درس کفایة الاصول - بخش اول (فشرده)

جلسه ۲۱: جلسه ۲۱

 

مرّة أو مرارا ، لا لزوم الاقتصار على المرّة ، كما لا يخفى.

والتحقيق : أنّ قضيّة الإطلاق إنّما هو جواز الإتيان بها مرّة في ضمن فرد أو أفراد ، فيكون إيجادها (١) في ضمنها (٢) نحوا من الامتثال كإيجادها في ضمن الواحد ، لا جواز الإتيان بها مرّة ومرّات ، فإنّه مع الإتيان بها مرّة لا محالة يحصل الامتثال ، ويسقط به الأمر فيما إذا كان امتثال الأمر علّة تامّة لحصول الغرض الأقصى بحيث يحصل بمجرّده ، فلا يبقى معه مجال لإتيانه ثانيا بداعي امتثال آخر ، أو بداعي أن يكون الإتيانان امتثالا واحدا ، لما عرفت من حصول الموافقة بإتيانها (٣) ، وسقوط الغرض معها (٤) ، وسقوط الأمر بسقوطه ، فلا يبقى مجال لامتثاله أصلا. وأمّا إذا لم يكن الامتثال علّة تامّة لحصول الغرض ، كما إذا أمر بالماء ليشرب أو يتوضّأ ، فاتي به ولم يشرب أو لم يتوضّأ فعلا ، فلا يبعد صحّة تبديل الامتثال بإتيان فرد آخر أحسن منه ، بل مطلقا ، كما كان له ذلك (٥) قبله على ما يأتي بيانه في الإجزاء (٦).

المبحث التاسع

[عدم دلالة الصيغة على الفور أو التراخي]

الحقّ أنّه لا دلالة للصيغة لا على الفور ولا على التراخي (٧). نعم ، قضيّة

__________________

(١) أي : إيجاد الطبيعة.

(٢) أي : الأفراد.

(٣) أي : إتيان الطبيعة مرّة.

(٤) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «معه» ، فإنّ الضمير يرجع إلى إتيان الطبيعة مرّة.

(٥) أي : الإتيان بأيّ فرد آخر.

(٦) يأتي في الصفحة : ١٦٠ ، حيث قال : «نعم ، لا يبعد أن يقال ...».

وخالفه السيّدان العلمان : الإمام الخمينيّ والمحقّق الخوئيّ. فذهبا إلى عدم جواز الامتثال بعد الامتثال مطلقا ، لعدم تعقّل بقاء الأمر مع الإتيان بمتعلّقه بجميع الخصوصيّات المعتبرة فيه. راجع مناهج الوصول ١ : ٣٠٤ ـ ٣٠٦ ، المحاضرات ٢ : ٢٠٩.

وقال المحقّق الاصفهانيّ ـ ردّا على المصنّف ـ : «التحقيق أنّ إتيان المأمور به بحدوده وقيوده علّة تامّة للغرض الباعث على البعث إليه. والغرض القائم باحضار الماء تمكّن المولى من رفع عطشه به ، لا نفس رفع العطش». نهاية الدراية ١ : ٢٥٤.

(٧) لا يخفى : أنّه لا بدّ من حمل كلامه على أن لا دلالة لصيغة الأمر بالدلالة الوضعيّة ـ لا بمادّتها ولا بهيئتها ـ على لزوم الفور ، ولا على جواز التراخي ، وإن كانت الصيغة ظاهرة بإطلاقها ـ

إطلاقها جواز التراخي.

والدليل عليه (١) تبادر طلب إيجاد الطبيعة منها بلا دلالة على تقييدها بأحدهما. فلا بدّ في التقييد من دلالة اخرى ، كما ادّعي دلالة غير واحد من الآيات (٢) على الفوريّة (٣) ، وفيه منع ، ضرورة أنّ سياق آية ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٤) وكذا آية ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ»﴾ (٥) إنّما هو البعث نحو المسارعة إلى المغفرة والاستباق إلى الخير من دون استتباع تركهما للغضب والشرّ ، ضرورة أنّ تركهما لو كان مستتبعا للغضب والشرّ كان البعث بالتحذير عنهما (٦) أنسب ، كما لا يخفى ، فافهم.

__________________

ـ اللفظيّ في جواز التراخي. وذلك لأنّ مورد البحث في المسألة ليس دلالتها على لزوم الفوريّة أو لزوم التراخي وعدمها ، ضرورة أنّه لم يقل أحد بدلالتها على لزوم التراخي ، فلا يكون لزوم التراخي أحد طرفي الترديد ، بل انّما يبحث فيها عن دلالة الصيغة على لزوم الفوريّة أو جواز التراخي وعدمها. فما يظهر من كلامه ـ من أنّ الصيغة لا تدلّ على لزوم الفور ولا على لزوم التراخي ـ في غير محلّه.

إن قلت : لو حملنا كلامه على عدم دلالة الصيغة ـ لا على لزوم الفور ولا على جواز التراخي ـ فلا معنى لكلامه ثانيا من دعوى دلالة إطلاق الأمر على جواز التراخي.

قلت : لا تنافي ما ذكره أوّلا مع ما ذكره ثانيا ، فإنّ ما ذكره ـ من عدم دلالة الصيغة على جواز التراخي ـ يحمل على عدم دلالته بالوضع ، وما ذكره ثانيا ـ من دلالة إطلاقها على جواز التراخي ـ يحمل على ظهورها فيه بإطلاقها اللفظيّ.

(١) أي : على عدم دلالة الصيغة على أحدهما.

(٢) كقوله تعالى : ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ آل عمران / ١٣٣ ، وقوله تعالى : ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ﴾ البقرة / ١٤٨.

(٣) هذا ما ادّعاه القائلون بدلالة الصيغة على الفور من الحنفيّة والحنابلة ـ على ما في الإحكام (للآمديّ) ٢ : ١٦٥ ـ ، بل كثير من المتكلّمين والفقهاء ـ على ما في العدّة ١ : ٢٢٥ ـ ٢٢٧ ـ.

وأمّا الشيخ الطوسيّ ـ وإن ذهب إلى القول بالفور ـ فناقش في دلالة الآيات على الفور ، راجع العدّة ١ : ٢٢٩ ـ ٢٣٠.

(٤) آل عمران / ١٣٣.

(٥) البقرة / ١٤٨.

(٦) بأن يقول : «فليحذر الذين لا يسارعون إلى المغفرة ولا يستبقون في الخيرات».

مع لزوم كثرة تخصيصه (١) في المستحبّات وكثير من الواجبات بل أكثرها (٢) ، فلا بدّ من حمل الصيغة فيهما (٣) على خصوص الندب (٤) أو مطلق الطلب (٥).

ولا يبعد دعوى استقلال العقل بحسن المسارعة والاستباق ، وكان ما ورد من الآيات (٦) والروايات (٧) في مقام البعث نحوه (٨) إرشادا إلى ذلك ـ كالآيات (٩) والروايات (١٠) الواردة في الحثّ على أصل الإطاعة ـ ، فيكون الأمر فيها لما يترتّب على المادّة بنفسها ولو لم يكن هناك أمر بها ، كما هو الشأن في الأوامر الإرشاديّة (١١) ، فافهم.

تتمّة : [في عدم دلالة الأمر على الفور فالفور]

بناء على القول بالفور ، فهل قضيّة الأمر الإتيان فورا ففورا ـ بحيث لو عصى لوجب عليه الإتيان به فورا أيضا في الزمان الثاني ـ أو لا؟ وجهان مبنيّان على أنّ مفاد الصيغة ـ على هذا القول ـ هو وحدة المطلوب (١٢) أو تعدّده (١٣).

ولا يخفى : أنّه لو قيل بدلالتها على الفوريّة لما كان لها دلالة على نحو المطلوب من وحدته أو تعدّده ، فتدبّر جيّدا.

__________________

(١) أي : وجوب الفور.

(٢) فإنّ أكثر الواجبات واجبات موسّعة ، فيلزم تخصيص الأكثر ، وهو مستهجن.

(٣) أي : في المستحبّات وأكثر الواجبات.

(٤) في المستحبّات.

(٥) في المستحبّات والواجبات الموسّعة.

(٦) آل عمران / ١٣٣ ، والبقرة / ١٤٨.

(٧) وسائل الشيعة ١ : ٨٤ ، الباب ٢٧ من أبواب مقدّمة العبادات.

(٨) أي : نحو ما ذكر من المسارعة والاستباق.

(٩) كقوله تعالى : ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ.﴾ النساء / ٥٩.

(١٠) راجع الكافي ١ : ١٨٥ ، كتاب الحجّة ، باب فرض طاعة الأئمّة عليهم‌السلام.

(١١) وفي النسخة الأصليّة : «في الأمر الإرشاديّ». والاولى ما أثبتناه كما في النسخ الآخر.

(١٢) بمعنى أنّ الفوريّة مقوّمة لأصل المصلحة بحيث تفوت المصلحة بفوات الفوريّة.

(١٣) بمعنى أنّ هناك مصلحتين : (أحدهما) قائمة بذات الفعل في كلّ زمان. (وثانيتهما) قائمة بالفوريّة. فإن لم يأت به في الزمان الأوّل انّما تفوت المصلحة الثانية ، وأمّا المصلحة الاولى فهي باقية بحالها ، فيجب عليه الإتيان به في الزمان الثاني.

الفصل الثالث

[في الإجزاء]

الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء (١) في الجملة (٢) بلا شبهة. وقبل الخوض في تفصيل المقام وبيان النقض والإبرام ينبغي تقديم امور :

أحدها : [المراد من «وجهه»]

الظاهر أنّ المراد من «وجهه» في العنوان هو النهج الّذي ينبغي أن يؤتى به

__________________

(١) لا يخفى عليك : أنّ ظاهر العناوين في مسألة الإجزاء إلى زمان الشيخ الأعظم الأنصاريّ أنّ هذه المسألة مسألة لفظيّة ، لها صلة بما تعلّق بصيغة الأمر ، كما قال الشيخ ـ في العدّة ١ : ٢١٢ ـ : «إنّ الأمر هل يقتضي كون المأمور به مجزيا أم لا؟» ، وقال الشيخ محمّد حسين الاصفهانيّ ـ في الفصول الغرويّة : ١١٦ ـ : «إنّ الأمر بالشيء هل يقتضي الإجزاء إذا اتي بالمأمور به على وجهه أم لا؟».

ولكن عدل عنه الشيخ الأنصاريّ وذهب إلى أنّ المسألة عقليّة ، فقال في عنوان المسألة : «اختلفوا في أنّ إتيان المأمور به على وجهه هل يقتضي الإجزاء أو لا؟» ثمّ قال : «إنّ البحث هنا انّما هو في اقتضاء إتيان المأمور به عقلا». وتبعه المصنّف في المقام. واختاره أكثر من تأخّر عن المصنّف. فراجع مطارح الأنظار : ١٨ ، فوائد الاصول ١ : ٢٤٢ ، مقالات الاصول ١ : ٢٦٢ ، نهاية الدراية ١ : ٢٥٧ ، المحاضرات ٢ : ٢٢٠.

إن قلت : فلم جعلها المصنّف ذيل المسائل المتعلّقة بالأوامر؟

قلت : إنّ مجرّد ذكرها ذيل المسائل المتعلّقة بالأوامر ليس دليلا على كونها من المسائل اللفظيّة ، كما أنّه ذكر مسألة مقدّمة الواجب ذيل مباحث الأوامر مع أنّه صرّح بكونها مسألة عقليّة ، كما سيأتي.

(٢) ضرورة أنّ الإجزاء بالنسبة إلى أمره الواقعيّ مما لا ينكره أحد.

على ذلك النهج شرعا وعقلا (١) ، مثل أن يؤتى به بقصد التقرّب في العبادة. لا خصوص الكيفيّة المعتبرة في المأمور به شرعا ، فإنّه عليه يكون «على وجهه» قيدا توضيحيّا (٢) ، وهو بعيد (٣) ؛ مع أنّه يلزم خروج التعبّديّات عن حريم النزاع ، بناء على المختار ـ كما تقدّم (٤) ـ من أنّ قصد القربة من كيفيّات الإطاعة عقلا ، لا من قيود المأمور به شرعا. ولا الوجه المعتبر عند بعض الأصحاب (٥) ، فإنّه ـ مع عدم اعتباره عند المعظم ، وعدم اعتباره عند من اعتبره إلّا في خصوص العبادات لا مطلق الواجبات ـ لا وجه لاختصاصه به بالذكر (٦) على تقدير الاعتبار. فلا بدّ من إرادة ما يندرج فيه من المعنى ، وهو ما ذكرناه ، كما لا يخفى.

ثانيها : [المراد من «الاقتضاء»]

الظاهر أنّ المراد من «الاقتضاء» هاهنا الاقتضاء بنحو العلّيّة والتأثير ، لا بنحو الكشف والدلالة (٧) ، ولذا نسب إلى الإتيان ، لا إلى

__________________

(١) أمّا النهج الّذي ينبغي أن يؤتى به على ذاك النهج شرعا فهو مثل أن يؤتى بالصلاة المأمور بها مستقبلا إلى القبلة أو ساترا للعورة. وأمّا النهج الّذي ينبغي أن يؤتى به على ذاك النهج عقلا فهو مثل أن يؤتى بالمأمور به بقصد التقرّب.

فقوله : «مثل أن يؤتى ...» مثال لقوله : «عقلا». وكان الأولى أن يقول : «شرعا مثل أن يؤتى به مستقبلا ، أو عقلا مثل أن يؤتى به متقرّبا إلى الله».

(٢) لأنّ النهج الّذي يعتبر شرعا يدلّ عليه عنوان المأمور به.

(٣) لأنّ الأصل في القيود كونها احترازيّة.

(٤) تقدّم في الصفحة : ١٣٩.

(٥) وهو بعض الفقهاء والمتكلّمين. لاحظ جواهر الكلام ٩ : ١٦٠ ـ ١٦٣.

(٦) هكذا في النسخ. والصحيح أن يحذف قوله : «به».

(٧) والأولى أن يقول : «إنّ المراد من الاقتضاء هاهنا هو الاقتضاء بنحو الاستلزام». بيان ذلك : أنّ الاقتضاء قد يطلق ويراد منه التأثير في الامور التكوينيّة الخارجيّة ، فيقال ـ مثلا ـ : «النار تقتضي الحرارة» ، ويصطلح عليه بالعلّيّة أو الاقتضاء الثبوتيّ.

وقد يطلق ويراد به الكشف والدلالة ويعبّر عنه بالاقتضاء الإثباتيّ ، فيقال ـ مثلا ـ : «الأمر يقتضي الوجوب».

وقد يطلق ويراد منه الاستلزام بين الشيئين. وهذا هو المراد من الاقتضاء في المقام ، ـ

الصيغة (١).

إن قلت : هذا إنّما يكون كذلك بالنسبة إلى أمره (٢) ، وأمّا بالنسبة إلى أمر آخر ـ كالإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ بالنسبة إلى الأمر الواقعيّ ـ فالنزاع في الحقيقة في دلالة دليلهما على اعتباره (٣) بنحو يفيد الإجزاء أو بنحو آخر لا يفيده (٤).

قلت : نعم ، لكنّه لا ينافي كون النزاع فيهما في الاقتضاء (٥) بالمعنى المتقدّم ،

__________________

ـ بل في كثير من المباحث الاصوليّة. فيقال ـ مثلا ـ : «هل يقتضي وجوب ذي المقدّمة وجوب المقدّمة؟».

وبالجملة : فالمراد من الاقتضاء في المقام هو الاستلزام ، فيكون معنى قوله : «الإتيان بالمأمور به يقتضي الإجزاء» أنّ الإتيان بالمأمور به يستلزم عقلا سقوط التكليف شرعا.

(١) وقد اشكل عليه : بأنّه كلمة «الاقتضاء» في كلام القوم منسوب إلى الأمر ـ كما في الفصول والقوانين ـ ، فلا يصحّ الاستشهاد على إرادة العلّيّة من الاقتضاء بأنّه ورد منسوبا إلى الإتيان.

والجواب عنه : أنّ المصنّف لم يكن بصدد بيان المراد من الاقتضاء في كلام من ذهب إلى كون المسألة لفظيّة ، بل كان في مقام بيان المراد من الاقتضاء في كلام من ذهب إلى كون المسألة عقليّة ، كالشيخ الأنصاريّ ، فإنّه أسند الاقتضاء إلى الإتيان ، لا الأمر.

(٢) أي : الأمر المتعلّق بالمأتي به.

(٣) الضمير يرجع إلى المأمور به بالأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ.

(٤) وحاصل الإشكال : أنّ كلمة «الاقتضاء» في العنوان ليس بمعنى العلّيّة مطلقا ، بل يكون في بعض الموارد بمعنى العلّيّة وفي بعض آخر بمعنى الدلالة. بيان ذلك : أنّ النزاع في المسألة تارة يكون في إجزاء المأمور به عن أمره ـ كإجزاء المأمور به بالأمر الواقعيّ عن الأمر الواقعيّ ، وإجزاء المأمور به بالأمر الاضطراريّ عن الأمر الاضطراريّ ، وإجزاء المأمور به الظاهريّ عن الأمر الظاهريّ ـ حينئذ يكون الاقتضاء بمعنى العلّيّة ، إذ لا تلحظ دلالة الدليل. واخرى يكون في إجزاء المأمور به بالأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ عن الأمر الواقعيّ ، فيبحث عن دلالة الدليل على اعتبار المأمور به بالأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ بنحو يفيد سقوط الأمر الواقعيّ أو بنحو آخر لا يفيد سقوط الأمر الواقعيّ؟

(٥) وفي بعض النسخ : «فيهما كان في الاقتضاء». ولكن الصحيح ما أثبتناه ، بل هو ما يستظهر من النسخة الأصليّة بعد الدقّة فيها.

غايته أنّ العمدة في سبب الاختلاف فيهما (١) إنّما هو الخلاف في دلالة دليلهما ـ هل أنّه (٢) على نحو يستقلّ العقل بأنّ الإتيان به موجب للإجزاء ويؤثّر فيه ـ وعدم دلالته ، ويكون النزاع فيه (٣) صغرويّا أيضا (٤). بخلافه في الإجزاء بالإضافة إلى أمره ، فإنّه لا يكون إلّا كبرويّا لو كان هناك نزاع ، كما نقل عن بعض (٥) ، فافهم (٦).

ثالثها : [المراد من الإجزاء]

الظاهر أنّ «الإجزاء» هاهنا بمعناه لغة ، وهو الكفاية ، وإن كان يختلف ما يكفي عنه ، فإنّ الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعيّ يكفي فيسقط به التعبّد به ثانيا ، وبالأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ يكفي فيسقط به القضاء ، لا أنّه يكون هاهنا اصطلاحا ـ بمعنى إسقاط التعبّد أو القضاء ـ ، فإنّه بعيد جدا.

__________________

(١) أي : في اقتضاء إتيان المأمور به الاضطراريّ والظاهريّ بمعنى العلّيّة والتأثير.

(٢) أي : دليلهما.

(٣) والأولى أن يقول : «فيهما» ، فإنّ الضمير يرجع إلى المأمور به الاضطراريّ والمأمور به الظاهريّ.

(٤) وحاصل الجواب : أنّ وقوع النزاع فيهما في الاقتضاء بمعنى الدلالة لا ينافي وقوعه فيهما في الاقتضاء بمعنى العلّيّة. بل يكون هناك نزاعان : أحدهما صغرويّ ، وهو النزاع في دلالة دليلهما على أنّ موضوعيهما وافيان بتمام مصلحة المأمور به الواقعيّ وعدم دلالته. وثانيهما كبرويّ ، وهو النزاع في أنّ نفس الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ هل يؤثّر في الإجزاء بلحاظ وفائه بتمام المصلحة أو لا يؤثّر فيه بلحاظ عدم وفائه بتمام المصلحة؟

فالنزاع الأوّل منشأ للنزاع الثاني ، ولا تنافي بينهما.

(٥) نقله العلّامة الحلّيّ عن أبي هاشم. ونقله السيّد الطباطبائيّ عن أبي هاشم وعبد الجبّار وأتباعهما. راجع مبادئ الوصول : ١١١ ، ومفاتيح الاصول : ١٢٦.

(٦) لعلّه إشارة إلى ما ذكره المحقّق الاصفهانيّ من أنّ فرض ابتناء وقوع النزاع في الكبرى على وقوع النزاع في الصغرى لا يناسب المسائل الاصوليّ ، إذ من شرائط المسائل الاصوليّة أن تكون نتيجتها كلّيّة جارية في جميع الموارد. مضافا إلى أنّه إذا كان النزاع الصغرويّ المذكور منشأ للنزاع الكبرويّ فالمناسب أن يحرّر النزاع في المنشأ ـ أي دلالة الدليل ـ ويفرّع النزاع الكبرويّ على كيفيّة دلالة دليلهما. نهاية الدراية ١ : ٢٥٩ ـ ٢٦٠.

رابعها : [فارق المسألة عن مسألة المرّة والتكرار]

الفرق بين هذه المسألة ومسألة المرّة والتكرار لا يكاد يخفى ، فإنّ البحث هاهنا في أنّ الإتيان بما هو المأمور به يجزئ عقلا؟ بخلافه في تلك المسألة ، فإنّه في تعيين ما هو المأمور به شرعا بحسب دلالة الصيغة بنفسها أو بدلالة اخرى. نعم ، كان التكرار عملا موافقا لعدم الإجزاء ، لكنّه لا بملاكه.

وهكذا الفرق بينها وبين مسألة تبعيّة القضاء للأداء (١) ، فإنّ البحث في تلك المسألة في دلالة الصيغة على التبعيّة وعدمها. بخلاف هذه المسألة ، فإنّه ـ كما عرفت ـ في أنّ الإتيان بالمأمور به يجزئ عقلا عن إتيانه ثانيا ـ أداء أو قضاء ـ أو لا يجزئ؟ فلا علقة بين المسألة والمسألتين أصلا.

إذا عرفت هذه الامور فتحقيق المقام يستدعي البحث والكلام في موضعين :

الموضع الأوّل

[في إجزاء الإتيان بالمأمور به عن التعبّد به ثانيا]

انّ الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعيّ ، بل أو (٢) بالأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ أيضا يجزئ عن التعبّد به ثانيا ، لاستقلال العقل بأنّه لا مجال مع موافقة الأمر بإتيان المأمور به على وجهه لاقتضائه التعبّد به ثانيا.

نعم ، لا يبعد أن يقال بأنّه يكون للعبد تبديل الامتثال والتعبّد به ثانيا بدلا عن التعبّد به أوّلا ، لا منضمّا إليه ـ كما أشرنا إليه في المسألة السابقة (٣) ـ. وذلك فيما

__________________

(١) لا يخفى عليك : أنّه لا وجه لتعرّض الفرق بينهما بعد عدم وجود أيّ تشابه بينهما يوجب توهّم رجوعهما إلى بحث واحد. كيف؟ والموضوع في هذه المسألة هو الإتيان بالمأمور به وأنّه يجزئ عن الواقع أم لا؟ والموضوع في تلك المسألة هو عدم الإتيان بالمأمور به في الوقت.

(٢) هكذا في النسخ. والصحيح أن يحذف كلمة «أو».

(٣) راجع مبحث المرّة والتكرار ، الصفحة : ١٥٣.

علم أنّ مجرّد امتثاله لا يكون علّة تامّة لحصول الغرض وإن كان وافيا به لو اكتفى به ؛ كما إذا أتى بماء أمر به مولاه ليشربه فلم يشربه بعد ، فإنّ الأمر بحقيقته وملاكه لم يسقط بعد. ولذا لو اهرق الماء واطّلع عليه العبد وجب عليه إتيانه ثانيا ، كما إذا لم يأت به أوّلا ، ضرورة بقاء طلبه ما لم يحصل غرضه الداعي إليه ، وإلّا لما أوجب حدوثه ، فحينئذ يكون له الإتيان بماء آخر موافق للأمر ، كما كان له قبل إتيانه الأوّل ، بدلا عنه.

نعم ، فيما كان الإتيان علّة تامّة لحصول الغرض ، فلا يبقى موقع للتبديل ، كما إذا امر بإهراق الماء في فمه لرفع عطشه فأهرقه. بل لو لم يعلم أنّه من أيّ القبيل فله التبديل باحتمال أن لا يكون علّة ، فله إليه سبيل (١).

ويؤيّد ذلك ، بل يدلّ عليه ما ورد من الروايات في باب إعادة من صلّى فرادى جماعة وأنّ الله تعالى يختار أحبّهما إليه (٢).

الموضع الثاني

[في إجزاء وعدم إجزاء الإتيان بالمأمور به الاضطراريّ أو الظاهريّ]

وفيه مقامان :

__________________

(١) ولا يخفى : أنّ ما ذهب إليه المصنّف ـ من جواز الامتثال عقيب الامتثال فيما إذا علم أنّ الامتثال الأوّل لا يكون علّة تامّة لحصول الغرض ـ واقع مورد النقض والإبرام بين المحقّقين من الأعلام.

فذهب المحقّق العراقيّ إلى امتناعه عقلا ؛ والمحقّق الاصفهانيّ إلى أنّ إتيان المأمور به بحدوده علّة تامّة لحصول الغرض مطلقا فيسقط الأمر ولا مجال للامتثال ثانيا ؛ والمحقّق النائينيّ إلى أنّ تبديل الامتثال في الشرعيّات يحتاج إلى دليل يكشف عن عدم سقوط الغرض عند سقوط الأمر ، ومع عدم الدليل لا يمكن للمكلّف التبديل ، ولم نعثر في الشريعة على دليل عليه. فراجع بدائع الأفكار ١ : ٢٦٣ ـ ٢٦٤ ، نهاية الدراية ١ : ٢٦٣ ، فوائد الاصول ١ : ٢٤٣.

وذهب السيّدان العلمان ـ الإمام الخمينيّ والسيّد الخوئيّ ـ إلى امتناع الامتثال بعد الامتثال مطلقا. فراجع المحاضرات ٢ : ٢٢٥ ، ومناهج الوصول ١ : ٣٠٥ ـ ٣٠٦.

(٢) راجع الوسائل ٥ : ٤٥٥ ـ ٤٥٧ ، الباب ٥٤ من أبواب صلاة الجماعة.

المقام الأوّل : في أنّ الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراريّ هل يجزئ عن الإتيان بالمأمور به (١) بالأمر الواقعيّ ثانيا بعد رفع الاضطرار في الوقت إعادة وفي خارجه قضاء أو لا يجزئ (٢)؟

تحقيق الكلام فيه يستدعي التكلّم فيه تارة في بيان ما يمكن أن يقع عليه الأمر الاضطراريّ من الأنحاء وبيان ما هو قضيّة كلّ منها من الإجزاء وعدمه ، واخرى في تعيين ما وقع عليه.

فاعلم : أنّه يمكن أن يكون التكليف الاضطراريّ في حال الاضطرار كالتكليف الاختياريّ في حال الاختيار (٣) وافيا بتمام المصلحة وكافيا فيما هو المهمّ والغرض ؛ ويمكن أن لا يكون وافيا به كذلك (٤) ، بل يبقى منه شيء أمكن استيفاؤه ، أولا يمكن ؛ وما أمكن كان بمقدار يجب تداركه أو يكون بمقدار يستحبّ.

ولا يخفى : أنّه إن كان وافيا به يجزئ. فلا يبقى مجال أصلا للتدارك ، لا قضاء

__________________

(١) وفي النسخة الأصليّة : «عن القضاء والإتيان بالمأمور به». والصحيح ما أثبتناه.

(٢) مثلا : إذا أتى بالصلاة قاعدا ثمّ زال الاضطرار قبل خروج الوقت ، فهل يجب عليه الإعادة في الوقت والقضاء في خارجه أم لا؟ أو إذا أتى بالصلاة مع الطهارة الترابيّة ثمّ زال الاضطرار في الوقت ، فهل يجزئ الإتيان بها عن الصلاة مع الطهارة المائيّة فلا يجب عليه ـ بعد زوال الاضطرار ـ الاعادة في الوقت والقضاء في خارجه ، أم لا فيجب عليه إتيانها في الوقت إعادة وفى خارج الوقت قضاء؟

ولا يخفى : أنّ النزاع في المقام انّما يجرى فيما إذا كان الموضوع للأمر الاضطرارىّ وجود العذر غير المستوعب لتمام الوقت ؛ وأمّا إذا كان الموضوع وجود العذر المستوعب لتمام الوقت فلا مجال للنزاع في الإجزاء وعدمه ، لأنّه حينئذ لا أمر واقعيّا كي يقال : إنّ امتثال المأمور به بالأمر الاضطراريّ هل يجزئ عن الأمر الواقعيّ أم لا؟

(٣) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «يمكن أن يكون المكلّف به في التكليف الاضطراريّ حال الاضطرار كالمكلّف به في التكليف الاختياريّ حال الاختيار». وذلك لأنّ المصالح قائمة بمتعلّقات الأحكام ، لا نفس الأحكام.

(٤) أي : كالقسم الأوّل الّذي كان وافيا.

ولا إعادة.

وكذا لو لم يكن وافيا ولكن لا يمكن تداركه. ولا يكاد يسوغ له البدار (١) في هذه الصورة (٢) إلّا لمصلحة كانت فيه (٣) ، لما فيه من نقض الغرض وتفويت مقدار من المصلحة لو لا مراعاة ما هو فيه من الأهمّ ، فافهم.

لا يقال : عليه فلا مجال لتشريعه ولو بشرط الانتظار ، لإمكان استيفاء الغرض بالقضاء.

فإنّه يقال : هذا كذلك لو لا المزاحمة بمصلحة الوقت.

وأمّا تسويغ البدار أو إيجاب الانتظار في الصورة الاولى فيدور مدار كون العمل بمجرّد الاضطرار ـ مطلقا ، أو بشرط الانتظار ، أو مع اليأس عن طروء الاختيار ـ ذا مصلحة ووافيا بالغرض.

وإن لم يكن وافيا وقد أمكن تدارك الباقي في الوقت أو مطلقا ولو بالقضاء خارج الوقت ، فإن كان الباقي ممّا يجب تداركه فلا يجزئ ولا بدّ من إيجاب الإعادة أو القضاء ، وإلّا فيجزئ.

ولا مانع عن البدار في الصورتين ، غاية الأمر يتخيّر في الصورة الاولى بين البدار والإتيان بعملين ـ العمل الاضطراريّ في هذا الحال ، والعمل الاختياريّ بعد رفع الاضطرار ـ أو الانتظار (٤) والاقتصار بإتيان ما هو تكليف المختار ؛ وفي الصورة الثانية يتعيّن عليه استحباب البدار وإعادته بعد طروء الاختيار (٥).

__________________

(١) وهو المبادرة إلى إتيان المأمور به الاضطراريّ في أوّل وقت الاضطرار.

(٢) أي : صورة عدم الوفاء وعدم امكان تدارك الباقي. وذلك لأنّه مستلزم للإذن في تفويت مقدار من المصلحة ، وهو قبيح.

(٣) أي : في البدار ، كمصلحة أوّل الوقت.

(٤) والأولى أن يقول : «وبين الانتظار و...».

(٥) ما أثبتناه من العبارة مطابق للنسخة الأصليّة بعد التأمّل فيها ، وإن يحتمل ـ على ما يقتضي ظاهرها ـ تغيير العبارة وتبديلها بقوله : «يتعيّن عليه البدار ويستحبّ إعادته بعد طروء الاختيار». ـ