درس کفایة الاصول - بخش اول (فشرده)

جلسه ۱۵: جلسه ۱۵

 

به في الاستقبال.

وقبل الخوض في المسألة ، وتفصيل الأقوال فيها ، وبيان الاستدلال عليها ينبغي تقديم امور :

أحدها : [المراد من المشتقّ]

انّ المراد بالمشتقّ هاهنا ليس مطلق المشتقّات (١) ، بل خصوص ما يجري منها على الذوات ممّا يكون مفهومه منتزعا عن الذات بملاحظة اتّصافها بالمبدإ واتّحادها معه بنحو من الاتّحاد ، كان بنحو الحلول (٢) أو الانتزاع (٣) أو الصدور (٤) والإيجاد (٥) ، كأسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبّهات ، بل وصيغ المبالغة وأسماء الأزمنة والأمكنة والآلات ، كما هو ظاهر العنوانات وصريح بعض المحقّقين (٦). مع عدم صلاحيّة ما يوجب اختصاص النزاع بالبعض إلّا التمثيل به ،

__________________

ـ تابع للموضوع له سعة وضيقا ، فإن كان الموضوع له المشتقّ خصوص المتلبّس بالمبدإ فعلا كان صدقه على المنقضى عنه المبدأ مجازا ، وإن كان الموضوع له المشتقّ الأعمّ منه وممن انقضى عنه المبدأ كان صدقه على المنقضى عنه المبدأ حقيقة.

(١) المشتقّ يطلق لغة على مطلق أخذ شيء من شيء. ويطلق في اصطلاح الادباء على لفظ يؤخذ من لفظ آخر. فالمشتقّ على إطلاقيه يشمل المصادر المزيد فيها والأفعال. ولكن المراد من المشتقّ في المقام هو خصوص ما يكون مفهومه منتزعا عن الذات ويجري عليها بملاحظة اتّصافها بمبدإ ما.

(٢) بأن كان المبدأ حالّا في الذات ، كاتّحاد الذات مع البياض والسواد ، فينتزع عنها الأبيض بملاحظة اتّحادها مع البياض ـ مثلا ـ.

(٣) كاتّحاد الذات مع الفوقيّة والتحتيّة ، فإنّ اتّصاف الذات بهما يكون بنحو الانتزاع.

(٤) بأن يصدر المبدأ من الذات ، كالضرب ، فينتزع عنها الضارب بملاحظة صدور الضرب عنها.

(٥) والأولى أن يقول : «أو الإيجاد» ، كالشرب القائم بذات الفاعل ، فينتزع عنها الشارب بملاحظة قيامه بالفاعل ، ويسمّى : «إيجادا».

(٦) كما قال المحقّق الرشتيّ في بدائع الأفكار : ١٧٦ : «قضيّة ظاهر العنوانات وتصريح المحقّق القمّي عموم النزاع لسائر المشتقّات». ولكن المحقّق القمّي لم يصرّح في القوانين إلّا باسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبّهة.

وهو غير صالح ، كما هو واضح (١).

فلا وجه لما زعمه بعض الأجلّة (٢) من الاختصاص باسم الفاعل وما بمعناه من الصفات المشبّهة وما يلحق بها ، وخروج سائر الصفات.

ولعلّ منشؤه (٣) توهّم كون ما ذكره (٤) لكلّ منها ـ من المعنى ـ ممّا اتّفق عليه الكلّ ، وهو كما ترى (٥).

واختلاف أنحاء التلبّسات حسب تفاوت مبادئ المشتقّات بحسب الفعليّة والشأنيّة والصناعة والملكة ـ حسبما يشير إليه (٦) ـ لا يوجب تفاوتا في المهمّ من محلّ النزاع هاهنا ، كما لا يخفى.

ثمّ إنّه لا يبعد أن يراد بالمشتقّ في محلّ النزاع مطلق ما كان مفهومه ومعناه جاريا على الذات ومنتزعا عنها بملاحظة اتّصافها بعرض أو عرضيّ ولو كان جامدا ، كالزوج والزوجة والرقّ والحرّ (٧).

وإن أبيت إلّا عن اختصاص النزاع المعروف بالمشتقّ ـ كما هو قضيّة الجمود على ظاهر لفظه ـ فهذا القسم من الجوامد أيضا محلّ النزاع. كما يشهد به ما عن الإيضاح في باب الرضاع في مسألة من كانت له زوجتان كبيرتان أرضعتا زوجته

__________________

(١) تعريض بصاحب الفصول ، حيث ذهب إلى اختصاص النزاع باسم الفاعل وما بمعناه ، واستدلّ عليه حيث قال : «كما يدلّ عليه تمثيلهم به». الفصول الغرويّة : ٦٠. وجه التعريض أنّ التمثيل غير صالح لاختصاص النزاع بالمثال.

(٢) وهو صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٦٠.

(٣) أي : منشأ ما زعمه صاحب الفصول من الاختصاص.

(٤) أي : ما ذكره صاحب الفصول. راجع الفصول الغرويّة : ٥٩.

(٥) إذ كلّها مصبّ النزاع.

(٦) أي : حسبما يشير صاحب الفصول إليه ، فراجع الفصول : ٦١.

(٧) فالنسبة بين المشتقّ في مورد النزاع والمشتقّ بحسب اصطلاح النحاة هي العموم من وجه ، فيجتمعان في أسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبّهة ، ويفترق الأوّل عن الثاني في الجوامد الجارية على الذات ، كالزوج والحرّ ، ويفترق الثاني عن الأوّل في بعض المشتقّات الاصطلاحيّة ، كالمصادر والأفعال المزيدة.

الصغيرة ، ما هذا لفظه :

«تحرم المرضعة الاولى والصغيرة مع الدخول بالكبيرتين (١) بالاجماع. وأمّا المرضعة الأخيرة ففي تحريمها خلاف ، فاختار والدي المصنّف رحمه‌الله وابن إدريس تحريمها ، لأنّ هذه يصدق عليها أنّها أمّ زوجته ، لأنّه لا يشترط في المشتقّ (٢) بقاء المشتقّ منه ، هكذا هنا»(٣).

وما عن المسالك في هذه المسألة : من ابتناء الحكم فيها على الخلاف في مسألة المشتقّ (٤).

فعليه كلّ ما كان مفهومه منتزعا من الذات بملاحظة اتّصافها بالصفات الخارجة عن الذاتيّات (٥) ـ كانت عرضا أو عرضيّا ، كالزوجيّة والرقيّة والحرّية وغيرها من الاعتبارات والإضافات ـ كان محلّ النزاع وإن كان جامدا. وهذا بخلاف ما كان مفهومه منتزعا عن مقام الذات (٦) والذاتيّات (٧) ، فإنّه لا نزاع في كونه حقيقة في خصوص ما إذا كانت الذات باقية بذاتيّاتها (٨).

ثانيها : [جريان النزاع في اسم الزمان]

قد عرفت أنّه لا وجه لتخصيص النزاع ببعض المشتقّات الجارية على الذوات ، إلّا أنّه ربما يشكل بعدم إمكان جريانه في اسم الزمان ، لأنّ الذات فيه

__________________

(١) هكذا في جميع النسخ. والصحيح هكذا : «بإحدى الكبيرتين» كما في المصدر.

(٢) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «في صدق المشتقّ».

(٣) إيضاح الفوائد ٣ : ٥٢.

(٤) مسالك الأفهام ١ : ٤٧٥.

(٥) مراده من الصفات الخارجة عن الذاتيّات هو المبادئ الخارجة عنها. والمراد من الذاتيّات هو الأعمّ من الذاتيّ في باب الإيساغوجيّ ـ أي الجنس والفصل والحدّ التامّ ـ والذاتيّ في باب البرهان ـ أي المحمول المنتزع عن نفس الذات بلا ضمّ ضميمة ، كإمكان الممكن ـ.

(٦) كالإنسانيّة المنتزعة عن الإنسان.

(٧) كالإنسانيّة المنتزعة عن الحيوان والناطق.

(٨) والوجه في عدم شمول النزاع للمفاهيم المنتزعة عن الذات والذاتيّات أنّ الذات منشأ لانتزاعها ، فارتفاع منشأ انتزاعها مساوق لارتفاع الذات ، ومع عدم بقاء الذات في صورة زوال التلبّس لا مجال للنزاع في صدق المشتقّ ، كما هو واضح.

ـ وهي الزمان بنفسه ـ تنقضي وتتصرّم (١). فكيف يمكن أن يقع النزاع في أنّ الوصف الجاري عليه حقيقة في خصوص المتلبّس بالمبدإ في الحال أو فيما يعمّ المتلبّس به في المضيّ؟(٢)

ويمكن حلّ الإشكال بأنّ انحصار مفهوم عامّ بفرد ـ كما في المقام ـ لا يوجب أن يكون وضع اللفظ بإزاء الفرد دون العامّ (٣) ، وإلّا لما وقع الخلاف فيما وضع له لفظ الجلالة (٤) ؛ مع أنّ الواجب موضوع للمفهوم العامّ مع انحصاره فيه تبارك وتعالى (٥).

ثالثها : [خروج الأفعال والمصادر من النزاع]

انّه من الواضح خروج الأفعال والمصادر المزيد فيها عن حريم النزاع ، لكونها غير جارية على الذوات ، ضرورة أنّ المصادر المزيد فيها كالمجرّدة في الدلالة على ما يتّصف به الذوات ويقوم بها كما لا يخفى (٦) ، وأنّ الأفعال إنّما تدلّ على قيام المبادئ بها قيام صدور (٧) أو حلول (٨) ، أو طلب فعلها (٩) أو تركها (١٠)

__________________

(١) وفي بعض النسخ : «ينصرم» أي : لا استقرار له.

(٢) فإنّ الذات غير محفوظة في كلتا الحالتين.

(٣) والحاصل : أنّ المبحوث عنه في المقام هو مفهوم المشتقّ ، وهذا البحث لا يرتبط بتحقّق مصداق العامّ خارجا وعدم تحقّقه ، كما لا يرتبط بانحصاره في فرد وعدم انحصار فيه ، فلا يكون انحصاره في فرد موجبا لنفي صحّة النزاع في المفهوم.

(٤) وقع الخلاف في ما وضع له لفظ «الله» ، فهل هو مفهوم واجب الوجود أو أنّه علم للذات المقدّسة؟ مع انحصاره خارجا في ذات البارئ.

(٥) واجيب عن الإشكال بوجوه أخر أيضا. فراجع نهاية الدراية ١ : ١١٨ ، فوائد الاصول ١ : ٨٩ ، بدائع الأفكار (للمحقّق العراقيّ) ١ : ١٦٢ ـ ١٦٤.

وذكرها السيّد الإمام الخمينيّ ثمّ ناقش في جميعها وذهب إلى خروج اسم الزمان عن محلّ النزاع ، فراجع مناهج الوصول ١ : ١٩٧ ـ ٢٠٠.

(٦) فالمصادر لا تدلّ إلّا على نفس الحدث والمبدأ مع نسبة الحدث إلى ذات ما ، فلا يصحّ حملها على الذات ، لتغاير الذات والمبدأ وجودا ، كتغايرهما مفهوما.

(٧) نحو : ضرب ويضرب.

(٨) نحو : حسن ومرض.

(٩) كقولنا : «صلّ» و «حجّ».

(١٠) نحو : لا تسرق ولا تشرب.

منها (١) على اختلافها (٢).

إزاحة شبهة

قد اشتهر في ألسنة النحاة دلالة الفعل على الزمان حتّى أخذوا الاقتران بها في تعريفه (٣). وهو اشتباه ، ضرورة عدم دلالة الأمر ولا النهي عليه (٤) ، بل على إنشاء طلب الفعل أو الترك ؛ غاية الأمر نفس الإنشاء بهما في الحال (٥) ، كما هو الحال في الإخبار بالماضي أو المستقبل أو بغيرهما كما لا يخفى. بل يمكن منع دلالة غيرهما من الأفعال على الزمان إلّا بالإطلاق والإسناد إلى الزمانيّات ، وإلّا لزم القول بالمجاز والتجريد عند الإسناد إلى غيرها من نفس الزمان (٦) والمجرّدات (٧).

نعم ، لا يبعد أن يكون لكلّ من الماضي والمضارع بحسب المعنى خصوصيّة اخرى موجبة للدلالة على وقوع النسبة في الزمان الماضي في الماضي ، وفي الحال أو الاستقبال في المضارع فيما كان الفاعل من الزمانيّات (٨).

__________________

(١) أي : من الذوات.

(٢) والحاصل : أنّه لا يصحّ حمل الأفعال على الذات ، لأنّها لا تدلّ إلّا على نسبة المبدأ إلى الذات وقيامه بها ، فالذات والنسبة متغايرتان وجودا ، ومعه لا يصحّ حملها على الذات.

(٣) كما قال في الفوائد الصمديّة : «الفعل كلمة معناها مستقلّ مقترن بأحدها» أي أحد الأزمنة الثلاثة. راجع جامع المقدّمات : ٤٤٨.

(٤) لا بمادّتهما ، لأنّها لا تدلّ إلّا على طبيعة الفعل ؛ ولا بهيئتهما ، لأنّها لا تدلّ إلّا على إنشاء الطلب أو الترك. فليس في فعل الأمر وفعل النهي ما يدلّ على الزمان.

(٥) وهو أجنبيّ عن الدلالة على الحال ، إذ هو يقع في الزمان قهرا.

(٦) مثل قولنا : «مضى الزمان» ، فلو دلّ الفعل على الزمان لم يصحّ إسناده إلى الزمان ، لأنّ الزمان لم يقع في الزمان ، والّا لدار أو تسلسل.

(٧) كقولنا : «علم الله» ، فلو دلّ الفعل على الزمان لم يصحّ إسناده إلى ما فوق الزمان من المجرّدات ، لأنّها غير محدودة بحدّ.

وأجاب المحقّق الاصفهانيّ عن معضل إسناد الفعل إلى نفس الزمان والمجرّدات بما لا يهمّ التعرّض لها ، وإن شئت فراجع نهاية الدراية ١ : ١٢١ ـ ١٢٢.

(٨) والحاصل : أنّه وقع الكلام في تلك الخصوصيّة وحقيقتها. ذهب المصنّف إلى أنّ ـ

ويؤيّده (١) أنّ المضارع يكون مشتركا معنويّا بين الحال والاستقبال ، ولا معنى له إلّا أن يكون له خصوص معنى صحّ انطباقه على كلّ منهما ، لا أنّه يدلّ على مفهوم زمان يعمّهما (٢) ، كما أنّ الجملة الاسميّة ك «زيد ضارب» يكون لها معنى صحّ انطباقه على كلّ واحد من الأزمنة ، مع عدم دلالتها على واحد منها أصلا ، فكانت الجملة الفعليّة مثلها.

وربما يؤيّد ذلك أنّ الزمان الماضي في فعله (٣) وزمان الحال أو الاستقبال في المضارع لا يكون ماضيا أو مستقبلا حقيقة لا محالة ، بل ربما يكون في الماضي مستقبلا حقيقة وفي المضارع ماضيا كذلك ، وإنّما يكون ماضيا أو مستقبلا في فعلهما بالإضافة ، كما يظهر من مثل قوله : «يجيء زيد بعد عام وقد ضرب قبله بأيّام» ، وقوله : «جاء زيد في شهر كذا وهو يضرب في ذلك الوقت أو فيما بعده ممّا مضى» ، فتأمّل جيّدا.

ثمّ لا بأس بصرف عنان الكلام إلى بيان ما به يمتاز الحرف عمّا عداه بما يناسب المقام ، لأجل الاطّراد في الاستطراد في تمام الأقسام (٤).

فاعلم أنّه وإن اشتهر بين الأعلام أنّ الحرف ما دلّ على معنى في غيره ـ وقد

__________________

ـ تلك الخصوصيّة مأخوذة في المعنى على نحو دخول التقيّد ، فالمعنى في الفعل الماضي تحقّق المادّة مقيّدا بكونه قبل زمان التكلّم ، بنحو دخول التقيّد وخروج القيد ؛ والمعنى في المضارع تحقّق المادّة مقيّدا بكونه في زمان التكلّم أو فيما بعده ، بنحو دخول التقيّد وخروج القيد ؛ فيكون الزمان في كلّ منهما مدلولا التزاميّا فيما إذا كان الفاعل زمانيّا.

وذهب المحقّق الاصفهانيّ إلى أنّ اختلافهما في القيد ، وأمّا ذات المقيّد ـ وهي النسبة الصدوريّة ـ فواحدة ، غاية الأمر أنّها متقيّدة بالسبق الزمانيّ في الماضي ، بنحو يكون التقيّد والقيد خارجا ، ومتقيّدة بعدم السبق الزماني في المضارع كذلك ، فيكون الزمان فيهما مدلولا تضمّنيّا. نهاية الدراية ١ : ١٢٢ ـ ١٢٤.

(١) أي : عدم دلالة الفعل على الزمان تضمّنا.

(٢) لأنّ المقارن للحدث هو مصداق الزمان ، لا مفهومه.

(٣) أي : فعل الماضي.

(٤) أي : تمام أقسام الكلمة من الاسم والفعل والحرف. وقد مرّ الكلام في الفرق بين المعنى الاسميّ والحرفيّ بما لا مزيد عليه.

بيّنّاه في الفوائد (١) بما لا مزيد عليه ـ إلّا أنّك عرفت فيما تقدّم (٢) عدم الفرق بينه وبين الاسم بحسب المعنى ما لم يلحظ فيه (٣) الاستقلال بالمفهوميّة ولا عدم الاستقلال بها. وإنّما الفرق هو أنّه (٤) وضع ليستعمل واريد منه معناه حالة لغيره وبما هو في الغير ، ووضع غيره (٥) ليستعمل واريد منه معناه بما هو هو. وعليه يكون كلّ من الاستقلال بالمفهوميّة وعدم الاستقلال بها إنّما اعتبر في جانب الاستعمال ، لا في المستعمل فيه ، ليكون بينهما تفاوت بحسب المعنى ؛ فلفظ «الابتداء» لو استعمل في المعنى الآليّ ولفظة «من» في المعنى الاستقلاليّ لما كان مجازا واستعمالا له في غير ما وضع له ، وإن كان بغير ما وضع له (٦).

فالمعنى في كليهما في نفسه كليّ طبيعيّ يصدق على كثيرين ؛ ومقيّدا باللحاظ الاستقلاليّ أو الآليّ كليّ عقليّ (٧) ، وإن كان بملاحظة أنّ لحاظه وجوده ذهنا كان جزئيّا ذهنيّا (٨) ، فإنّ الشيء ما لم يتشخّص لم يوجد وإن كان بالوجود الذهنيّ ، فافهم وتأمّل فيما وقع في المقام من الأعلام من الخلط والاشتباه وتوهّم كون الموضوع له أو المستعمل فيه في الحروف خاصّا ، بخلاف ما عداها ، فإنّه عامّ.

وليت شعري إن كان قصد الآليّة فيها موجبا لكون المعنى جزئيّا فلم لا يكون قصد الاستقلاليّة فيه (٩) موجبا له؟! وهل يكون ذلك إلّا لكون هذا القصد ليس ممّا يعتبر في الموضوع له ولا المستعمل فيه ، بل في الاستعمال؟ فلم لا يكون فيها كذلك؟! كيف؟ وإلّا لزم أن يكون معاني المتعلّقات غير منطبقة على الجزئيّات

__________________

(١) فوائد الاصول (للمصنّف) : ٦٦.

(٢) في الأمر الثاني من المقدّمة : ٢٨.

(٣) أي : في المعني.

(٤) أي : الحرف.

(٥) أي : الاسم.

(٦) أي : وإن كان بغير النحو الّذي وضع له اللفظ.

(٧) وفي النسخة الأصليّة : «أو الآليّ الكلّيّ كلّيّ عقليّ».

(٨) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «جزئيّا ذهنيّا» ، فإنّ لفظة «كان» مستدركة ، حيث إنّ قوله : «جزئيّا ذهنيّا» خبر كان في قوله : «وإن كان» ، فكان الأولى أن يقول : «وإن كان جزئيّا ذهنيّا بملاحظة أنّ لحاظه وجوده ذهنا».

(٩) أي : في الاسم.

الخارجيّة ، لكونها ـ على هذا ـ كلّيّات عقليّة ، والكلّيّ العقليّ لا موطن له إلّا الذهن ؛ فالسير والبصرة والكوفة في : «سرت من البصرة إلى الكوفة» لا يكاد يصدق على السير والبصرة والكوفة ، لتقيّدها بما اعتبر فيه القصد (١) ، فتصير عقليّة ، فيستحيل انطباقها على الامور الخارجيّة.

وبما حقّقناه يوفّق بين جزئيّة المعنى الحرفيّ بل الاسميّ والصدق على الكثيرين ، وأنّ الجزئيّة باعتبار تقيّد المعنى باللحاظ في موارد الاستعمالات آليّا أو استقلاليّا ، وكلّيّته بلحاظ نفس المعنى.

ومنه ظهر عدم اختصاص الإشكال والدفع بالحرف ، بل يعمّ غيره. فتأمّل في المقام ، فإنّه دقيق ومزالّ الأقدام للأعلام ، وقد سبق في بعض الامور (٢) بعض الكلام ، والإعادة مع ذلك لما فيها من الفائدة والإفادة (٣) ، فافهم.

رابعها : [اختلاف المبادئ لا يوجب اختلافا في دلالة المشتقّ]

أنّ اختلاف المشتقّات في المبادئ ـ وكون المبدأ في بعضها حرفة وصناعة (٤) ، وفي بعضها قوة وملكة (٥) ، وفي بعضها فعليّا (٦) ـ لا يوجب اختلافا في دلالتها بحسب الهيئة أصلا ، ولا تفاوتا في الجهة المبحوث عنها ، كما لا يخفى (٧). غاية الأمر أنّه يختلف التلبّس به في المضيّ أو الحال ، فيكون التلبّس به فعلا لو اخذ حرفة أو ملكة ولو لم يتلبّس به إلى الحال أو انقضى عنه ، ويكون ممّا مضى أو يأتي

__________________

(١) أي : لتقيّد السير والبصرة والكوفة بالمعنى الحرفيّ الّذي اعتبر فيه قصد الآليّة.

(٢) في الأمر الثاني من المقدّمة : ٢٨.

(٣) ومن الفوائد المترتّبة على الإعادة ثبوت عدم المنافاة بين كون الشيء كلّيّا عقليّا وكونه جزئيّا ذهنيّا أو كونه كلّيّا طبيعيّا وكونه جزئيّا ذهنيّا.

(٤) كالخياطة في الخيّاط.

(٥) كالاجتهاد في المجتهد.

(٦) كالضرب في الضارب.

(٧) بخلاف الفاضل التونيّ ـ على ما في بدائع الأفكار (للمحقّق الرشتيّ) : ١٧٨ ، وحاشية قوانين الاصول ١ : ٧٨ ـ ، فإنّه توهّم أنّ النزاع لا يجري في المشتقّات الّتي مبدؤها حرفة ـ كالنجّار والخيّاط ـ والمشتقّات الّتي مبدؤها ملكة ـ كالاجتهاد ـ ، بل المتّفق عليه أنّ المشتقّ في هذه الموارد موضوع للأعمّ.

لو اخذ فعليّا ، فلا يتفاوت فيها (١) أنحاء التلبّسات وأنواع التعلّقات ، كما أشرنا إليه.

خامسها : [المراد من كلمة «الحال» في العنوان]

انّ المراد بالحال في عنوان المسألة هو حال التلبّس (٢) لا حال النطق (٣) ، ضرورة أنّ مثل : «كان زيد ضاربا أمس» ، أو «سيكون غدا ضاربا» حقيقة إذا كان متلبّسا بالضرب في الأمس في المثال الأوّل ، ومتلبّسا به في الغد في الثاني ، فجري المشتقّ حيث كان بلحاظ حال التلبّس ـ وإن مضى زمانه في أحدهما ، ولم يأت بعد في آخر ـ كان حقيقة بلا خلاف.

ولا ينافيه الاتّفاق على أنّ مثل «زيد ضارب غدا» مجاز ، فإنّ الظاهر أنّه فيما إذا كان الجري في الحال (٤) ـ كما هو قضيّة الإطلاق ـ ، والغد إنّما يكون لبيان زمان التلبّس ، فيكون الجري والاتّصاف في الحال والتلبّس في الاستقبال (٥).

ومن هنا ظهر الحال في مثل : «زيد ضارب أمس» وأنّه داخل في محلّ الخلاف والإشكال. ولو كانت لفظة «أمس» أو «غد» قرينة على تعيين زمان النسبة والجري أيضا (٦) كان المثالان حقيقة.

وبالجملة : لا ينبغي الإشكال في كون المشتقّ حقيقة فيما إذا جرى على الذات بلحاظ حال التلبّس ، ولو كان في المضيّ أو الاستقبال ؛ وإنّما الخلاف في كونه حقيقة في خصوصه (٧) أو فيما يعمّ ما إذا جرى عليها في الحال بعد ما انقضى عنه التلبّس ، بعد الفراغ عن كونه مجازا فيما إذا جرى عليها فعلا بلحاظ التلبّس في الاستقبال.

__________________

(١) أي : في دلالة الهيئة.

(٢) ليس المقصود من حال التلبّس زمان التلبّس كما استظهره المحقّق النائينيّ من كلام المصنّف ، بل المقصود هو فعليّة التّلبس واتّحاد الإسناد والتلبّس.

(٣) فلا يعتبر في صدق المشتقّ حقيقة تلبّس الذات بالمبدإ حال النطق ، كما لا يعتبر فيه تلبّسها بالمبدإ حال الجري وإطلاق المشتقّ على الذات.

(٤) أي : حال النطق.

(٥) فالمجازيّة في المثال المزبور انّما هو لأجل انفكاك الجري عن فعليّة التلبّس.

(٦) بحيث يتّحد زمان الجري مع زمان التلبّس.

(٧) أي : في خصوص حال التلبّس.