المقصد الأوّل
في الأوامر
وفيه فصول :
المقصد الأوّل
في الأوامر
وفيه فصول :
[الفصل] الأوّل
فيما يتعلّق بمادّة الأمر من الجهات
وهي عديدة :
الجهة الاولى : [في معنى لفظ الأمر]
انّه قد ذكر للفظ «الأمر» معان متعدّدة :
منها : الطلب ، كما يقال : «أمره بكذا».
ومنها : الشأن ، كما يقال : «شغله أمر كذا».
ومنها : الفعل ، كما في قوله تعالى : ﴿وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (١).
ومنها : الفعل العجيب ، كما في قوله تعالى : ﴿فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا﴾ (٢).
ومنها : الشيء ، كما تقول : «رأيت اليوم أمرا عجيبا».
ومنها : الحادثة (٣).
ومنها : الغرض ، كما تقول : «جاء زيد لأمر كذا».
ولا يخفى : أنّ عدّ بعضها من معانيه من اشتباه المصداق بالمفهوم (٤) ، ضرورة
__________________
(١) هود / ٩٧.
(٢) هود / ٦٦ و ٨٢.
(٣) كما تقول : «وقع في البلد أمر» أي : حادثة.
(٤) بيان ذلك : أنّ لفظ «الأمر» في هذه الموارد لم يستعمل في المفهوم ، بل استعمل في مصداق المفهوم ، مثلا في قوله : «جاء زيد لأمر» لم يستعمل لفظ «الأمر» في مفهوم الغرض ، بل انّما استعمل في مفهوم آخر كان هذا المفهوم بدلالة اللام ـ الدالّة على الغرض ـ مصداقا للغرض.
أنّ الأمر في «جاء زيد لأمر» ما استعمل في معنى الغرض ، بل اللام قد دلّ على الغرض ؛ نعم يكون مدخوله مصداقه (١) ، فافهم (٢). وهكذا الحال في قوله تعالى : ﴿فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا﴾ ، [فإنّ الأمر] (٣) يكون مصداقا للتعجّب ، لا مستعملا في مفهومه. وكذا في الحادثة والشأن.
وبذلك ظهر ما في دعوى الفصول (٤) من كون لفظ «الأمر» حقيقة في المعنيين الأوّلين (٥).
ولا يبعد دعوى كونه حقيقة في الطلب ـ في الجملة (٦) ـ والشيء (٧).
__________________
(١) أي : يكون مدخول اللام ـ وهو الأمر الّذي استعمل في مفهوم غير مفهوم الغرض ـ مصداق الغرض بدلالة اللام.
(٢) لعلّه إشارة إلى ما ذكره المحقّق الاصفهانيّ من أنّ اشتباه المفهوم بالمصداق انّما يكون فيما إذا كان اللفظ موضوعا للمصداق من حيث أنّه مصداق ويدّعى وضعه للمفهوم ، كما لو وضع اللفظ للغرض ـ مثلا ـ بالحمل الشائع فيدّعى وضعه للغرض بالحمل الأوّلى. وأمّا إذا لم يوضع اللفظ للمصداق وكان معنى من المعانى مصداقا لمعنى آخر ـ كما هو كذلك في هذه المعاني المنقولة في المتن ـ فلا يكون ادّعاء وضعه لذلك المعنى من الاشتباه بين المفهوم والمصداق. نهاية الدراية ١ : ١٧٣.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في النسخ.
(٤) الفصول الغرويّة : ٦٢.
(٥) أي : الطلب والشأن.
(٦) أي : بلا تعيين الخصوصيّات الّتي يبحث عن أخذها فيه من كونه بالصيغة وكونه صادرا من العالي وكونه وجوبيّا أو الأعمّ وغيرها.
(٧) فالأمر عند المصنّف رحمهالله مشترك لفظيّ بين الطلب والشيء.
وقد خالفه الأعلام الثلاثة :
أمّا المحقّق الاصفهانيّ : فأورد على المصنّف بأنّ وضع لفظ «الأمر» للشيء يقتضي ترادفهما الموجب لصحّة استعمال كلّ منهما مكان الآخر ، والأمر ليس كذلك ، فإنّه لا يقال : «رأيت أمرا» إذا رأينا فرسا ـ مثلا ـ ، ولكن يصحّ أن يقال : «رأيت شيئا».
ثمّ ذهب إلى أنّ لفظ «الأمر» في جميع استعمالاته بمعنى واحد ، وهو الإرادة والطلب ، لكنّه يستعمل في متعلّق الإرادة بمعنى المفعول. نهاية الدراية ١ : ١٧٤ ـ ١٧٥.
وأمّا المحقّق النائينيّ : فذهب إلى أنّ للأمر معنى واحد يندرج في كلّ المعاني ، وهو «الواقعة ذات الأهميّة» ، فإنّه ينطبق تارة على الطلب ، واخرى على الغرض ، وثالثة على الحادثة ، وهكذا. فلفظ الأمر مشترك معنويّ. أجود التقريرات ١ : ٨٦ ، فوائد الاصول ١ : ١٢٨. ـ
هذا بحسب العرف واللغة.
وأمّا بحسب الاصطلاح فقد نقل الاتّفاق على أنّه حقيقة في القول المخصوص (١) ، ومجاز في غيره (٢).
ولا يخفى : أنّه عليه لا يمكن منه الاشتقاق ، فإنّ معناه حينئذ لا يكون معنى حدثيّا ، مع أنّ الاشتقاقات منه ظاهرا تكون بذلك المعنى المصطلح عليه بينهم ، لا بالمعنى الآخر ، فتدبّر.
ويمكن أن يكون مرادهم به هو الطلب بالقول ، لا نفسه ـ تعبيرا عنه بما يدلّ عليه ـ. نعم ، القول المخصوص ـ أي صيغة الأمر ـ إذا أراد العالي بها الطلب يكون من مصاديق الأمر ، لكنّه بما هو طلب مطلق أو مخصوص.
وكيف كان فالأمر سهل لو ثبت النقل (٣) ، ولا مشاحّة في الاصطلاح ، وإنّما المهمّ بيان ما هو معناه عرفا ولغة ليحمل عليه فيما إذا ورد بلا قرينة.
وقد استعمل في غير واحد من المعاني في الكتاب والسنّة ، ولا حجّة على أنّه
__________________
ـ وأمّا المحقّق العراقيّ : فذهب إلى أنّ لفظ «الأمر» مشترك لفظيّ بين معنيين : (أحدهما) : الطلب المبرز بالقول أو بغيره من كتابة أو إشارة. وهو بهذا المعنى من المشتقّات ، فيصلح الاشتقاق منه اسما وفعلا ، ويجمع ب «أوامر». (ثانيهما) : مفهوم عرضيّ عامّ مساوق لمفهوم الشيء حاك عن الطلب الحقيقيّ الخارجيّ. وهو بهذا المعنى من الجوامد. ويجمع ب «امور». نهاية الأفكار ١ : ١٥٦ ـ ١٥٨.
وخالفه أيضا السيّدان العلمان : الإمام الخمينيّ والمحقّق الخوئيّ ، فأوردا على كون الأمر مشتركا لفظيّا أو معنويّا ، وذهب كلّ منهما إلى قول.
فذهب الأوّل إلى أنّ مادّة «الأمر» موضوعة لمفهوم اسميّ مشترك بين الهيئات بما لها من المعانى ، لا بمعنى دخول المعاني في الموضوع له ، بل بمعنى أنّ الموضوع له جامع الهيئات الدالّة على معانيها. مناهج الوصول ١ : ٢٣٨.
وذهب الثاني إلى أنّها موضوعة للدلالة على إبراز الأمر الاعتباريّ النفسانيّ ـ أي : اعتبار الشارع الفعل على ذمّة المكلّف ـ. محاضرات في اصول الفقه ٢ : ٩ ـ ١٠ و ١٣١.
(١) أي : صيغة «افعل».
(٢) راجع الفصول الغرويّة : ٦٣.
(٣) أي : لو ثبت نقل لفظ «الأمر» عن معناه اللغويّ إلى القول المخصوص.
على نحو الاشتراك اللفظيّ أو المعنويّ أو الحقيقة والمجاز.
وما ذكر في الترجيح عند تعارض هذه الأحوال (١) ـ لو سلّم ، ولم يعارض بمثله ـ فلا دليل على الترجيح به ، فلا بدّ مع التعارض من الرجوع إلى الأصل في مقام العمل. نعم ، لو علم ظهوره في أحد معانيه ـ ولو احتمل أنّه كان للسبق من الإطلاق ـ فليحمل عليه وإن لم يعلم أنّه حقيقة فيه بالخصوص أو فيما يعمّه ، كما لا يبعد أن يكون كذلك في المعنى الأوّل (٢).
الجهة الثانية : [في اعتبار العلوّ في معنى الأمر]
الظاهر اعتبار العلوّ في معنى الأمر (٣) ، فلا يكون الطلب من السافل أو المساوي أمرا ، ولو اطلق عليه كان بنحو من العناية ، كما أنّ الظاهر عدم اعتبار الاستعلاء (٤) ، فيكون الطلب من العالي أمرا ولو كان مستخفضا لجناحه.
وأمّا احتمال اعتبار أحدهما (٥) فضعيف ، وتقبيح الطالب السافل من العالي المستعلي عليه وتوبيخه بمثل : «أنّك لم تأمره؟!» إنّما هو على استعلائه ، لا على أمره حقيقة بعد استعلائه ، وإنّما يكون إطلاق الأمر على طلبه بحسب ما هو قضيّة استعلائه. وكيف كان ففي صحّة سلب «الأمر» عن طلب السافل ولو كان مستعليا كفاية.
__________________
(١) مثل : غلبة المجاز على الاشتراك.
(٢) أي : لا يبعد ظهور لفظ «الأمر» في الطلب.
(٣) أي : يعتبر في الطالب العلوّ ، كي يصدق على طلبه الأمر.
ولا يخفى عليك : أنّه لا يصدق الأمر على مطلق الطلب من العالي ، بل انّما يصدق عليه الأمر فيما إذا طلب الشيء بحسب علوّه وفي مقام مولويّته ، وأمّا لو طلبه من غير هذه الجهة فلا يصدق عليه الأمر ، كما هو واضح.
(٤) خلافا لما يظهر من صاحب القوانين ، فإنّه اعتبر الاستعلاء والعلوّ في الآمر. وتبعه على ذلك السيّد الإمام الخمينيّ. فراجع قوانين الاصول ١ : ٨١ ، ومناهج الوصول ١ : ٢٣٩ ـ ٢٤٠.
(٥) كما في إشارات الاصول : ٨٠.
الجهة الثالثة : [في كون الأمر حقيقة في الوجوب]
لا يبعد كون لفظ الأمر حقيقة في الوجوب (١) ، لانسباقه (٢) عنه عند إطلاقه (٣).
ويؤيّده قوله تعالى : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (٤) ؛ وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «لو لا أن أشقّ على امّتي لأمرتهم بالسّواك» (٥) ؛ وقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم لبريرة ـ بعد قولها : «أتأمرني يا رسول الله؟» ـ : «لا ، أنا شافع (٦)» (٧) ... إلى غير ذلك ؛ وصحّة الاحتجاج (٨) على العبد ومؤاخذته بمجرّد مخالفة أمره ، وتوبيخه على مجرّد
__________________
(١) أي : الطلب الوجوبيّ.
(٢) كلمة «الانسباق» لا تساعد عليها اللغة. بل الصحيح «لسبقه».
(٣) لا يخفى : أنّ في منشأ هذا التبادر أقوال :
الأوّل : أنّ منشؤه وضع لفظ «الأمر» للطلب الوجوبيّ ، فالوجوب مأخوذ قيدا في الموضوع له لفظ الأمر. وهذا يظهر من كلام المصنّف رحمهالله في المقام.
الثاني : أنّ منشؤه أخذ الوجوب قيدا للمستعمل فيه ، وإن لم يكن قيدا للموضوع له. وهذا يظهر من هداية المسترشدين : ١٣٩.
الثالث : أنّ منشؤه ليس إلّا حكم العقل بوجوب طاعة الآمر. وهذا ما أفاده المحقّق النائينيّ ، وتبعه تلميذه المحقّق الخوئيّ ، فراجع فوائد الاصول ١ : ١٣٦ ـ ١٣٦ ، والمحاضرات ٢ : ١٤ ـ ١٥ و ١٣١.
(٤) النور / ٦٣.
وجه التأييد أنّه (تعالى) حذّر مخالف الأمر ، والتحذير يناسب الوجوب لا الندب.
(٥) وسائل الشيعة ١ : ٣٥٤ ، الباب ٣ من أبواب السواك ، الحديث ٣.
وجه التأييد أنّ المشقّة انّما تكون في الإلزام لا في الندب.
(٦) وإليك نصّ الرواية : «لا ، انّما أنا شفيع».
(٧) مستدرك الوسائل ١٥ : ٣٢ ، الباب ٣٦ من أبواب النكاح العبيد والإماء ، الحديث : ٣.
وجه التأييد أنّه لو لم يكن الأمر للوجوب ما معنى لاستفهام بريرة.
(٨) في قوله : «وصحّة الاحتجاج ...» وجهان :
الأوّل : أن يكون معطوفا على قوله تعالى : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ ...﴾ ، فيكون مؤيّدا.
الثاني : أن يكون معطوفا على قوله : «لانسباقه». وعليه يكون دليلا.
والأظهر هو الأوّل ، حيث يرد عليه ما يرد على سابقه من أنّ غاية ما يستفاد من هذه الامور هو استعمال الأمر في الوجوب ، وهو أعمّ من الوضع ؛ مضافا إلى أنّ دلالة بعضها ـ
مخالفته ، كما في قوله تعالى : ﴿ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ»﴾ (١).
وتقسيمه إلى الإيجاب والاستحباب (٢) إنّما يكون قرينة على إرادة المعنى الأعمّ منه في مقام تقسيمه (٣) ، وصحّة الاستعمال في معنى أعمّ من كونه (٤) على نحو الحقيقة ، كما لا يخفى.
وأمّا ما افيد من أنّ الاستعمال فيهما ثابت ، فلو لم يكن موضوعا للقدر المشترك بينهما لزم الاشتراك أو المجاز (٥) ؛ فهو غير مفيد ، لما مرّت الإشارة إليه في الجهة الاولى وفي تعارض الأحوال ، فراجع (٦).
والاستدلال بأنّ فعل المندوب طاعة ، وكلّ طاعة فهو فعل المأمور به (٧). فيه
__________________
ـ على الوجوب بمعونة القرينة ، كقرينة المشقّة في قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «لو لا أن أشقّ ...» ، وقرينة مقابلة الأمر بالشفاعة في قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «لا ، انّما أنا شفيع».
(١) الأعراف / ١٢.
وجه التأييد أنّه لا تصحّ مؤاخذة العبد وتوبيخه على مجرّد مخالفة أمر المولى ، إلّا إذا كان الأمر وجوبيّا.
(٢) إشارة إلى دليل القائلين بوضع لفظ «الأمر» لمطلق الطلب الجامع بين الوجوب والاستحباب.
وحاصله : أنّ تقسيم الأمر إلى الوجوب والاستحباب دليل على أنّ الموضوع له لفظ الأمر هو الجامع بينهما.
وهذا الدليل تعرّض له المحقّق القمّي وأورد عليه بما ذكر في المتن ، فراجع قوانين الاصول ١ : ٨١ ـ ٨٢.
(٣) فالتقسيم قرينة على استعمال ما وضع لمعنى خاصّ في الأعمّ منه.
(٤) أي : الاستعمال.
(٥) هذا دليل آخر لمن قال بوضع لفظ «الأمر» للطلب الوجوبيّ والطلب الندبيّ.
وتعرّض له صاحب الفصول ، ثمّ أراد توجيهه بحيث يرجع إلى ما رامه من أنّ «الأمر» حقيقة في طلب الفعل مطلقا ، ويتبادر منه الإلزام تبادرا إطلاقيّا. الفصول الغرويّة : ٦٥.
والمحقّق العراقيّ وافق صاحب الفصول فيما ذكر. نهاية الأفكار ١ : ١٦٠ ، ومقالات الاصول ١ : ٢٠٦.
(٦) راجع الأمر الثامن من الأمور المذكورة في المقدّمة : ٤٦. وراجع الصفحة : ١٢٠.
(٧) فالمندوب فعل المأمور به. وهذا الدليل أيضا تعرّض له المحقّق القمّي ثمّ أورد عليه بما ـ
ما لا يخفى من منع الكبرى لو اريد من المأمور به معناه الحقيقيّ ، وإلّا لا يفيد المدّعى.
الجهة الرابعة : [في أنّ الأمر موضوع للطلب الإنشائيّ]
الظاهر أنّ الطلب الّذي يكون هو معنى الأمر ليس هو الطلب الحقيقيّ (١) ـ الّذي يكون طلبا بالحمل الشائع الصناعيّ (٢) ـ ، بل الطلب الإنشائيّ (٣) ـ الّذي لا يكون بهذا الحمل طلبا مطلقا ، بل طلبا إنشائيّا (٤) ـ ، سواء انشئ بصيغة افعل ، أو بمادّة الطلب ، أو بمادّة الأمر ، أو بغيرها.
ولو أبيت إلّا عن كونه موضوعا للطلب (٥) ، فلا أقلّ من كونه منصرفا إلى الإنشائيّ منه عند إطلاقه (٦) كما هو الحال في لفظ «الطلب» أيضا ، وذلك لكثرة الاستعمال في الطلب الإنشائيّ. كما أنّ الأمر في لفظ «الإرادة» على عكس لفظ «الطلب» ، والمنصرف عنها (٧) عند إطلاقها هو الإرادة الحقيقيّة.
[اتّحاد الطلب والإرادة]
واختلافهما في ذلك (٨) ألجأ بعض أصحابنا (٩) إلى الميل إلى ما ذهب إليه
__________________
ـ ذكر هنا. راجع قوانين الاصول ١ : ٨٢.
(١) وهو الشوق الحاصل في النفس الّذي من الكيفيّات القائمة بالنفس ، وله وجود في الخارج.
(٢) لأنّ الشوق من مصاديق الطلب ، وهو موجود خارجيّ.
(٣) وهو مظهر الطلب الحقيقيّ.
(٤) فالفرق بين الطلب الحقيقيّ والإنشائيّ أنّ الطلب الحقيقيّ يحمل عليه الطلب المطلق بحمل الشائع الصناعيّ ، والطلب الإنشائيّ لا يحمل عليه الطلب بقول مطلق بالحمل الشائع ، بل يحمل عليه الطلب الإنشائيّ.
(٥) أي : مطلق الطلب الجامع بين الحقيقيّ والإنشائيّ.
(٦) أي : فلا أقلّ من كون لفظ «الأمر» منصرفا إلى الإنشائيّ من الطلب عند إطلاق لفظ «الأمر».
(٧) والأولى أن يقول : «إذ المنصرف عنها».
(٨) أي : اختلاف لفظي الطلب والإرادة في المعنى المنصرف عن كلّ منهما.
(٩) كالشيخ محمّد تقيّ الاصفهانيّ في هداية المسترشدين : ١٣٥ ، والمحقّق الخوانساريّ في رسالة في مقدّمة الواجب. ووافقهم المحقّق النائينيّ كما يأتي.
الأشاعرة من المغايرة بين الطلب والإرادة (١) ، خلافا لقاطبة أهل الحقّ والمعتزلة من اتّحادهما(٢).
فلا بأس بصرف عنان الكلام إلى بيان ما هو الحقّ في المقام ، وإن حقّقناه في بعض فوائدنا (٣) إلّا أنّ الحوالة لمّا لم تكن عن المحذور خالية ، والإعادة بلا فائدة ولا إفادة (٤) ، كان المناسب هو التعرّض هاهنا أيضا.
فاعلم أنّ الحقّ كما عليه أهله ـ وفاقا للمعتزلة وخلافا للأشاعرة ـ هو اتّحاد الطلب والإرادة ، بمعنى أنّ لفظيهما موضوعان بإزاء مفهوم واحد ، وما بإزاء أحدهما في الخارج يكون بإزاء الآخر (٥) ، والطلب المنشأ بلفظه (٦) أو بغيره عين الإرادة الإنشائيّة.
وبالجملة : هما متّحدان مفهوما وإنشاء وخارجا ، لا أنّ الطلب الإنشائيّ الّذي هو المنصرف إليه إطلاقه ـ كما عرفت ـ متّحد مع الإرادة الحقيقيّة الّتي ينصرف إليها إطلاقها أيضا ، ضرورة أنّ المغايرة بينهما أظهر من الشمس وأبين من الأمس.
فإذا عرفت المراد من حديث العينيّة والاتّحاد ، ففي مراجعة الوجدان ـ عند طلب شيء والأمر به حقيقة ـ كفاية ، فلا يحتاج إلى مزيد بيان وإقامة برهان ، فإنّ الإنسان لا يجد غير الإرادة القائمة بالنفس صفة اخرى قائمة بها يكون هو الطلب
__________________
(١) راجع شرح المواقف ٨ : ٩٣ ، شرح التجريد (للقوشجيّ) : ٢٤٦ ، نقد المحصّل : ١٧٠.
(٢) راجع كشف المراد : ٢٢٣.
(٣) فوائد الاصول (للمصنّف) : ٢٣.
(٤) هكذا في النسخة الأصليّة والنسخة الاخرى الموجودة عندنا. وعليه يكون معنا العبارة : ولمّا لم تكن الإعادة بلا فائدة ولا إفادة.
وفي النسخة المطبوعة بالطبع الحجريّ المزيّنة بحاشية المحقّق المشكينيّ ١ : ٩٥ ، هكذا : «والإعادة ليس بلا فائدة ولا إفادة». وعليه يكون قوله : «الإعادة» معطوفا على نفس كلمة «الحوالة» ، فيكون معناها : إلّا أنّ الإعادة ليست بلا فائدة.
والأولى أن يقول : «الّا أنّه لمّا لم تكن الحوالة خالية عن المحذور ولم تكن الإعادة بلا فائدة ...».
(٥) فهما متّحدان مفهوما ومصداقا.
(٦) أي : بلفظ الطلب ، كأن يقال : أطلب منك كذا.
غيرها (١) سوى ما هو مقدّمة تحقّقها عند خطور الشيء والميل وهيجان الرغبة إليه والتصديق لفائدته (٢) ، وهو (٣) الجزم بدفع ما يوجب توقّفه عن طلبه لأجلها.
وبالجملة : لا يكاد يكون غير الصفات المعروفة والإرادة هناك صفة اخرى قائمة بها يكون هو الطلب (٤) ، فلا محيص عن اتّحاد الإرادة والطلب ، وأن يكون ذلك الشوق المؤكّد ـ المستتبع لتحريك العضلات في إرادة فعله بالمباشرة ، أو المستتبع لأمر عبيده به فيما لو أراده (٥) لا كذلك ـ مسمّى ب «الطلب والإرادة» ، كما يعبّر به تارة وبها اخرى ، كما لا يخفى (٦).
__________________
(١) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «تكون هي الطلب» ، فإنّ الضمير يرجع إلى الصفة ، وكلمة «غيرها» زائدة ، للاستغناء عنها بقوله : «غير الإرادة».
(٢) والأولى أن يقدّم تصديق الفائدة على الميل والهيجان.
(٣) أي : ما هو مقدّمة تحقّق الإرادة.
(٤) هكذا في النسخ. والاولى أن يقول : «تكون هي الطلب».
(٥) وفي النسخة الأصليّة : «أريده». والصحيح ما في المتن.
(٦) وقد خالفه المحقّق النائينيّ وادّعى وجود صفة اخرى بين الإرادة والفعل ، وذهب إلى تغاير الطلب والإرادة وفاقا للأشاعرة.
وحاصل كلامه : أنّه لا ينبغي الإشكال في أنّ هناك وراء الإرادة أمرا آخر يكون هو المستتبع لحركة العضلات ، ويكون ذلك من أفعال النفس ، وإن شئت فسمّه : «حملة النفس» أو «حركة النفس» أو «تصدّي النفس». وذلك لوضوح أنّ الانبعاث لا يكون إلّا بالبعث ، والبعث انّما هو من مقولة الفعل ، وقد عرفت أنّ الإرادة ليست من الأفعال النفسانيّة ، بل هي من الكيفيّات النفسانيّة ، فلو لم يكن هناك فعل نفسانيّ يقتضي الانبعاث يلزم منه أن يكون انبعاثا بلا بعث.
والحاصل : أنّ وراء الإرادة والشوق المؤكّد أمرا آخر ، يسمّى بالطلب. وهو عبارة عن تصدّي النفس نحو المطلوب وحملتها إليه.
فظهر أنّ الحقّ مع القائلين بتغاير الطلب والإرادة وفاقا للأشاعرة. أجود التقريرات ١ : ٨٨ ـ ٩١ ، فوائد الاصول ١ : ١٣٠ ـ ١٣٣.
ولا يخفى : أنّ ما التزم به المحقّق النائينيّ من ثبوت صفة نفسانيّة اخرى هي التصدّي والاختيار غير ما التزم به الأشاعرة من ثبوت صفة نفسانيّة هي الكلام النفسيّ ، كما يأتي.
وكذا الحال في سائر الصيغ الإنشائيّة والجمل الخبريّة ، فإنه لا يكون غير الصفات المعروفة القائمة بالنفس ـ من الترجّي والتمنّي والعلم إلى غير ذلك ـ صفة اخرى كانت قائمة بالنفس وقد دلّ اللفظ عليها ، كما قيل (١) :
|
إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما |
|
جعل اللسان على الفؤاد دليلا (٢) |
وقد انقدح بما حقّقناه ما في استدلال الأشاعرة على المغايرة ـ بالأمر مع عدم الإرادة ، كما في صورتي الاختبار والاعتذار ـ من الخلل (٣) ؛ فإنّه كما لا إرادة حقيقة في الصورتين لا طلب كذلك فيهما ، والّذي يكون فيهما إنّما هو الطلب الإنشائيّ الإيقاعيّ الّذي هو مدلول الصيغة أو المادّة ، ولم يكن بيّنا ولا مبيّنا في الاستدلال مغايرته مع الإرادة الإنشائيّة.
__________________
(١) والقائل هو الأخطل الشاعر على ما في شرح المقاصد ٤ : ١٥٠.
(٢) حاصل ما التزم به الأشاعرة هو ثبوت صفة نفسانيّة اخرى في النفس غير الإرادة ومقدّماتها.
ومنشأ التزامهم بثبوت هذه الصفة هو توجيه اتّصاف الواجب تعالى بصفة المتكلّم. فقالوا : لا ريب أنّ الله (عزوجل) يكون متكلّما كما يكون عالما وقادرا. وبما أنّ صفاته (تعالى) عين ذاته وجودا فصفاته (تعالى) قديمة كقدم ذاته ، فيلزم أن يكون كلامه قديما. ومعلوم أنّ الكلام اللفظيّ حادث ، فيمتنع أن يكون المراد من كلامه هو الكلام اللفظيّ ، بل لا بدّ أن يكون هناك صفة اخرى في نفس المولى ـ غير الإرادة ـ يكشف عنها الكلام اللفظيّ ، وهي الكلام النفسيّ ، كما قال الشاعر :
|
إنّ الكلام لفي الفؤاد وانّما |
|
جعل اللسان على الفؤاد دليلا |
فالكلام اللفظيّ كاشف عن وجود صفة نفسانيّة ، سواء كان الكلام اللفظيّ إخباريّا أو إنشائيّا.
ومن هنا يظهر أنّ في مورد الإنشائيّات تكون في النفس صفة غير الإرادة يحكي عنها الكلام اللفظيّ الإنشائيّ ، وهي ما يعبّر عنه ب «الطلب» ، فيثبت أنّ الإرادة غير الطلب.
وأورد عليه المحقّق الاصفهانيّ بأنّ الالتزام بالكلام النفسيّ وأنّه صفة من صفات النفس غير الإرادة ، ممنوع ، لأنّ البرهان قائم في محلّه على حصر الكيفيّات النفسانيّة ، وليس منها الكلام النفسيّ. نهاية الدراية ١ : ١٨٢.
(٣) بيان ل «ما» الموصولة في قوله : «ما في استدلال الأشاعرة».
وبالجملة : الّذي يتكفّله الدليل ليس إلّا الانفكاك بين الإرادة الحقيقيّة والطلب المنشأ بالصيغة الكاشف عن مغايرتهما ، وهو (١) ممّا لا محيص عن الالتزام به ـ كما عرفت ـ ، ولكنّه لا يضرّ بدعوى الاتّحاد أصلا ، لمكان هذه المغايرة والانفكاك بين الطلب الحقيقيّ والإنشائيّ ، كما لا يخفى.
ثمّ إنّه يمكن ممّا حقّقناه أن يقع الصلح بين الطرفين ، ولم يكن نزاع في البين ، بأن يكون المراد بحديث الاتّحاد ما عرفت من العينيّة مفهوما ووجودا ، حقيقيّا وإنشائيّا ، ويكون المراد بالمغايرة والاثنينيّة هو اثنينيّة الإنشائيّ من الطلب ـ كما هو كثيرا ما يراد من إطلاق لفظه ـ والحقيقيّ من الإرادة ـ كما هو المراد (٢) غالبا منها حين إطلاقها ـ ، فيرجع النزاع لفظيّا ، فافهم (٣).
دفع وهم (٤)
لا يخفى : أنّه ليس غرض الأصحاب والمعتزلة ـ من نفي غير الصفات المشهورة وأنّه ليس صفة اخرى قائمة بالنفس كانت كلاما نفسيّا مدلولا للكلام اللفظيّ كما يقول به الأشاعرة ـ أنّ هذه الصفات المشهورة مدلولات للكلام (٥).
إن قلت : فما ذا يكون مدلولا عليه عند الأصحاب والمعتزلة؟
__________________
(١) أي : الانفكاك بين الإرادة الحقيقيّة والطلب الإنشائيّ.
(٢) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «والحقيقيّة من الإرادة كما هي المرادة ...».
(٣) لعلّه إشارة إلى أنّ الأشاعرة التزموا بثبوت صفة نفسانيّة اخرى في النفس قبال الإرادة ، وصرّحوا بالمغايرة بين الطلب والإرادة الحقيقيّين ، فكيف يمكن أن يحمل كلامهم على المغايرة بين الطلب الإنشائيّ والإرادة الحقيقيّة؟!
(٤) حاصل الوهم : أنّه لا بدّ للكلام اللفظيّ من مدلول ، وإذا لم يكن مدلوله الكلام النفسيّ ـ كما يدّعيه الأشاعرة ـ فثبت أنّ مدلوله إحدى الصفات المشهورة من العلم والإرادة والترجّي وغيرها.
(٥) والوجه في ذلك أنّ مقصودهم في المقام نفي ما ادّعاه الأشاعرة من ثبوت صفة زائدة على الصفات المشهورة ، وهو يثبت من دون حاجة إلى إثبات مدلول الكلام اللفظيّ.
قلت : أمّا الجمل الخبريّة فهي دالّة على ثبوت النسبة بين طرفيها أو نفيها في نفس الأمر من ذهن أو خارج ، ك «الإنسان نوع» أو «كاتب».
وأمّا الصيغ الإنشائيّة فهي ـ على ما حقّقناه في بعض فوائدنا (١) ـ موجدة لمعانيها في نفس الأمر ـ أي قصد ثبوت معانيها وتحقّقها بها ـ ، وهذا نحو من الوجود ، وربما يكون هذا منشأ لانتزاع اعتبار مترتّبة عليه ـ شرعا وعرفا ـ آثار ، كما هو الحال في صيغ العقود والإيقاعات.
نعم ، لا مضايقة في دلالة مثل صيغة الطلب والاستفهام والترجّي والتمنّي بالدلالة الالتزاميّة على ثبوت هذه الصفات حقيقة ، إمّا لأجل وضعها لإيقاعها فيما إذا كان الداعي إليه ثبوت هذه الصفات ، أو انصراف إطلاقها إلى هذه الصورة ، فلو لم تكن هناك قرينة كان إنشاء الطلب أو الاستفهام أو غيرهما بصيغتها لأجل كون الطلب والاستفهام وغيرهما قائمة بالنفس وضعا أو إطلاقا (٢).
إشكال ودفع
أمّا الإشكال : فهو أنّه يلزم ـ بناء على اتّحاد الطلب والإرادة ـ في تكليف الكفّار بالإيمان ، بل مطلق أهل العصيان في العمل بالأركان إمّا أن لا يكون هناك تكليف جدّيّ إن لم يكن هناك إرادة ، حيث إنّه لا يكون حينئذ طلب حقيقيّ ، واعتباره (٣) في الطلب الجدّيّ ربما يكون من البديهيّ ، وإن كان هناك إرادة فكيف تتخلّف عن المراد؟ ولا تكاد تتخلّف ، إذا أراد الله شيئا يقول له كن فيكون (٤).
وأمّا الدفع : فهو أنّ استحالة التخلّف إنّما تكون في الإرادة التكوينيّة ـ وهي العلم بالنظام على النحو الكامل التامّ ـ دون الإرادة التشريعيّة ـ وهي العلم
__________________
(١) فوائد الاصول (للمصنّف) : ١٧.
(٢) وفي بعض النسخ : «لأجل قيام الطلب والاستفهام وغيرهما بالنفس وضعا أو إطلاقا».
(٣) أي : اعتبار الطلب الحقيقيّ.
(٤) مقتبس من قوله تعالى في الآية (٨٢) من السورة يس.
بالمصلحة في فعل المكلّف ـ ، وما لا محيص عنه في التكليف إنّما هو هذه الإرادة التشريعيّة ، لا التكوينيّة. فإذا توافقتا فلا بدّ من الإطاعة والإيمان ، وإذا تخالفتا فلا محيص عن أن يختار الكفر والعصيان.
إن قلت : إذا كان الكفر والعصيان والإطاعة والإيمان بإرادته تعالى الّتي لا تكاد تتخلّف عن المراد ، فلا يصحّ أن يتعلّق بها التكليف ، لكونها خارجة عن الاختيار المعتبر فيه عقلا.
قلت : إنّما تخرج بذلك عن الاختيار لو لم يكن تعلّق الإرادة بها مسبوقة بمقدّماتها الاختياريّة (١) ، وإلّا فلا بدّ من صدورها بالاختيار ، وإلّا لزم تخلّف إرادته عن مراده ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا (٢).
إن قلت : إنّ الكفر والعصيان ـ من الكافر والعاصي ـ ولو كانا مسبوقين بإرادتهما ، إلّا أنّهما منتهيان إلى ما لا بالاختيار ، كيف وقد سبقهما (٣) الإرادة الأزليّة والمشيئة الإلهيّة ، ومعه كيف تصحّ المؤاخذة على ما يكون بالآخرة بلا اختيار؟!
قلت : العقاب إنّما بتبعة (٤) الكفر والعصيان التابعين للاختيار الناشئ عن مقدّماته الناشئة عن شقاوتهما الذاتيّة اللازمة لخصوص ذاتهما ، فإنّ السعيد سعيد
__________________
(١) هكذا في جميع النسخ. والأولى أن يقول : «لو لم يكن تعلّق الإرادة مسبوقا بمقدّماتها الاختياريّة».
(٢) وتوضيحه : أنّ الكفر والعصيان والإطاعة والإيمان إنّما تخرج بتعلّق الإرادة التكوينيّة الإلهيّة عن الاختيار لو لم يكن تعلّق الإرادة التكوينيّة بها مسبوقا بمقدّماتها الاختياريّة الّتي تكون في اختيار العبد. وأمّا لو كان تعلّق الإرادة التكوينيّة بهذه الامور مسبوقا بمباديها الاختياريّة فلا بدّ من صدورها بالاختيار ، فإنّ إرادته تعالى تعلّقت بفعل العبد لا مطلقا ، بل بما هو مراد للعبد. وحينئذ فإن لم تصدر الامور المذكورة عن اختيار ـ مع تعلّق إرادته تعالى بصدورها من العبد عن اختيار ـ لزم تخلّف إرادته تعالى عن مراده ، وهو محال.
(٣) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «وقد سبقتهما».
(٤) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «إنّما يتبع».
في بطن أمّه والشقيّ شقيّ في بطن أمّه (١) ، والناس معادن كمعادن الذهب والفضّة (٢) ـ كما في الخبر ـ ، والذاتيّ لا يعلّل ، فانقطع سؤال أنّه لم جعل السعيد سعيدا والشقيّ شقيّا؟ فإنّ السعيد سعيد بنفسه والشقيّ شقيّ كذلك ، وإنّما أوجدهما الله تعالى «قلم اينجا رسيد سر بشكست». قد انتهى الكلام في المقام إلى ما ربما لا يسعه كثير من الأفهام ، ومن الله الرشد والهداية ، وبه الاعتصام (٣).
وهم ودفع
لعلّك تقول : إذا كانت الإرادة التشريعيّة منه تعالى عين علمه بصلاح الفعل لزم ـ بناء على أن تكون عين الطلب ـ كون المنشأ بالصيغة في الخطابات الإلهيّة هو العلم ، وهو بمكان من البطلان.
لكنّك غفلت عن أنّ اتّحاد الإرادة مع العلم بالصلاح إنّما يكون خارجا ، لا مفهوما ، وقد عرفت أنّ المنشأ ليس إلّا المفهوم (٤) ، لا الطلب الخارجيّ ، ولا غرو أصلا في اتّحاد الإرادة والعلم عينا وخارجا ، بل لا محيص عنه في جميع صفاته تعالى ، لرجوع الصفات إلى ذاته المقدّسة. قال أمير المؤمنين عليهالسلام : «وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه» (٥).
__________________
(١) التوحيد (للصدوق) : ٣٥٦ ، الحديث ٣ (باب السعادة والشقاوة).
(٢) بحار الأنوار ٥٨ : ٦٥.
(٣) لا يخفى : أنّ مسألة اتّحاد الطلب والإرادة بما هي عليه من المباحث العميقة مسألة عويصة ، تحتاج إلى وضع رسالة خاصّة والبحث عنها في الجهات المختلفة. وإن شئت فراجع نهاية الدراية ١ : ١٨٠ ـ ٢١٤ ، نهاية الأفكار ١ : ١٦٣ ـ ١٧٦ ، فوائد الاصول ١ : ١٣٠ ـ ١٣٤ ، رسالة في الطلب والإرادة (للإمام الخمينيّ) وغيرها من المطوّلات.
(٤) أي : مفهوم الطلب.
(٥) نهج البلاغة ، الخطبة الاولى.
الفصل الثاني
فيما يتعلّق بصيغة الأمر
وفيه مباحث :
المبحث الأوّل
[معنى صيغة الأمر]
أنّه ربما يذكر للصيغة معان قد استعملت فيها ، وقد عدّ منها الترجّي والتمنّي والتهديد والإنذار والإهانة والاحتقار والتعجيز والتسخير (١) ... إلى غير ذلك (٢).
وهذا كما ترى ، ضرورة أنّ الصيغة ما استعملت في واحد منها ، بل لم يستعمل إلّا
__________________
(١) الترجّي والتمنّي كقول امرئ القيس الشاعر : «ألا أيّها الليل الطويل انجل». ديوان امرئ القيس : ٤٩.
والتهديد كقوله تعالى : ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ.﴾ فصّلت / ٤٠.
والإنذار كقوله تعالى : ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً.﴾ الزمر / ٨.
والإهانة كقوله تعالى : ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ.﴾ الدخان / ٤٩.
والاحتقار كقوله تعالى : ﴿اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ.﴾ المؤمنون / ١٠٨.
والتعجيز كقوله تعالى : ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ.﴾ البقرة / ٢٣.
والتسخير كقوله تعالى : ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ.﴾ البقرة / ٦٥.
(٢) كالاستعانة والتكذيب والمشورة والتسوية وغيرها.
في إنشاء الطلب (١) ، إلّا أنّ الداعي إلى ذلك (٢) كما يكون تارة هو البعث والتحريك نحو المطلوب الواقعيّ يكون اخرى أحد هذه الامور ، كما لا يخفى.
قصارى ما يمكن أن يدّعى أن تكون الصيغة موضوعة لإنشاء الطلب (٣) فيما إذا كان بداعي البعث والتحريك ، لا بداع آخر منها (٤) ، فيكون إنشاء الطلب بها (٥) بعثا (٦) حقيقة ، وإنشاؤه بها تهديدا مجازا. وهذا غير كونها مستعملة في التهديد وغيره ، فلا تغفل(٧).
__________________
(١) والأولى أن يقول : «بل لم تستعمل إلّا في الطلب». والوجه في الأولويّة أنّ الظاهر من قوله : «إلّا في إنشاء الطلب» أنّ الصيغة تستعمل في إنشاء الطلب ، فالإنشائيّة داخلة في المستعمل فيه. وهذا ينافي ما ذكره في الأمر الثاني من الأمور المذكورة في المقدّمة من أنّ الإنشائيّة والإخباريّة من مقوّمات الاستعمال ، لا المستعمل فيه.
(٢) أي : إنشاء الطلب.
(٣) والأولى أن يقول : «أن تكون الصيغة موضوعة للطلب في مقام الإنشاء ...». وذلك لأنّه قد تقدّم منه أنّ الصيغ الإنشائيّة موجدة لمعانيها في نفس الأمر ، فالصيغة تتكفّل ايجاد المعنى بوجود انشائيّ. وعليه يصحّ أن يقال : «إنّ صيغة الأمر موضوعة للطلب في مقام الإنشاء ...» ، لأنّ الطلب قابل للإنشاء والإيجاد بالصيغة ، ولا يصحّ أن يقال : «إنّ صيغة الأمر موضوعة لإنشاء الطلب» ، لأنّ الصيغ الإنشائيّة موجدة لمعانيها ، فلا يكون معناها إلّا ما يقبل الوجود بها ، ولا شكّ أنّ انشاء الطلب غير قابل للإنشاء والإيجاد بالصيغة ، ضرورة أنّ الإنشاء لا يقبل الإنشاء والإيجاد مرّة اخرى ، فإذن لا يكون إنشاء الطلب معنى صيغة الأمر كي يصحّ أن يقال : «صيغة الأمر موضوعة لإنشاء الطلب».
اللهم إلّا أن يقال : إنّ اللام في قوله : «لإنشاء الطلب» ليست لام الإضافة ، بل هي لام الغاية. ومراده أنّ الصيغة موضوعة للطلب لأجل إنشائه بالصيغة. لكنّه خلاف ظاهر عبارته.
(٤) أي : من الدواعي.
(٥) أي : بالصيغة. ومرّ ما فيه.
(٦) أي : بداعي البعث.
(٧) والظاهر من المحقّق الاصفهانيّ أنّ الموضوع له صيغة الأمر هو النسبة الطلبيّة ، حيث قال : «مفاد الهيئة ـ كما هو ـ بمعنى البعث والطلب الملحوظ نسبة بين المادّة والمتكلّم والمخاطب». نهاية الدراية ١ : ٢١٤.
وذهب المحقّق النائينيّ إلى أنّ هيئة الأمر انّما تدلّ على النسبة الإيقاعيّة ، فالصيغة موضوعة لإيقاع النسبة بين المبدأ والفاعل ، من دون أن تكون مستعملة في الطلب أو في التهديد أو غيرهما. فوائد الاصول ١ : ١٢٩ ـ ١٣٠. ـ
إيقاظ : [جريان الكلام في سائر الصيغ الإنشائيّة]
لا يخفى : أنّ ما ذكرناه في صيغة الأمر جار في سائر الصيغ الإنشائيّة ، فكما يكون الداعي إلى إنشاء التمنّي أو الترجّي أو الاستفهام بصيغها تارة هو ثبوت هذه الصفات حقيقة يكون الداعي غيرها اخرى (١). فلا وجه للالتزام بانسلاخ صيغها عنها واستعمالها في غيرها إذا وقعت في كلامه تعالى ـ لاستحالة (٢) مثل هذه المعاني في حقّه تبارك وتعالى ممّا لازمه العجز أو الجهل ـ ، وأنّه لا وجه له (٣) ، فإنّ المستحيل إنّما هو الحقيقيّ منها ، لا الإنشائيّ الإيقاعيّ الّذي يكون بمجرّد قصد حصوله بالصيغة ـ كما عرفت ـ. ففي كلامه تعالى قد استعملت في معانيها الإيقاعيّة الإنشائيّة أيضا ، لا لإظهار ثبوتها حقيقة ، بل لأمر آخر ـ حسبما تقتضيه الحال ـ من إظهار المحبّة (٤) أو الإنكار (٥) أو التقرير (٦) ... إلى غير ذلك.
ومنه ظهر أنّ ما ذكر من المعاني الكثيرة لصيغة الاستفهام ليس كما ينبغي أيضا.
__________________
ـ وذهب المحقّق العراقيّ إلى أنّها موضوعة للنسبة الإرساليّة والمحرّكيّة بين المبدأ والفاعل.
نهاية الأفكار ١ : ١٧٨ ـ ١٧٩.
واختار السيّد الإمام الخمينيّ أنّ الصيغة موضوعة للبعث والإغراء. مناهج الوصول ١ : ٢٤٣ ـ ٢٤٥.
وذهب السيّد المحقّق الخوئيّ إلى أنّها موضوعة للدلالة على إبراز الأمر الاعتباريّ النفسانيّ في الخارج ـ أي اعتبار الفعل على ذمّة المكلّف في الخارج ـ. محاضرات في اصول الفقه ٢ : ١٢٢ ـ ١٢٣.
(١) هكذا في النسخ. والأولى تذكير الضمير ، كي يرجع إلى «ثبوت».
(٢) تعليل للالتزام بالانسلاخ.
(٣) تأكيد لقوله : «فلا وجه للالتزام ...».
(٤) كقوله تعالى : ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ المائدة / ١٠٠. فاستعمل «لعلّ» في معناه الإيقاعيّ لإظهار محبّة فلاح المؤمنين.
(٥) كقوله تعالى : ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ.﴾ النمل / ٦٠ ـ ٦٤.
(٦) كقوله تعالى : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ.﴾ الشرح / ١.