. راجع الكافي ٢ : ١٨ ، سفينة البحار ٨ : ٦٠٠.

(٤) بيان ذلك : أنّه لو كان المراد من الأربع هو الصحيح منها فكان يلزم أن يقول : «لم يأخذ الناس بالأربع» بقرينة ترك الولاية ، إذ لا صحّة بدون الولاية. وأمّا لو كان المراد من الأربع هو الأعمّ فلا محذور ويصدق عليهم أنّهم أخذوا بفاسدها ، فالمراد من الأربع هو الأعمّ.

(٥) عوالى اللآلى ٢ : ٢٠٧.

(٦) إذ الصحيحة مشروطة بالطهارة عن الحيض وهي غير مقدورة لها.

(٧) أي : غاية ما يثبت بالبيانات المذكورة إثبات استعمال ألفاظ العبادات في الفاسدة ، وهو غير مثبت للوضع للأعمّ الّذي هو المدّعى ، فإنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة.

(٨) إذ الإسلام إنّما بني على الصحيح ، لا الأعمّ.

الأعمّ (١) ؛ والاستعمال في قوله عليه‌السلام : «فلو أنّ أحدا صام نهاره ...» كان كذلك ـ أي بحسب اعتقادهم (٢) ـ أو للمشابهة والمشاكلة (٣). وفي الرواية الثانية الإرشاد إلى عدم القدرة على الصّلاة (٤) ؛ وإلّا (٥) كان الإتيان بالأركان وسائر ما يعتبر في الصّلاة بل بما يسمّى في العرف بها ـ ولو أخلّ بما لا يضرّ الإخلال به بالتسمية عرفا ـ محرّما على الحائض ذاتا وإن لم تقصد به القربة ، ولا أظنّ أن يلتزم به المستدلّ بالرواية ، فتأمّل جيّدا.

[٥ ـ صحّة تعلّق النذر بترك الصّلاة في الحمام]

ومنها : أنّه لا اشكال في صحّة تعلّق النذر وشبهه (٦) بترك الصّلاة في مكان تركه فيه(٧) وحصول الحنث بفعلها (٨) ، ولو كانت الصّلاة المنذور تركها خصوص الصحيحة لا يكاد يحصل به الحنث أصلا ، لفساد الصّلاة المأتيّ بها ، لحرمتها ، كما لا يخفى ؛ بل يلزم المحال ، فإنّ النذر ـ حسب الفرض ـ قد تعلّق بالصحيح منها ولا تكاد تكون معه (٩) صحيحة ، وما يلزم من فرض وجوده عدمه محال.

قلت : لا يخفى أنّه لو صحّ ذلك لا يقتضي إلّا عدم صحّة تعلّق النذر بالصحيح ،

__________________

(١) بل استعمل في خصوص الصحيح ، غاية الأمر الصحيح بحسب اعتقادهم.

(٢) فاستعمل لفظ الصوم والصلاة في الصحيح بحسب اعتقادهم ، وإن كان في الواقع فاسدا.

(٣) أي : يمكن أن يكون الاستعمال في الأعمّ ، ولكن يكون مجازيّا بعلاقة المشابهة والمشاكلة في الصورة.

(٤) أي : والمراد من النهي في الرواية الثانية هو الإرشاد إلى عدم قدرة الحائض على الصّلاة الصحيحة ، لحدث الحيض ، فيكون المستعمل فيه خصوص الصحيح.

(٥) أي : وإن لم يكن النهي إرشاديّا ، بل كان مولويّا.

(٦) أي : اليمين والعهد.

(٧) أي : في مكان تكره الصّلاة فيه ، كالحمام والمقابر.

(٨) أي : بفعل الصّلاة في المكان الّذي تعلّق النذر بتركها فيه. وهذا يدلّ على أنّ متعلّق النذر ليس هو الصّلاة الصحيحة ، بل الأعمّ ، وذلك لأنّه لو كانت الصّلاة ...

(٩) أي : مع النذر.

لا عدم وضع اللفظ له شرعا ؛ مع أنّ الفساد من قبل النذر لا ينافي صحّة متعلّقه (١) ، فلا يلزم من فرض وجودها عدمها (٢).

ومن هنا انقدح أنّ حصول الحنث إنّما يكون لأجل الصحّة لو لا تعلقه. نعم لو فرض تعلّقه بترك الصّلاة المطلوبة بالفعل (٣) لكان منع حصول الحنث بفعلها بمكان من الإمكان.

بقي امور

الأوّل : [في عدم جريان النزاع في المعاملات على الوضع للمسبّبات]

أنّ أسامي المعاملات (٤) إن كانت موضوعة للمسبّبات (٥) فلا مجال للنزاع في كونها موضوعة للصحيحة أو للأعمّ ، لعدم اتّصافها بهما ، كما لا يخفى ، بل بالوجود تارة وبالعدم اخرى (٦).

وأمّا إن كانت موضوعة للأسباب (٧) فللنزاع فيه مجال (٨).

__________________

(١) وذلك لأنّ متعلّق النذر هو الصحيح لو لا تعلّق النذر. وبتعبير آخر : إنّ متعلّق النذر هو الصّلاة التامّة الجامعة لجميع الأجزاء والشرائط في مرحلة سابقة على النذر ، فلا ينافيها تعلّق النهي بها من قبل النذر.

(٢) لأنّ الفساد الحاصل من قبل النذر لم يؤخذ عدمه في متعلّق النذر كي لا يكون مقدورا بعد النذر فيلزم من وجوده عدمه.

(٣) أي : ولو مع النذر. ولكن صحّته كذلك مشكل ، لعدم كون الصّلاة معه صحيحة مطلوبة ، فتأمّل جيّدا. منه رحمه‌الله.

(٤) كالبيع والنكاح والطلاق والعتق.

(٥) وهي المعاني المقصودة إيجادها بالقوّة أو بالفعل ، كالملكيّة والزوجيّة والفراق والحرّيّة.

(٦) لأنّ المسبّبات امور بسيطة ، فليست مركّبة من الأجزاء والشرائط كي تتّصف بالصحّة لو وجد جامعا لجميع الشرائط والأجزاء ، وتتّصف بالفساد لو وجد فاقدا لبعضها ، بل هي إمّا موجودة وترتّبت عليها الآثار العقلائيّة عند وجود أسبابها ، وإمّا معدومة ـ لم تترتّب عليها الآثار ـ عند عدم أسبابها ، فأمرها دائر بين الوجود والعدم ، لا بين الصحّة والفساد.

(٧) وهي الألفاظ المستعملة لإيجاد المعاني المقصودة في وعائها ، كقولنا : «بعت وقبلت».

(٨) لأنّها مركّبة من الأجزاء والشرائط ، فيصحّ أن يقال : إنّ ألفاظ العبادات هل هي أسامي لخصوص تامّة الأجزاء والشرائط ، المؤثّرة في المسبّب أو للأعمّ منها والفاقدة لبعض الأجزاء والشرائط الّتي لم تؤثّر في المسبّب؟