درس کفایة الاصول - بخش اول (فشرده)

جلسه ۲۰: جلسه ۲۰

 

تأمّل فيما ذكرناه في المقام تعرف حقيقة المرام ، كيلا تقع فيما وقع فيه من الاشتباه بعض الأعلام.

ثالثها (١) : [في عدم صحّة الاستدلال بإطلاق الأمر على عدم اعتبار قصد القربة]

إنّه إذا عرفت بما لا مزيد عليه عدم إمكان أخذ قصد الامتثال في المأمور به أصلا ، فلا مجال للاستدلال بإطلاقه (٢) ـ ولو كان مسوقا في مقام البيان ـ على عدم اعتباره ، كما هو أوضح من أن يخفى ، فلا يكاد يصحّ التمسّك به إلّا فيما يمكن اعتباره فيه.

فانقدح بذلك أنّه لا وجه لاستظهار التوصّليّة من إطلاق الصيغة بمادّتها (٣) ، ولا لاستظهار عدم اعتبار مثل الوجه ممّا هو ناشئ من قبل الأمر من إطلاق المادّة في العبادة لو شكّ في اعتباره فيها.

نعم ، إذا كان الآمر في مقام بصدد بيان تمام ما له دخل في حصول غرضه وإن لم يكن له دخل في متعلّق أمره ، ومعه سكت في المقام ، ولم ينصب دلالة على دخل قصد الامتثال في حصوله ، كان هذا قرينة على عدم دخله في غرضه (٤) ، وإلّا لكان سكوته نقضا له وخلاف الحكمة.

__________________

ـ وخالفه أيضا السيّدان العلمان : الإمام الخمينيّ والسيّد الخوئيّ ، فذهبا إلى جواز أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر ولو لم نقل بتعدّد الأمر. فراجع مناهج الوصول ١ : ٢٦٠ ، والمحاضرات ٢ : ١٧٢.

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «ثالثتها».

(٢) أي : إطلاق الأمر.

(٣) لعلّه تعريض بالشيخ الأعظم الأنصاريّ ، حيث قال ـ على ما في تقريرات بحثه ـ : «فالحقّ الحقيق بالتصديق هو أنّ ظاهر الأمر يقتضى التوصّليّة ...». مطارح الأنظار : ٦١.

ولكن لا يخفى : أنّه لا بدّ من حمل كلام الشيخ على الإطلاق المقامي ، ضرورة أنّه أنكر التمسّك بالإطلاق اللفظيّ لإثبات التوصّليّة ، فاستظهاره في المقام أجنبيّ عن مورد البحث.

نعم ، ذهب السيّد المحقّق الخوئيّ والسيّد الإمام الخمينيّ إلى أصالة التوصليّة تمسّكا بإطلاق الصيغة. راجع المحاضرات ٢ : ١٧٢ ، ومناهج الوصول ١ : ٢٧٤.

(٤) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «في حصول غرضه».

[مقتضى الاصول العمليّة]

فلا بدّ عند الشكّ (١) وعدم إحراز هذا المقام (٢) من الرجوع إلى ما يقتضيه الأصل ، ويستقلّ به العقل.

فاعلم : أنّه لا مجال هاهنا إلّا لأصالة الاشتغال ـ ولو قيل بأصالة البراءة فيما إذا دار الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين ـ. وذلك لأن الشّك هاهنا في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم ، مع استقلال العقل بلزوم الخروج عنها ، فلا يكون العقاب مع الشكّ وعدم إحراز الخروج عقابا بلا بيان والمؤاخذة عليه بلا برهان (٣) ، ضرورة أنّه بالعلم بالتكليف تصحّ المؤاخذة على المخالفة وعدم الخروج عن العهدة لو اتّفق عدم الخروج عنها بمجرّد الموافقة بلا قصد القربة. وهكذا الحال في كلّ ما شكّ دخله في الطاعة والخروج به عن العهدة ممّا لا يمكن اعتباره في المأمور به ، كالوجه والتمييز (٤).

__________________

(١) أي : الشكّ في دخل شيء في متعلّق الأمر ، كقصد القربة ، حيث يمتنع أخذه في متعلّق الأمر ، فلا إطلاق حتّى يتمسّك به في اثبات عدم دخله.

(٢) أي : كون الآمر بصدد بيان تمام ما له دخل في حصول غرضه.

(٣) أي : ولا تكون المؤاخذة عليه مؤاخذة بلا برهان.

(٤) لا يخفى : أنّ دعوى المصنّف في المبحث الخامس مركّب من دعاو خمسة :

الاولى : امتناع أخذ قصد الامتثال في متعلّق الأمر لو كان الأمر واحدا.

الثانية : امتناع أخذ قصد الامتثال في متعلّق الأمر ولو كان الأمر متعدّدا.

الثالثة : أنّ الأصل هو التوصليّة فيما إذا احرز أنّ الآمر يكون في مقام بيان تمام ما له دخل في حصول غرضه.

الرابعة : أنّ المجرى فيما إذا دار الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين هو البراءة الشرعيّة.

الخامسة : أنّه لو شكّ في دخل شيء في متعلّق الأمر ممّا يمتنع أخذه فيه ، ولم يحرز كون الآمر بصدد بيان تمام ما له دخل في غرضه ، فليس في كلامه إطلاق ، لا الإطلاق المقاليّ ولا المقاميّ ، فلا بدّ من الرجوع إلى ما يقتضيه الأصل العمليّ ، وهو أصالة الاشتغال.

ولكن خالفه في هذه الدعاوي أكثر من تأخّر عنه.

أمّا الدعوى الاولى : فخالفه السيّدان العلمان ـ الإمام الخمينيّ والمحقّق الخوئيّ ـ.

مناهج الوصول ١ : ٢٧٤ ، المحاضرات ٢ : ١٧٧. ـ

نعم ، يمكن أن يقال : إنّ كلّ ما يحتمل بدوا دخله في امتثال أمر وكان (١) ممّا تغفل عنه غالبا العامّة ، كان على الآمر بيانه ونصب قرينة على دخله واقعا ، وإلّا لأخلّ بما هو همّه وغرضه. أمّا إذا لم ينصب دلالة على دخله كشف عن عدم دخله. وبذلك يمكن القطع بعدم دخل الوجه والتميّز (٢) في الطاعة بالعبادة ، حيث ليس منهما عين ولا أثر في الأخبار والآثار ، وكانا ممّا تغفل عنه العامّة ، وإن احتمل اعتباره (٣) بعض الخاصّة (٤) ، فتدبّر جيّدا.

ثمّ إنّه لا أظنّك أن تتوهّم وتقول : «إنّ أدلّة البراءة الشرعيّة (٥) مقتضية لعدم الاعتبار ، وإن كان قضيّة الاشتغال عقلا هو الاعتبار (٦)» ؛ لوضوح أنّه لا بدّ في عمومها من شيء قابل للرفع والوضع شرعا ، وليس هاهنا ، فإنّ دخل قصد القربة ونحوها في الغرض ليس بشرعيّ ، بل واقعيّ. ودخل الجزء والشرط فيه وإن كان

__________________

ـ وأمّا الثانية : فخالفه الأعلام الثلاثة ، فراجع نهاية الدراية ١ : ٢٣٤ ـ ٢٣٧ ، بدائع الأفكار (للمحقّق العراقيّ) ١ : ٢٣٢ ، فوائد الاصول ١ : ١٦٢.

وأمّا الرابعة : فهي الموافق للمشهور. وخالفه فيها المحقّق الاصفهانيّ ، فقال : «يمكن القول بالبراءة هنا ، وإن قلنا بالاحتياط في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين». نهاية الدراية ١ : ٢٤٤.

وأمّا الخامسة : فهي توافق ما رامه الشيخ الأعظم الأنصاريّ على ما في مطارح الأنظار : ٦١. ولكن خالفه المحقّق الحائريّ والأعلام الثلاثة والسيّدان العلمان. فراجع درر الفوائد ١ : ٦٨ نهاية الدراية ١ : ٢٤٤ ، فوائد الاصول ١ : ١٦٨ ، نهاية الأفكار ١ : ٢٠٢ ، المحاضرات ٢ : ١٩٣ ، مناهج الوصول ١ : ٢٧٨.

وعلى المتتبّع أن يرجع كلماتهم حتّى يظهر اختلافهم في هذا المقال تفصيلا وإطلاقا.

(١) هكذا في النسخة المطبوعة ـ بالطبع الحجريّ ـ المذيّلة بحاشية العلّامة المشكينيّ ، وهو الصحيح.

وفي بعض النسخ المخطوطة : «كلّ ما ربّما يحتمل بدوا دخله في الامتثال أمرا كان ...» ، وهو غلط.

(٢) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «التمييز».

(٣) أي : اعتبار الوجه والتمييز. والإفراد باعتبار رجوعه إلى «ما».

(٤) وهو بعض المتكلّمين والفقهاء. لاحظ جواهر الكلام ٩ : ١٦٠ ـ ١٦٣.

(٥) كقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «رفع ما لا يعلمون» و «الناس في سعة ما لا يعلمون».

(٦) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «وإن كانت قضيّة الاشتغال عقلا هي الاعتبار».

كذلك (١) إلّا أنّهما قابلان للوضع والرفع شرعا. فبدليل الرفع ـ ولو كان أصلا ـ يكشف أنّه ليس هناك أمر فعليّ بما يعتبر فيه المشكوك يجب الخروج عن عهدته عقلا ، بخلاف المقام ، فإنّه علم بثبوت الأمر الفعليّ (٢) ، كما عرفت (٣) ، فافهم.

المبحث السادس

[مقتضى إطلاق الصيغة هو الوجوب النفسيّ التعيينيّ العينيّ]

قضيّة إطلاق الصيغة كون الوجوب نفسيّا تعيينيّا عينيّا (٤) ، لكون كلّ واحد ممّا يقابلها يكون فيه تقيّد الوجوب وتضيّق دائرته (٥). فإذا كان في مقام البيان ولم ينصب قرينة عليه ، فالحكمة تقتضي كونه مطلقا (٦) ، وجب هناك شيء آخر أو لا ،

__________________

(١) أي : واقعيّا.

(٢) وهو حكم العقل بلزوم تحصيل العلم بالفراغ.

(٣) قبل أسطر ، حيث قال : «فاعلم أنّه لا مجال هاهنا ...».

(٤) الواجب النفسيّ هو الواجب لنفسه لا لأجل واجب آخر ، كالصلاة اليوميّة. ويقابله الواجب الغيريّ ، كالوضوء.

والواجب التعيينيّ هو الواجب بلا واجب آخر يكون بديلا عنه في عرضه ، كالصلاة اليوميّة. ويقابله الواجب التخييريّ ، كخصال كفّارة الإفطار العمديّ في شهر رمضان.

والواجب العينيّ ما يتعلّق بالمكلّف بشخصه ولا يسقط بفعل الغير ، كالصوم. ويقابله الواجب الكفائيّ ، كصلاة الميّت.

وسيأتي توضيح بعض الأقسام إن شاء الله.

(٥) والأولى أن يقول : «لما في كلّ واحد من مقابلاتها من تقيّد الوجوب وتضيّق دائرته». بيان ذلك : أنّ كلّ واحد من الوجوب الغيريّ والتخييريّ والكفائيّ مقيّد بقيد وجوديّ. فالأوّل مقيّد بكونه منبعثا عن وجوب آخر ، والثاني مقيّد بكونه ذا عدل ، والثالث مقيّد بسقوطه بفعل الغير.

فالنفسيّة ليست إلّا عدم كون الوجوب منبعثا عن وجوب آخر ، والتعيينيّة هي عدم كون الوجوب ذا عدل ، والعينيّة ليست إلّا عدم سقوطه بفعل الغير. وعدم القرينة على القيود الوجوديّة دليل على عدمها.

(٦) وأورد عليه السيّد الإمام الخمينيّ بما حاصله : أنّ مقدّمات الحكمة لا تقتضي النفسيّة أو التعيينيّة أو العينيّة ، كما لا تقتضي مقابلاتها ، فإنّ النفسيّة والتعيينيّة والعينيّة مباينة مع مقابلاتها ، وكلّ منها يمتاز عن مقابله بقيد وجوديّ أو عدميّ ، فهي ومقابلاتها خصوصيّات ـ

أتى بشيء آخر أو لا ، أتى به آخر أو لا ، كما هو واضح لا يخفى.

المبحث السابع

[الأمر عقيب الحظر أو توهّمه]

انّه اختلف القائلون بظهور صيغة الأمر في الوجوب ـ وضعا أو إطلاقا ـ فيما إذا وقع (١) عقيب الحظر أو في مقام توهّمه على أقوال.

نسب إلى المشهور ظهورها في الإباحة (٢) ، وإلى بعض العامّة ظهورها في الوجوب (٣) ، وإلى بعض تبعيّته (٤) لما قبل النهي إن علّق الأمر بزوال علّة النهي (٥) ... إلى غير ذلك(٦).

والتحقيق : أنّه لا مجال للتشبّث بموارد الاستعمال ، فإنّه قلّ مورد منها يكون

__________________

ـ في الوجوب ، لا أنّ الوجوب التعيينيّ النفسيّ العينيّ نفس طبيعة الوجوب ومقابلاتها طبيعته مع قيد تطرأ عليها ، بل كلّها خصوصيّات زائدة على الطبيعة وتحتاج إلى بيان زائد.

ثمّ ذهب إلى أنّه يحمل الوجوب على النفسيّ والتعيينيّ والعينيّ ، لا لدلالة الهيئة على شيء منها ، بل لأنّ صدور الأمر عن المولى تمام الموضوع ـ عند العقلاء ـ لوجوب الطاعة ، ومعه لا مجال لإعذار المكلّف من نفسه باحتمال التخييريّة فيما إذا عدل إلى غيره ، أو باحتمال الكفائيّة فيما إذا تركه وأتى به غيره ، أو باحتمال الغيريّة فيما إذا تركه مع سقوط الوجوب عن الغير. مناهج الوصول ١ : ٢٨٢ ـ ٢٨٣.

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «وقعت».

(٢) أي : الإباحة بالمعنى الأعمّ ـ أعنى : رفع الحجر والحظر ـ. كما ذهب إليه الآمديّ في الإحكام ٢ : ٣٩٨ ، والمحقّق القميّ في القوانين ١ : ٨٩.

وأمّا الاباحة بالمعنى الأخصّ فلم أعثر على من قال بظهورها فيها.

(٣) ذهب إليه بعض المخالفين ، كالحنفيّة ، والمعتزلة ، والقاضي الباقلانيّ والفخر الرازيّ ، والبيضاويّ. فراجع فواتح الرحموت (المطبوع بذيل المستصفى ١ : ٣٧٩) ، ونهاية السئول ٢ : ٢٧٢ ، والإحكام (للآمديّ) ٢ : ١٧٨.

(٤) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «تبعيّتها».

(٥) ذهب إلى هذا التفصيل العضديّ.

(٦) كقول الشيخ الطوسيّ والسيّد المرتضى من الرجوع إلى ما كان عليه سابقا قبل المنع مطلقا.

راجع العدّة ١ : ١٨٣ ، والذريعة إلى اصول الشريعة ١ : ٧٣.

خاليا عن قرينة على الوجوب أو الإباحة أو التبعيّة. ومع فرض التجريد عنها لم يظهر بعد كون عقيب الحظر موجبا لظهورها في غير ما تكون ظاهرة فيه ، غاية الأمر يكون موجبا لإجمالها ، غير ظاهرة في واحد منها إلّا بقرينة اخرى كما أشرنا (١).

المبحث الثامن

[عدم دلالة الصيغة على المرّة والتكرار]

الحقّ أنّ الصيغة (٢) مطلقا لا دلالة لها على المرّة ولا التكرار ، فإنّ المنصرف عنها ليس إلّا طلب إيجاد الطبيعة المأمور بها ، فلا دلالة لها على أحدهما ، لا بهيئتها ولا بمادّتها.

والاكتفاء بالمرّة فإنّما هو لحصول الامتثال بها في الأمر بالطبيعة ، كما لا يخفى (٣).

ثمّ لا يذهب عليك أنّ الاتّفاق على أنّ المصدر المجرّد عن اللام والتنوين لا يدلّ إلّا على الماهيّة ـ على ما حكاه السكّاكيّ (٤) ـ لا يوجب كون النزاع هاهنا

__________________

(١) وتظهره الثمرة في مثل قوله تعالى : ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ المائدة / ٢ ، فإنّه أمر بالاصطياد ، وقع عقيب حرمة الاصطياد في حال الإحرام ، حيث قال تعالى : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ المائدة / ٩٥ ، فإذا قلنا بأنّ الأمر الواقع عقيب الحظر مجمل ولا ظهور له في شيء فلا يدلّ قوله تعالى : ﴿فَاصْطادُوا﴾ على الوجوب ولا على غيره ، ويرجع إلى الاصول العمليّة ، إلّا إذا قامت قرينة خاصّة على أحدها ، وإذا قلنا بأنّ الأمر الواقع عقيب الحظر ظاهر في الوجوب فيدلّ قوله تعالى : ﴿فَاصْطادُوا﴾ على الوجوب ، وهكذا.

(٢) وفي بعض النسخ : «صيغة الأمر».

(٣) هذا جواب عن اشكال مقدّر. وهو : أنّه لو لا دلالة الصيغة على المرّة لم يكتفى بالمرّة في مقام الامتثال؟ فالاكتفاء بالمرّة كاشف عن دلالتها على المرّة.

فأجاب عنه بأنّ الاكتفاء بالمرّة ليس لأجل دلالة الصيغة عليه ، بل هو لحكم العقل بحصول الامتثال بالمرّة فيما إذا امر بالطبيعة ، فإنّ الطبيعيّ يوجد بوجود فرده.

(٤) مفتاح العلوم (علم البيان) : ٩٣.

في الهيئة ـ كما في الفصول (١) ـ ، فإنّه غفلة وذهول عن كون المصدر (٢) كذلك لا يوجب الاتّفاق على أنّ مادّة الصيغة لا تدلّ إلّا على الماهيّة ، ضرورة أنّ المصدر ليست مادّة لسائر المشتقّات ، بل هو صيغة مثلها. كيف! وقد عرفت في باب المشتقّ (٣) مباينة المصدر وسائر المشتقّات بحسب المعنى (٤) ، فكيف بمعناه يكون مادّة لها؟ فعليه يمكن دعوى اعتبار المرّة أو التكرار في مادّتها ، كما لا يخفى.

إن قلت : فما معنى ما اشتهر من كون المصدر أصلا في الكلام؟

قلت : ـ مع أنّه محلّ الخلاف (٥) ـ معناه أنّ الّذي وضع أوّلا بالوضع الشخصيّ ثمّ بملاحظته وضع نوعيّا أو شخصيّا سائر الصيغ الّتي تناسبه (٦) ـ ممّا جمعه معه مادّة لفظ متصوّرة في كلّ منها ومنه بصورة ، ومعنى كذلك (٧) ـ هو المصدر أو الفعل ، فافهم.

ثمّ المراد بالمرّة والتكرار هل هو الدفعة والدفعات أو الفرد والأفراد (٨)؟

التحقيق : أن يقعا بكلا المعنيين محلّ النزاع ، وإن كان لفظهما ظاهرا في المعنى الأوّل.

__________________

(١) الفصول الغرويّة : ٧١.

(٢) هكذا في النسخ. ولكن الصحيح أن يقول : «عن أنّ كون المصدر».

(٣) في الأمر الثاني من مبحث المشتقّ ، فراجع الصفحة : ١٠٦.

(٤) فإنّ المصدر بمعناه يأبى عن الحمل ، والمشتقّ غير آب عن الحمل.

(٥) حيث ذهب الكوفيّون إلى أنّ الأصل في الكلام هو الفعل.

(٦) أي : تناسب ما وضع أوّلا بالوضع الشخصيّ.

(٧) المراد من «ما» الموصول في قوله : «ممّا» هو الصيغ ؛ والضمير في قوله : «جمعه» راجع إلى «ما» الموصول ، كما أنّ الضمير في قوله : «معه» راجع إلى ما وضع أوّلا. ومعنى العبارة : من الصيغ الّتي جمع تلك الصيغ مع ما وضع أوّلا مادّة لفظ ومادّة معنى متصوّرتان في كلّ من الصيغ وما وضع أوّلا بصورة مخصوصة ، كمادّة (ض ر ب) الّتي قد تتصوّر بصورة «ضرب» ، وقد تتصوّر بصورة «يضرب» ، وهكذا.

(٨) ذهب إلى الأوّل صاحب الفصول. وإلى الثاني صاحب القوانين. راجع الفصول الغرويّة الغرويّة : ٧١ ، وقوانين الاصول ١ : ٩٢.

وتوهّم أنّه لو اريد بالمرّة الفرد لكان الأنسب بل اللازم أن يجعل هذا المبحث تتمّة للمبحث الآتي من أنّ الأمر هل يتعلّق بالطبيعة أو بالفرد؟ فيقال عند ذلك : «وعلى تقدير تعلّقه بالفرد هل يقتضي التعلّق بالفرد الواحد أو المتعدّد ، أو لا يقتضي شيئا منهما؟». ولم يحتج إلى إفراد كلّ منهما بالبحث كما فعلوه ، وأمّا لو اريد بها الدفعة فلا علقة بين المسألتين كما لا يخفى (١) ؛ فاسد ، لعدم العلقة بينهما لو اريد بها الفرد أيضا ، فإنّ الطلب ـ على القول بالطبيعة ـ إنّما يتعلّق بها باعتبار وجودها في الخارج ، ضرورة أنّ الطبيعة من حيث هي ليست إلّا هي ، لا مطلوبة ولا غير مطلوبة. وبهذا الاعتبار كانت مردّدة بين المرّة والتكرار بكلا المعنيين. فيصحّ النزاع في دلالة الصيغة على المرّة والتكرار (٢) بالمعنيين وعدمها ؛ أمّا بالمعنى الأوّل فواضح ؛ وأمّا بالمعنى الثاني فلوضوح أنّ المراد من الفرد أو الأفراد (٣) وجود واحد أو وجودات ، وإنّما عبّر بالفرد لأنّ وجود الطبيعة في الخارج هو الفرد ، غاية الأمر خصوصيّته وتشخّصه ـ على القول بتعلّق الأمر بالطبائع ـ يلازم المطلوب وخارج عنه ، بخلاف القول بتعلّقه بالأفراد ، فإنّه ممّا يقوّمه.

تنبيه : [الامتثال عقيب الامتثال]

لا إشكال بناء على القول بالمرّة في الامتثال ، وأنّه لا مجال للإتيان بالمأمور به ثانيا على أن يكون أيضا به الامتثال ، فإنّه من الامتثال بعد الامتثال.

وأمّا على المختار ـ من دلالتها على طلب الطبيعة من دون دلالة على المرّة ولا على التكرار ـ فلا تخلو الحال : إمّا أن لا يكون هناك إطلاق الصيغة في مقام البيان ـ بل في مقام الإهمال أو الإجمال ـ فالمرجع هو الأصل ؛ وإمّا أن يكون إطلاقها في ذلك المقام فلا إشكال في الاكتفاء بالمرّة في الامتثال. وإنّما الإشكال في جواز أن لا يقتصر عليها ، فإنّ لازم إطلاق الطبيعة المأمور بها هو الإتيان بها

__________________

(١) هذا ما توهّمه صاحب الفصول ، فراجع الفصول الغرويّة : ٧١.

(٢) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «أو التكرار».

(٣) في مبحث المرّة والتكرار.

مرّة أو مرارا ، لا لزوم الاقتصار على المرّة ، كما لا يخفى.

والتحقيق : أنّ قضيّة الإطلاق إنّما هو جواز الإتيان بها مرّة في ضمن فرد أو أفراد ، فيكون إيجادها (١) في ضمنها (٢) نحوا من الامتثال كإيجادها في ضمن الواحد ، لا جواز الإتيان بها مرّة ومرّات ، فإنّه مع الإتيان بها مرّة لا محالة يحصل الامتثال ، ويسقط به الأمر فيما إذا كان امتثال الأمر علّة تامّة لحصول الغرض الأقصى بحيث يحصل بمجرّده ، فلا يبقى معه مجال لإتيانه ثانيا بداعي امتثال آخر ، أو بداعي أن يكون الإتيانان امتثالا واحدا ، لما عرفت من حصول الموافقة بإتيانها (٣) ، وسقوط الغرض معها (٤) ، وسقوط الأمر بسقوطه ، فلا يبقى مجال لامتثاله أصلا. وأمّا إذا لم يكن الامتثال علّة تامّة لحصول الغرض ، كما إذا أمر بالماء ليشرب أو يتوضّأ ، فاتي به ولم يشرب أو لم يتوضّأ فعلا ، فلا يبعد صحّة تبديل الامتثال بإتيان فرد آخر أحسن منه ، بل مطلقا ، كما كان له ذلك (٥) قبله على ما يأتي بيانه في الإجزاء (٦).

المبحث التاسع

[عدم دلالة الصيغة على الفور أو التراخي]

الحقّ أنّه لا دلالة للصيغة لا على الفور ولا على التراخي (٧). نعم ، قضيّة

__________________

(١) أي : إيجاد الطبيعة.

(٢) أي : الأفراد.

(٣) أي : إتيان الطبيعة مرّة.

(٤) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «معه» ، فإنّ الضمير يرجع إلى إتيان الطبيعة مرّة.

(٥) أي : الإتيان بأيّ فرد آخر.

(٦) يأتي في الصفحة : ١٦٠ ، حيث قال : «نعم ، لا يبعد أن يقال ...».

وخالفه السيّدان العلمان : الإمام الخمينيّ والمحقّق الخوئيّ. فذهبا إلى عدم جواز الامتثال بعد الامتثال مطلقا ، لعدم تعقّل بقاء الأمر مع الإتيان بمتعلّقه بجميع الخصوصيّات المعتبرة فيه. راجع مناهج الوصول ١ : ٣٠٤ ـ ٣٠٦ ، المحاضرات ٢ : ٢٠٩.

وقال المحقّق الاصفهانيّ ـ ردّا على المصنّف ـ : «التحقيق أنّ إتيان المأمور به بحدوده وقيوده علّة تامّة للغرض الباعث على البعث إليه. والغرض القائم باحضار الماء تمكّن المولى من رفع عطشه به ، لا نفس رفع العطش». نهاية الدراية ١ : ٢٥٤.

(٧) لا يخفى : أنّه لا بدّ من حمل كلامه على أن لا دلالة لصيغة الأمر بالدلالة الوضعيّة ـ لا بمادّتها ولا بهيئتها ـ على لزوم الفور ، ولا على جواز التراخي ، وإن كانت الصيغة ظاهرة بإطلاقها ـ