درس کفایة الاصول - بخش اول (فشرده)

جلسه ۱۹: جلسه ۱۹

 

لا بدّ في تحقيق ذلك من تمهيد مقدّمات :

إحداها : [في بيان الوجوب التوصّليّ والتعبّديّ]

الوجوب التوصّليّ هو ما كان الغرض منه يحصل بمجرّد حصول الواجب ، ويسقط بمجرّد وجوده ؛ بخلاف التعبّديّ ، فإنّ الغرض منه لا يكاد يحصل بذلك ، بل لا بدّ في سقوطه وحصول غرضه من الإتيان به متقرّبا به منه تعالى (١).

ثانيها (٢) : [في امتناع أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر]

إنّ التقرّب المعتبر في التعبّديّ إن كان بمعنى قصد الامتثال والإتيان بالواجب بداعي أمره ، كان ممّا يعتبر في الطاعة عقلا ، لا ممّا اخذ في نفس العبادة شرعا. وذلك لاستحالة أخذ ما لا يكاد يتأتّى إلّا من قبل الأمر بشيء في متعلّق

__________________

ـ حتّى بلحاظ الغرض الباعث للإيجاب. والإطلاق المدّعى في المقام هو إطلاق المادّة دون إطلاق الوجوب والصيغة. فلا وجه لجعل هذا البحث من مباحث الصيغة. نهاية الدراية ١ : ٢٢٤.

ويمكن أن يقال : أنّ الوجوب وإن كان داعيا للمكلّف إلى ما تعلّق به ، لكنّه ليس الغرض من الوجوب ، بل الغرض منه هو حصول المصلحة الموجودة في ما تعلّق به ، كما أنّ الغرض من التحريم هو عدم حصول المفسدة الموجودة في ما تعلّق به النهي ـ بناء على ما عليه مشهور العدليّة من قيام المصالح والمفاسد بمتعلّقات التكاليف ـ. فيبحث عن أنّ المصلحة هل تحصل بمجرّد وجود ما تعلّق به الوجوب أو لا يكاد يحصل إلّا بالإتيان به متقرّبا إلى الله؟ فيرجع البحث إلى أنّ الغرض من الوجوب هل يحصل بمجرّد فعل الواجب ولو بدون قصد القربة أو لا يحصل إلّا بإتيانه متقرّبا إلى الله؟ فالتعبّديّة والتوصليّة وإن كانتا وصفان للواجب حقيقة ـ لأنّ التوصّليّة عبارة عن كون ما تعلّق به الوجوب محصّلا للغرض من الوجوب بمجرّد وجوده ، والتعبّدية عبارة عن كون ما تعلّق به الوجوب محصّلا للغرض فيما إذا اتي به متقرّبا إلى الله ـ إلّا أنّه غير أجنبيّ عن الوجوب. ولعلّه ذكره المصنّف في المقام. وإن كان الأولى أن يقال : «إنّ إطلاق الواجب هل يقتضي كونه توصّليّا أو لا؟».

(١) ولا يخفى : أنّ لهم في تفسير التعبّديّ والتوصليّ عبارات مختلفة ، لا يهمّنا التعرّض لها في المقام. وإن شئت فراجع فوائد الاصول ١ : ١٣٧ ـ ١٣٨ ، نهاية الأفكار ١ : ١٣٨ ، المحاضرات ٢ : ١٣٩ ـ ١٤٠ ، مناهج الوصول ١ : ٢٥٨ ـ ٢٥٩.

(٢) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «ثانيتها».

ذاك الأمر مطلقا ـ شرطا أو شطرا ـ (١). فما لم تكن نفس الصّلاة متعلّقة للأمر لا يكاد يمكن إتيانها بقصد امتثال أمرها (٢).

وتوهّم إمكان تعلّق الأمر بفعل الصلاة بداعي الأمر ، وإمكان الإتيان بها بهذا الداعي ـ ضرورة إمكان تصوّر الآمر لها (٣) مقيّدة (٤) ، والتمكّن من إتيانها كذلك بعد

__________________

(١) أوّل من قال باستحالة أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر هو الشيخ الأنصاريّ في مطارح الأنظار : ٦٠. وتبعه في ذلك أكثر من تأخّر عنه.

(٢) والحاصل : أنّ أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر مستلزم لمحذورين :

الأوّل : ما أشار إليه المصنّف بقوله : «لاستحالة أخذ ما ...». وحاصله : أنّ متعلّق الأمر سابق على نفس الأمر رتبة ، لأنّه معروض الأمر ، والمعروض مقدّم على عارضه رتبة. فالأمر متأخّر عن المتعلّق ، وقصد الأمر متأخّر عن نفس الأمر ـ ضرورة أنّه ما لم يتحقّق أمر لا يمكن قصد ذلك الأمر ـ ، فلا يمكن أن يكون قصد الأمر مأخوذا في المتعلّق الّذي هو متقدّم على الأمر ، والّا لزم الخلف أو الدور.

وببيان آخر : إنّ قصد الأمر متوقّف على الأمر قبله ، فلو كان الأمر متوقّفا على قصد الأمر ـ لكونه دخيلا في المتعلّق الّذي يتوقّف عليه الأمر ـ يلزم الدور ، وهو محال. فإذا قصد القربة محال في مقام التشريع.

الثاني : ما أشار اليه بقوله : «فما لم تكن نفس الصلاة ...». وحاصله : أنّ الأمر انّما يتعلّق بما كان مقدورا للمكلّف ، وليس المقدور له إلّا الإتيان بنفس متعلّق الأمر ـ أي الصلاة نفسها مثلا ـ. وأمّا الإتيان بمتعلّق الأمر بداعي أمره فلا يقدر عليه المكلّف إلّا إذا صدر أمرا آخر تعلّق بما تعلّق به الأمر الأوّل ، والمفروض فقدانه ، فالإتيان بمتعلّق الأمر بداعي أمره غير مقدور. فإذا أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر محال في مقام الامتثال ، كما كان محالا في مقام التشريع.

وممّا ذكرنا يظهر أنّه كان الأولى أن يقول : «ولأنّه ما لم تكن ...».

(٣) أي : للصلاة. وفي بعض النسخ : «تصوّر الأمر بها». وهذا أيضا صحيح.

(٤) أي : مقيّدة بداعي طبيعة الأمر.

وهذا دليل لقول المتوهّم : «إمكان تعلّق الأمر بفعل الصلاة بداعي الأمر» وجواب عن المحذور الأوّل. وحاصله : أنّ الأمر بالصلاة لا يتوقّف على وجود الصلاة في الخارج ، بل يكفي وجودها تصوّرا ، فيتعلّق الأمر بالصلاة المقيّدة بداعي طبيعة الأمر بعد تصوّرها. وأمّا داعي الأمر فهو متوقّف على الأمر بوجوده الخارجيّ ، لا التصوّري ، إذ يمكن تصوّر الداعي ولو لم يكن أمرا أصلا. فالموقوف عليه الأمر غير الموقوف على الأمر ، لأنّ الّذي يتوقّف عليه الأمر هو قصد الأمر بوجوده التصوّري والّذي يتوقّف على الأمر هو قصد الأمر بوجوده الخارجيّ ، فلا دور.

تعلّق الأمر بها ، والمعتبر من القدرة المعتبرة عقلا في صحّة الأمر إنّما هو في حال الامتثال لا حال الأمر (١) ـ واضح الفساد ، ضرورة أنّه وإن كان تصوّرها كذلك (٢) بمكان من الإمكان ، إلّا أنّه لا يكاد يمكن الإتيان بها بداعي أمرها ، لعدم الأمر بها ، فإنّ الأمر حسب الفرض تعلّق بها مقيّدة بداعي الأمر (٣) ، ولا يكاد يدعو الأمر إلّا إلى ما تعلّق به ، لا إلى غيره.

إن قلت : نعم ، ولكن نفس الصلاة أيضا صارت مأمورا بها بالأمر بها مقيّدة.

قلت : كلّا ، لأنّ ذات المقيّد لا تكون مأمورا بها ، فإنّ الجزء التحليليّ العقليّ لا يتّصف بالوجوب أصلا ، فإنّه ليس إلّا وجود واحد واجب بالوجوب النفسيّ ، كما ربّما يأتي في باب المقدّمة (٤).

إن قلت : نعم ، لكنّه إذا اخذ قصد الامتثال شرطا ، وأمّا إذا اخذ شطرا فلا محالة نفس الفعل الّذي تعلّق الوجوب به مع هذا القصد يكون متعلّقا للوجوب ، إذ المركّب ليس إلّا نفس الأجزاء بالأسر ، ويكون تعلّقه بكلّ بعين تعلّقه بالكلّ ، ويصحّ أن يؤتى به بداعي ذاك الوجوب ، ضرورة صحّة الإتيان بأجزاء الواجب بداعي وجوبه (٥).

قلت : مع امتناع اعتباره كذلك ، فإنّه يوجب تعلّق الوجوب بأمر غير

__________________

(١) هذا دليل لقول المتوهّم : «وإمكان الإتيان بها بهذا الداعي» وجواب عن المحذور الثاني.

وحاصله : أنّ القدرة المعتبرة في التكليف هي القدرة على الفعل حين الامتثال ، والقدرة على قصد الأمر حاصلة في ظرف الامتثال ، لتحقّق الأمر ، فالقدرة على الفعل موجودة ويتمكّن المكلّف من إتيانه بداعي الأمر به.

(٢) أي : مقيّدة بداعي الأمر.

(٣) وهي غير مقدورة ، لتوقّفها على تعلّق الأمر بذات الصلاة حتّى يصحّ الإتيان بها بداعى أمرها.

(٤) يأتي في الصفحة : ١٩٦ من هذا الجزء ، حيث قال : «فلو نهض دليل على وجوبها فلا محالة يكون وجوبها نفسيّا ...».

(٥) فيقال : ذات الفعل جزء من الواجب ، وكلّ جزء من أجزائه يجوز إتيانه بداعي وجوب نفسه بالكلّ ، فذات الفعل يجوز إتيانها بداعي وجوب نفسه.

اختياريّ (١) ، فإنّ الفعل وإن كان بالإرادة اختياريّا إلّا أنّ إرادته ـ حيث لا تكون بإرادة اخرى وإلّا لتسلسلت ـ ليست باختياريّة ، كما لا يخفى ؛ إنّما يصحّ الإتيان بجزء الواجب بداعي وجوبه في ضمن إتيانه بهذا الداعي ، ولا يكاد يمكن الإتيان بالمركّب عن قصد الامتثال (٢) بداعي امتثال أمره (٣).

__________________

(١) وهو قصد القربة الّذي جزء آخر للمركّب الواجب ، فإنّ قصد الفعل تقرّبا هو إرادته كذلك ، والإرادة ليست بالاختيار ، وإلّا لزم التسلسل.

(٢) وهكذا في النسخ. والصحيح أن يقول «من قصد الامتثال».

(٣) توضيحه : أنّه لا يقدر المكلّف على الإتيان بالمأمور به ، فإنّ المركّب الارتباطيّ ـ كالصلاة ـ لا يمكن الإتيان بكلّ جزء منه على حدة ، بل انّما يصحّ الإتيان بكلّ جزء في ضمن الأجزاء الأخر ، فلا يمكن الإتيان بذات الفعل بداعي وجوب الكلّ ما لم ينضمّ إليه قصد الأمر ، وهو الجزء الآخر ، فيكون المأتي به هو الفعل بداعى الأمر المتعلّق بداعي الأمر ، وهو محال ، لأنّه يستلزم أن يكون الشيء علّة لنفسه. هذا ما أفاده المحقّق الاصفهانيّ توضيحا لكلام المصنّف.

ولكن أجاب عنه السيّدان العلمان ـ المحقّق الخوئيّ والإمام الخمينيّ ـ :

أمّا السيّد المحقّق الخوئيّ : فنسب المحذور إلى نفس المحقّق الاصفهانيّ ـ بعد حمل كلام المصنّف على معنى آخر ـ وأجاب عنه بما حاصله : أنّ الأمر بالمركّب من الفعل وقصد الامتثال ينحلّ إلى أمرين ضمنيّين : (أحدهما) يتعلّق بذات الصلاة ، و (الآخر) يتعلّق بقصد الامتثال ـ أي داعويّة هذا الأمر المتعلّق بذات الصلاة ـ. فيكون الأمر الضمنيّ المتعلّق بقصد الامتثال داعيا إلى الإتيان بالفعل بقصد أمره الضمنيّ المتعلّق بالفعل ، لا أنّه محرّك نحو محرّكيّة نفسه حتّى يلزم محذور علّيّة الشيء لعليّة نفسه. المحاضرات ٢ : ١٧٠ ـ ١٧١.

ولا يخفى عليك : أنّ المحقّق الاصفهانيّ لا يلتزم بداعويّة الأمر الضمنيّ وإن التزم بانحلال الأمر ؛ والمحقّق الخراسانيّ لم يلتزم بانحلاله أصلا. فما ذكره المحقّق الخوئيّ لا يرفع المحذور على مبناهما ، سواء نسب المحذور إلى المحقّق الخراسانيّ أو إلى المحقّق الاصفهانيّ.

وأمّا السيّد الإمام الخمينيّ : فأجاب عنه بقوله : «أنّ الأوامر الصادرة من الموالي ليس لها شأن إلّا إيقاع البعث وإنشاءه ، وليس معنى محرّكيّة الأمر وباعثيّته إلّا المحرّكيّة الإيقاعيّة والإنشائيّة ، من غير أن يكون له تأثير في بعث المكلّف تكوينا ، فما يكون محرّكا له هو إرادته الناشئة عن إدراك لزوم إطاعة المولى ، الناشئ من الخوف أو الطمع أو شكر نعمائه أو المعرفة بمقامه إلى غير ذلك ، فالأمر محقّق موضوع الطاعة لا أنّه المحرّك تكوينا.

فحينئذ نقول : إن اريد من كون الأمر محرّكا إلى محرّكيّة نفسه أنّ الإنشاء على هذا الأمر المقيّد موجب لذلك ، فهو ممنوع ؛ ضرورة جواز الإيقاع عليه كما اعترف به المستشكل. ـ

إن قلت : نعم ، لكن هذا كلّه إذا كان اعتباره في المأمور به بأمر واحد ، وأمّا إذا كان بأمرين تعلّق أحدهما بذات الفعل ، وثانيهما بإتيانه بداعي أمره فلا محذور أصلا كما لا يخفى (١) ، فللآمر أن يتوسّل بذلك في الوصلة إلى تمام غرضه ومقصده بلا شبهة (٢).

قلت : ـ مضافا إلى القطع بأنّه ليس في العبادات إلّا أمر واحد ، كغيرها من الواجبات والمستحبّات ، غاية الأمر يدور مدار الامتثال وجودا وعدما فيها المثوبات والعقوبات. بخلاف ما عداها ، فيدور فيه خصوص المثوبات ، وأمّا العقوبة فمترتّبة على ترك الطاعة ومطلق الموافقة ـ إنّ الأمر الأوّل إن كان يسقط بمجرّد موافقته ولو لم يقصد به الامتثال ـ كما هو قضيّة الأمر الثاني ـ فلا يبقى مجال لموافقة الثاني مع موافقة الأوّل بدون قصد امتثاله ، فلا يتوسّل الآمر إلى غرضه بهذه الحيلة والوسيلة ؛ وإن لم يكد يسقط بذلك ، فلا يكاد يكون له وجه إلّا عدم حصول غرضه بذلك من أمره ، لاستحالة سقوطه مع عدم حصوله ، وإلّا لما كان موجبا لحدوثه ، وعليه فلا حاجة في الوصول إلى غرضه إلى وسيلة تعدّد الأمر ، لاستقلال العقل ـ مع عدم حصول غرض الآمر بمجرّد موافقة الأمر ـ بوجوب الموافقة على نحو يحصل به غرضه فيسقط أمره (٣).

__________________

ـ وإن اريد منه أنّه يلزم أن يكون الأمر المحرّك للمكلّف تكوينا محرّكا إلى محرّكيّة نفسه كذلك ، فهو ممنوع أيضا ؛ لأنّ الأمر لا يكون محرّكا أصلا ، بل ليس له شأن إلّا إنشاء البعث على موضوع خاصّ ، فإن كان العبد مطيعا للمولى لحصول أحد المبادئ المتقدّمة في نفسه ورأى أنّ إطاعته لا تتحقّق إلّا بإتيان الصلاة المتقيّدة ، فلا محالة يأتي بها كذلك ، وهو أمر ممكن». مناهج الوصول ١ : ٢٦٦ ـ ٢٦٧.

(١) هكذا أفاد المحقّق الرشتيّ في بدائع الأفكار : ٣٣٥. زعما أنّه مراد الشيخ الأنصاريّ في التفصّي عن إشكال عباديّة الطهارات الثلاث. ولكن يأتي في مبحث مقدّمة الواجب أنّ الشيخ لم يلتزم بوجود الأمرين أصلا ، بل صرّح بأنّ الأمر بذات العمل مغن عن أمر آخر.

(٢) وفي بعض النسخ : «بلا منعة».

(٣) وقد استشكل فيه الأعلام الثلاثة :

أمّا المحقّق الاصفهانيّ : فأورد على كلا شقّي الترديد وادّعى امكان الالتزام بالشقّين من دون محذور : ـ

هذا كلّه إذا كان التقرّب المعتبر في العبادة بمعنى قصد الامتثال.

وأمّا إذا كان بمعنى الإتيان بالفعل بداعي حسنه أو كونه ذا مصلحة ، فاعتباره في متعلّق الأمر وإن كان بمكان من الإمكان (١) إلّا أنّه غير معتبر فيه قطعا ، لكفاية الاقتصار على قصد الامتثال الّذي عرفت عدم إمكان أخذه فيه بداهة (٢).

__________________

ـ أمّا الشقّ الأوّل : فلأنّ ذات الصلاة ـ مثلا ـ لها مصلحة ملزمة ، وللصلاة المأتي بها بداعي أمرها مصلحة ملزمة اخرى ، فبموافقة الأمر الأوّل تحصل المصلحة القائمة بذات الصلاة ويسقط ، ولكن حيث أنّ المصلحة القائمة بالمأتي به بداعي الامتثال الأمر الأوّل لازمة الاستيفاء فيبدّل الامتثال بامتثال آخر ويجب إعادة المأتيّ به بداعي الأمر الأوّل.

وأمّا الشقّ الثاني : فلأنّ الأمر الأوّل لا يسقط بمجرّد موافقته ، ولا يلزم لغويّة الأمر الثاني ، فإنّ لزوم الإتيان بقصد القربة إمّا من باب حكم العقل بلزوم الإتيان به بعنوانه ، وهو ممنوع ؛ أو من باب حكم العقل بلزوم الإتيان بما يحتمل دخله في الغرض ، وهو ممنوع أيضا ، لأنّه انّما يحكم بذلك فيما إذا لا يتمكّن الآمر من بيانه ولو بأمر آخر ، والمفروض أنّه يتمكّن من بيانه بالأمر الثاني. نهاية الدراية ١ : ٢٣٤ ـ ٢٣٧.

وأمّا المحقّق العراقيّ : فأورد على الشقّ الثاني بأنّ انتفاء قابليّة الأمر للداعويّة لا يستلزم امتناع ثبوته بعد تصوّر غرض آخر له ، كايضاح المأمور به للمكلّف ، فلا يكون الأمر الثاني لغوا. بدائع الأفكار ١ : ٢٣٢.

وأمّا المحقّق النائينيّ : فأورد على الشقّ الثاني بأنّ وظيفة العقل هي إدراك تعلّق إرادة الشارع بشيء وعدمه. وأمّا الآمريّة فليست من شئونه حتّى يكون شارعا في قبال الشارع ، فلا بدّ في حصول الغرض من تعدّد الأمر وكون الأمر الثاني داعيا إلى ما لا يدعو إليه الأمر الأوّل. وليس هذان الأمران عن ملاك يختصّ بكلّ واحد منهما حتّى يكون من قبيل الواجب في الواجب ، بل هناك ملاك واحد لا يمكن استيفاؤه بأمر واحد. ومن هنا اصطلحنا على الأمر الثاني ب «متمّم الجعل» ، ومعناه : تتميم الجعل الأوّلي الّذي لم يستوف تمام غرض المولى. أجود التقريرات ١ : ١١٦ ، وفوائد الاصول ١ : ١٦٢.

وبالجملة : فالأعلام ذهبوا إلى عدم الإشكال في أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر الثاني لو قلنا بتعدّد الأمر ، كما قال به الشيخ الأعظم الأنصاريّ.

(١) وخالفه المحقّق النائينيّ ، فذهب إلى امتناع أخذ سائر الدواعي القربيّة أيضا في متعلّق الأمر. راجع فوائد الاصول ١ : ٢٥١ ، أجود التقريرات ١ : ١٠٩.

(٢) وقد خالفه تلميذه المحقّق العراقيّ حيث ذهب في بدو الأمر إلى الامتناع ثمّ تفرّد بتحرير يفيد ـ بزعمه ـ إمكان أخذ قصد الامتثال في متعلّق الأمر. بدائع الأفكار ١ : ٢٣٢ ـ ٢٣٤. ـ

تأمّل فيما ذكرناه في المقام تعرف حقيقة المرام ، كيلا تقع فيما وقع فيه من الاشتباه بعض الأعلام.

ثالثها (١) : [في عدم صحّة الاستدلال بإطلاق الأمر على عدم اعتبار قصد القربة]

إنّه إذا عرفت بما لا مزيد عليه عدم إمكان أخذ قصد الامتثال في المأمور به أصلا ، فلا مجال للاستدلال بإطلاقه (٢) ـ ولو كان مسوقا في مقام البيان ـ على عدم اعتباره ، كما هو أوضح من أن يخفى ، فلا يكاد يصحّ التمسّك به إلّا فيما يمكن اعتباره فيه.

فانقدح بذلك أنّه لا وجه لاستظهار التوصّليّة من إطلاق الصيغة بمادّتها (٣) ، ولا لاستظهار عدم اعتبار مثل الوجه ممّا هو ناشئ من قبل الأمر من إطلاق المادّة في العبادة لو شكّ في اعتباره فيها.

نعم ، إذا كان الآمر في مقام بصدد بيان تمام ما له دخل في حصول غرضه وإن لم يكن له دخل في متعلّق أمره ، ومعه سكت في المقام ، ولم ينصب دلالة على دخل قصد الامتثال في حصوله ، كان هذا قرينة على عدم دخله في غرضه (٤) ، وإلّا لكان سكوته نقضا له وخلاف الحكمة.

__________________

ـ وخالفه أيضا السيّدان العلمان : الإمام الخمينيّ والسيّد الخوئيّ ، فذهبا إلى جواز أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر ولو لم نقل بتعدّد الأمر. فراجع مناهج الوصول ١ : ٢٦٠ ، والمحاضرات ٢ : ١٧٢.

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «ثالثتها».

(٢) أي : إطلاق الأمر.

(٣) لعلّه تعريض بالشيخ الأعظم الأنصاريّ ، حيث قال ـ على ما في تقريرات بحثه ـ : «فالحقّ الحقيق بالتصديق هو أنّ ظاهر الأمر يقتضى التوصّليّة ...». مطارح الأنظار : ٦١.

ولكن لا يخفى : أنّه لا بدّ من حمل كلام الشيخ على الإطلاق المقامي ، ضرورة أنّه أنكر التمسّك بالإطلاق اللفظيّ لإثبات التوصّليّة ، فاستظهاره في المقام أجنبيّ عن مورد البحث.

نعم ، ذهب السيّد المحقّق الخوئيّ والسيّد الإمام الخمينيّ إلى أصالة التوصليّة تمسّكا بإطلاق الصيغة. راجع المحاضرات ٢ : ١٧٢ ، ومناهج الوصول ١ : ٢٧٤.

(٤) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «في حصول غرضه».