درس کفایة الاصول - بخش اول (فشرده)

جلسه ۱۸: جلسه ۱۸

 

المبحث الثاني

[الصيغة حقيقة في الوجوب]

في أنّ الصيغة حقيقة في الوجوب أو في الندب أو فيهما (١) أو في المشترك بينهما (٢) وجوه ، بل أقوال (٣).

__________________

(١) على نحو الاشتراك اللفظيّ.

(٢) على نحو الاشتراك المعنويّ.

(٣) لا يخفى : أنّ استفادة الوجوب من صيغة الأمر ممّا لا إشكال فيه ، وكأنّه من المتّفق عليه بين المصنّف وكثير ممّن تقدّم عليه أو تأخّر عنه. وإنّما الكلام في طريق استفادته من الصيغة.

وفيه وجوه :

الأوّل : ما ذهب إليه صاحبا القوانين والمعالم من أنّ الوجوب يستفاد من صيغة الأمر بالوضع ، لكونها موضوعة للطلب الوجوبيّ ، فتكون الصيغة حقيقة في الوجوب ومجازا في غيره. قوانين الاصول ١ : ٨٣ ، ومعالم الدين : ٤٦.

وهذا مختار المصنّف في المقام. واستدلّ عليه بأنّ المتبادر من الصيغة عند استعمالها بلا قرينة هو الوجوب ، والتبادر علامة الحقيقة. ثمّ أيّده بقيام السيرة العقلائيّة على ذمّ الموالى عبيدهم عند مخالفتهم لامتثال أوامرهم.

ولكن يرد عليه ما يأتي في التعليقات الآتية.

الثاني : ما ذهب إليه المحقّق العراقيّ من أنّ الوجوب يستفاد من إطلاق الصيغة بمقدّمات الحكمة ، لا من نفس الصيغة بالوضع.

بيان ذلك : أنّ الإرادة المتعلّقة بفعل الغير تختلف شدّة وضعفا حسب اختلاف المصالح الداعية إلى ذلك ؛ فالإرادة قد تكون شديدة بحيث لم يرتض المولى إلّا بتحقّق المراد ، وقد تكون ضعيفة بحيث لا يمنع المولى عبده من التخلّف ، بل له أن يفعل وأن لا يفعل. والاولى تسمّى : «الإرادة الوجوبيّة» ، والثانية تسمّى : «الإرادة الاستحبابيّة».

ولا شكّ أنّ الإرادة الوجوبيّة هي الإرادة التامّة الّتي لا ضعف فيها ولا نقصان ، بخلاف الإرادة الاستحبابيّة ، فإنّها محدودة بحدّ النقص والضعف. ومعلوم أنّ صفة الشدّة في الإرادة ليست أمرا زائدا على الإرادة ، بل شدّة الإرادة إرادة بحيث كان ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز ؛ بخلاف صفة النقص فيها ، فإنّها حدّ عدميّ زائد على الإرادة ويحتاج بيانها إلى مئونة زائدة.

فإذا أمر المولى بشىء وكان في مقام البيان ولم ينصب قرينة على الوجوب أو الندب أو الجامع فيحمل الأمر على الإرادة الشديدة الّتي لا يحتاج بيانها إلى مئونة زائدة ، وهي ـ

لا يبعد تبادر الوجوب عند استعمالها بلا قرينة (١).

ويؤيّده عدم صحّة الاعتذار عن المخالفة باحتمال إرادة الندب مع الاعتراف بعدم دلالته (٢) عليه بحال أو مقال (٣).

وكثرة الاستعمال فيه (٤) في الكتاب والسنّة وغيرهما لا يوجب نقله إليه أو حمله عليه ، لكثرة استعماله في الوجوب أيضا ؛ مع أنّ الاستعمال وإن كثر فيه إلّا أنّه كان مع القرينة المصحوبة ، وكثرة الاستعمال كذلك في المعنى المجازيّ لا يوجب صيرورته مشهورا فيه ليرجّح أو يتوقّف (٥) ـ على الخلاف في المجاز المشهور ـ. كيف! وقد كثر استعمال العامّ في الخاصّ حتّى قيل : «ما من عامّ إلّا

__________________

ـ الوجوب. بدائع الأفكار (المحقّق العراقيّ) ١ : ١٩٧.

ولكن أورد عليه المحقّق النائينيّ والسيّدان العلمان ـ الإمام الخمينيّ والمحقّق الخوئيّ ـ من جهات. فراجع أجود التقريرات ١ : ٩٥ ، فوائد الاصول ١ : ١٣٥ ، مناهج الوصول ١ : ٢٥٣ ـ ٢٥٤ ، المحاضرات ٢ : ١٢٧ ـ ١٣٠.

الثالث : ما ذهب إليه المحقّق النائينيّ وتبعه السيّدان العلمان ـ الإمام الخمينيّ والمحقّق الخوئيّ ـ. وهو أنّ الوجوب لا يستفاد من صيغة الأمر ، لا بالوضع ولا بالإطلاق ، بل يستفاد من حكم العقل بالوجوب بمقتضى قانون العبوديّة والمولويّة ما لم يرخّص نفس المولى بالترك ، فالعقل يحكم بأنّ وظيفة العبوديّة والمولويّة تقتضي لزوم المبادرة على العبد نحو امتثال ما أمره به المولى. راجع أجود التقريرات ١ : ٩٥ ، مناهج الوصول ١ : ٢٥٦ ، المحاضرات ٢ : ١٣٠ ـ ١٣١.

(١) ويرد عليه : أنّ التبادر ليس علامة للحقيقة ، كما مرّ. ولو سلّم فهو يكون علامة للحقيقة إذا كان مستندا إلى حاقّ اللفظ ، وفيما نحن فيه لا نعلم استناده إلى حاقّ اللفظ ، بل يحتمل استناده إلى الإطلاق أو حكم العقل.

ولعلّه قال المصنّف : «لا يبعد تبادر الوجوب» ، ولم يقل : «لتبادر الوجوب».

(٢) هكذا في النسخ. ولكن الصحيح «بعدم دلالتها» ، فإنّ الضمير يرجع إلى الصيغة.

(٣) ويرد عليه : أنّه لا يدلّ على كون الوجوب مدلولا وضعيّا للصيغة ، بل لعلّه لحكم العقل بذلك أو للإطلاق. ولعلّه قال : «ويؤيّده» ، ولم يقل : «ويدلّ عليه».

(٤) أي : في الندب.

(٥) أي : ليرجّح المعنى المجازيّ أو يتوقّف حتّى ينهض دليل على المراد.

وقد خصّ» ، ولم ينثلم به ظهوره في العموم ، بل يحمل عليه ما لم تقم قرينة بالخصوص على إرادة الخصوص (١).

المبحث الثالث

[الجمل الخبريّة المستعملة في مقام الطلب ظاهرة في الوجوب]

هل الجمل الخبريّة الّتي تستعمل في مقام الطلب والبعث ـ مثل «يغتسل» و «يتوضّأ» و «يعيد» ـ ظاهرة في الوجوب ، أو لا ـ لتعدّد (٢) المجازات فيها ، وليس الوجوب بأقواها بعد تعذّر حملها على معناها من الإخبار بثبوت النسبة والحكاية عن وقوعها ـ؟

الظاهر الأوّل ، بل تكون أظهر من الصيغة ؛ ولكنّه لا يخفى أنّه ليست الجمل الخبريّة الواقعة في ذلك المقام ـ أي الطلب ـ مستعملة في غير معناها ، بل تكون مستعملة فيه (٣) ، إلّا أنّه ليس بداعي الإعلام ، بل بداعي البعث بنحو آكد ، حيث إنّه أخبر بوقوع مطلوبه في مقام طلبه إظهارا بأنّه لا يرضى إلّا بوقوعه ، فتكون آكد في البعث من الصيغة ، كما هو الحال في الصيغ الإنشائيّة ـ على ما عرفت من أنّها أبدا تستعمل في معانيها الإيقاعيّة لكن بدواع أخر ـ ، كما مرّ.

لا يقال : كيف ويلزم الكذب كثيرا ، لكثرة عدم وقوع المطلوب كذلك في الخارج ، تعالى الله وأولياؤه عن ذلك علوّا كبيرا.

__________________

(١) والحاصل : أنّ العامّ ـ الّذي حقيقة في العموم ـ كثيرا ما يستعمل في الخاصّ مجازا ، ولكن كثرة استعماله في المجاز لا يوجب ظهور العامّ في الخاصّ.

ولا يخفى عليك : أنّ ذلك ينافي ما يأتي منه في مبحث العامّ والخاصّ من أنّ اشتهار التخصيص لا يوجب كثرة المجاز ، لعدم الملازمة بين التخصيص والمجازيّة ، لأنّه لا يلزم من التخصيص كون العامّ مجازا ، بل هو دائما استعمل في معناه العامّ ، سواء أورد عليه التخصيص أم لا.

(٢) تعليل لقوله : «أو لا».

(٣) أي : في معناه الموضوع له ، وهو ثبوت النسبة.

فإنّه يقال : إنّما يلزم الكذب إذا أتى بها بداعي الإخبار والإعلام ، لا بداعي (١) البعث. كيف! وإلّا يلزم الكذب في غالب الكنايات ، فمثل «زيد كثير الرماد ، أو مهزول الفصيل» لا يكون كذبا إذا قيل كناية عن جوده ولو لم يكن له رماد أو فصيل أصلا ، وإنّما يكون كذبا إذا لم يكن بجواد ، فيكون الطلب بالخبر في مقام التأكيد أبلغ ، فإنّه مقال بمقتضى الحال.

هذا مع أنّه إذا أتى بها في مقام البيان فمقدّمات الحكمة مقتضية لحملها على الوجوب ، فإنّ تلك النكتة (٢) إن لم تكن موجبة لظهورها فيه (٣) فلا أقلّ من كونها موجبة لتعيّنه من بين محتملات ما هو بصدده ، فإنّ شدّة مناسبة الإخبار بالوقوع مع الوجوب موجبة لتعيّن إرادته إذا كان بصدد البيان مع عدم نصب قرينة خاصّة على غيره ، فافهم (٤).

المبحث الرابع

[ظهور صيغة الأمر في الوجوب]

إنّه إذا سلّم أنّ الصيغة لا تكون حقيقة في الوجوب هل لا تكون ظاهرة فيه أيضا ، أو تكون؟

قيل بظهورها فيه ، إمّا لغلبة الاستعمال فيه ، أو لغلبة وجوده ، أو أكمليّته (٥).

والكلّ كما ترى ، ضرورة أنّ الاستعمال في الندب وكذا وجوده ليس بأقلّ

__________________

(١) وفي بعض النسخ : «لداعي». ولكن الصحيح ما أثبتناه ، بل هو الظاهر من النسخة الأصليّة.

(٢) وهي دلالة الجملة الخبريّة على وقوع المطلوب في الخارج في مقام الطلب.

(٣) أي : في الوجوب.

(٤) لعلّه إشارة إلى أنّ ما ذكره مجرّد استحسان. وذلك لا يكفي في إثبات الوجوب ، بل يمكن أن يقال : أنّ النكتة المذكورة ـ أي الإخبار بالوقوع ـ انّما تكشف عن إرادة وقوع الفعل ، لا عن إرادته بنحو لا يرضى بتركه.

(٥) هذا ما ذهب إليه الشيخ محمّد تقيّ الاصفهانيّ في هداية المسترشدين : ١٣٩.

لو لم يكن بأكثر (١) ؛ وأمّا الأكمليّة فغير موجبة للظهور ، إذ الظهور لا يكاد يكون إلّا لشدّة انس اللفظ بالمعنى بحيث يصير وجها له ، ومجرّد الأكمليّة لا يوجبه ، كما لا يخفى.

نعم ، فيما كان الآمر بصدد البيان فقضيّة مقدّمات الحكمة هو الحمل على الوجوب ، فإنّ الندب كأنّه يحتاج إلى مئونة بيان التحديد والتقييد بعدم المنع من الترك ، بخلاف الوجوب ، فإنّه لا تحديد فيه للطلب ولا تقييد ، فإطلاق اللفظ وعدم تقييده مع كون المطلق في مقام البيان كاف في بيانه (٢) ، فافهم (٣).

المبحث الخامس

[ما تقتضيه الصيغة من التوصّليّة أو التعبّديّة]

إنّ إطلاق الصيغة هل يقتضي كون الوجوب توصّليّا ـ فيجزئ إتيانه مطلقا ولو بدون قصد القربة ـ أو لا ـ فلا بدّ من الرجوع فيما شكّ في تعبّديّته وتوصّليّته إلى الأصل ـ؟ (٤)

__________________

(١) أي : ليس بأقلّ من استعمالها في الوجوب ، وليس بأقلّ من وجود الوجوب لو لم يكن بأكثر.

(٢) مرّ توضيحه في التعليقة (٣) من الصفحة : ١٣٤

(٣) لعلّه إشارة إلى ما أورد عليه المحقّق النائينيّ والسيّدان العلمان ـ الخوئيّ والخمينيّ ـ ، كما مرّت الإشارة إليه في التعليقة (٣) من الصفحة : ١٣٤.

وقال المحقّق الاصفهانيّ ـ بعد توضيح كلام المصنّف ـ : «هذا التقريب دقيق ، ومثله غير قابل للاتّكال عليه عند التحقيق ، فهو نظير إطلاق الوجود وإرادة الواجب نظرا إلى أنّه صرف الوجود الّذي لا يشوبه العدم ، فكما لا يمكن الاتّكال عليه في المحاورات العرفيّة فكذلك فيما نحن فيه ، ولعلّه قدس‌سره أشار عليه بقوله : (فافهم).». نهاية الدراية ١ : ٢٢٤.

(٤) وقع الكلام في أنّ التعبّديّة والتوصليّة هل هما من صفات الوجوب أو من صفات الواجب؟

وهل يكون مورد البحث إطلاق الصيغة أو إطلاق المادّة؟

ذهب المصنّف إلى الأوّل.

ولكن أورد عليه تلميذه المحقّق الاصفهانيّ بأنّ الفرق بين التعبّديّ والتوصّلي في الغرض من الواجب ، لا الغرض من الوجوب ، إذ الوجوب ـ ولو في التوصّلي ـ لا يكون إلّا لأن يكون داعيا للمكلّف إلى ما تعلّق به. فالوجوب التوصّلي لا يغاير الوجوب التعبّدي أصلا ، ـ

لا بدّ في تحقيق ذلك من تمهيد مقدّمات :

إحداها : [في بيان الوجوب التوصّليّ والتعبّديّ]

الوجوب التوصّليّ هو ما كان الغرض منه يحصل بمجرّد حصول الواجب ، ويسقط بمجرّد وجوده ؛ بخلاف التعبّديّ ، فإنّ الغرض منه لا يكاد يحصل بذلك ، بل لا بدّ في سقوطه وحصول غرضه من الإتيان به متقرّبا به منه تعالى (١).

ثانيها (٢) : [في امتناع أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر]

إنّ التقرّب المعتبر في التعبّديّ إن كان بمعنى قصد الامتثال والإتيان بالواجب بداعي أمره ، كان ممّا يعتبر في الطاعة عقلا ، لا ممّا اخذ في نفس العبادة شرعا. وذلك لاستحالة أخذ ما لا يكاد يتأتّى إلّا من قبل الأمر بشيء في متعلّق

__________________

ـ حتّى بلحاظ الغرض الباعث للإيجاب. والإطلاق المدّعى في المقام هو إطلاق المادّة دون إطلاق الوجوب والصيغة. فلا وجه لجعل هذا البحث من مباحث الصيغة. نهاية الدراية ١ : ٢٢٤.

ويمكن أن يقال : أنّ الوجوب وإن كان داعيا للمكلّف إلى ما تعلّق به ، لكنّه ليس الغرض من الوجوب ، بل الغرض منه هو حصول المصلحة الموجودة في ما تعلّق به ، كما أنّ الغرض من التحريم هو عدم حصول المفسدة الموجودة في ما تعلّق به النهي ـ بناء على ما عليه مشهور العدليّة من قيام المصالح والمفاسد بمتعلّقات التكاليف ـ. فيبحث عن أنّ المصلحة هل تحصل بمجرّد وجود ما تعلّق به الوجوب أو لا يكاد يحصل إلّا بالإتيان به متقرّبا إلى الله؟ فيرجع البحث إلى أنّ الغرض من الوجوب هل يحصل بمجرّد فعل الواجب ولو بدون قصد القربة أو لا يحصل إلّا بإتيانه متقرّبا إلى الله؟ فالتعبّديّة والتوصليّة وإن كانتا وصفان للواجب حقيقة ـ لأنّ التوصّليّة عبارة عن كون ما تعلّق به الوجوب محصّلا للغرض من الوجوب بمجرّد وجوده ، والتعبّدية عبارة عن كون ما تعلّق به الوجوب محصّلا للغرض فيما إذا اتي به متقرّبا إلى الله ـ إلّا أنّه غير أجنبيّ عن الوجوب. ولعلّه ذكره المصنّف في المقام. وإن كان الأولى أن يقال : «إنّ إطلاق الواجب هل يقتضي كونه توصّليّا أو لا؟».

(١) ولا يخفى : أنّ لهم في تفسير التعبّديّ والتوصليّ عبارات مختلفة ، لا يهمّنا التعرّض لها في المقام. وإن شئت فراجع فوائد الاصول ١ : ١٣٧ ـ ١٣٨ ، نهاية الأفكار ١ : ١٣٨ ، المحاضرات ٢ : ١٣٩ ـ ١٤٠ ، مناهج الوصول ١ : ٢٥٨ ـ ٢٥٩.

(٢) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «ثانيتها».

ذاك الأمر مطلقا ـ شرطا أو شطرا ـ (١). فما لم تكن نفس الصّلاة متعلّقة للأمر لا يكاد يمكن إتيانها بقصد امتثال أمرها (٢).

وتوهّم إمكان تعلّق الأمر بفعل الصلاة بداعي الأمر ، وإمكان الإتيان بها بهذا الداعي ـ ضرورة إمكان تصوّر الآمر لها (٣) مقيّدة (٤) ، والتمكّن من إتيانها كذلك بعد

__________________

(١) أوّل من قال باستحالة أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر هو الشيخ الأنصاريّ في مطارح الأنظار : ٦٠. وتبعه في ذلك أكثر من تأخّر عنه.

(٢) والحاصل : أنّ أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر مستلزم لمحذورين :

الأوّل : ما أشار إليه المصنّف بقوله : «لاستحالة أخذ ما ...». وحاصله : أنّ متعلّق الأمر سابق على نفس الأمر رتبة ، لأنّه معروض الأمر ، والمعروض مقدّم على عارضه رتبة. فالأمر متأخّر عن المتعلّق ، وقصد الأمر متأخّر عن نفس الأمر ـ ضرورة أنّه ما لم يتحقّق أمر لا يمكن قصد ذلك الأمر ـ ، فلا يمكن أن يكون قصد الأمر مأخوذا في المتعلّق الّذي هو متقدّم على الأمر ، والّا لزم الخلف أو الدور.

وببيان آخر : إنّ قصد الأمر متوقّف على الأمر قبله ، فلو كان الأمر متوقّفا على قصد الأمر ـ لكونه دخيلا في المتعلّق الّذي يتوقّف عليه الأمر ـ يلزم الدور ، وهو محال. فإذا قصد القربة محال في مقام التشريع.

الثاني : ما أشار اليه بقوله : «فما لم تكن نفس الصلاة ...». وحاصله : أنّ الأمر انّما يتعلّق بما كان مقدورا للمكلّف ، وليس المقدور له إلّا الإتيان بنفس متعلّق الأمر ـ أي الصلاة نفسها مثلا ـ. وأمّا الإتيان بمتعلّق الأمر بداعي أمره فلا يقدر عليه المكلّف إلّا إذا صدر أمرا آخر تعلّق بما تعلّق به الأمر الأوّل ، والمفروض فقدانه ، فالإتيان بمتعلّق الأمر بداعي أمره غير مقدور. فإذا أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر محال في مقام الامتثال ، كما كان محالا في مقام التشريع.

وممّا ذكرنا يظهر أنّه كان الأولى أن يقول : «ولأنّه ما لم تكن ...».

(٣) أي : للصلاة. وفي بعض النسخ : «تصوّر الأمر بها». وهذا أيضا صحيح.

(٤) أي : مقيّدة بداعي طبيعة الأمر.

وهذا دليل لقول المتوهّم : «إمكان تعلّق الأمر بفعل الصلاة بداعي الأمر» وجواب عن المحذور الأوّل. وحاصله : أنّ الأمر بالصلاة لا يتوقّف على وجود الصلاة في الخارج ، بل يكفي وجودها تصوّرا ، فيتعلّق الأمر بالصلاة المقيّدة بداعي طبيعة الأمر بعد تصوّرها. وأمّا داعي الأمر فهو متوقّف على الأمر بوجوده الخارجيّ ، لا التصوّري ، إذ يمكن تصوّر الداعي ولو لم يكن أمرا أصلا. فالموقوف عليه الأمر غير الموقوف على الأمر ، لأنّ الّذي يتوقّف عليه الأمر هو قصد الأمر بوجوده التصوّري والّذي يتوقّف على الأمر هو قصد الأمر بوجوده الخارجيّ ، فلا دور.