درس کفایة الاصول - بخش اول (فشرده)

جلسه ۲۲: جلسه ۲۲

 

ولا إعادة.

وكذا لو لم يكن وافيا ولكن لا يمكن تداركه. ولا يكاد يسوغ له البدار (١) في هذه الصورة (٢) إلّا لمصلحة كانت فيه (٣) ، لما فيه من نقض الغرض وتفويت مقدار من المصلحة لو لا مراعاة ما هو فيه من الأهمّ ، فافهم.

لا يقال : عليه فلا مجال لتشريعه ولو بشرط الانتظار ، لإمكان استيفاء الغرض بالقضاء.

فإنّه يقال : هذا كذلك لو لا المزاحمة بمصلحة الوقت.

وأمّا تسويغ البدار أو إيجاب الانتظار في الصورة الاولى فيدور مدار كون العمل بمجرّد الاضطرار ـ مطلقا ، أو بشرط الانتظار ، أو مع اليأس عن طروء الاختيار ـ ذا مصلحة ووافيا بالغرض.

وإن لم يكن وافيا وقد أمكن تدارك الباقي في الوقت أو مطلقا ولو بالقضاء خارج الوقت ، فإن كان الباقي ممّا يجب تداركه فلا يجزئ ولا بدّ من إيجاب الإعادة أو القضاء ، وإلّا فيجزئ.

ولا مانع عن البدار في الصورتين ، غاية الأمر يتخيّر في الصورة الاولى بين البدار والإتيان بعملين ـ العمل الاضطراريّ في هذا الحال ، والعمل الاختياريّ بعد رفع الاضطرار ـ أو الانتظار (٤) والاقتصار بإتيان ما هو تكليف المختار ؛ وفي الصورة الثانية يتعيّن عليه استحباب البدار وإعادته بعد طروء الاختيار (٥).

__________________

(١) وهو المبادرة إلى إتيان المأمور به الاضطراريّ في أوّل وقت الاضطرار.

(٢) أي : صورة عدم الوفاء وعدم امكان تدارك الباقي. وذلك لأنّه مستلزم للإذن في تفويت مقدار من المصلحة ، وهو قبيح.

(٣) أي : في البدار ، كمصلحة أوّل الوقت.

(٤) والأولى أن يقول : «وبين الانتظار و...».

(٥) ما أثبتناه من العبارة مطابق للنسخة الأصليّة بعد التأمّل فيها ، وإن يحتمل ـ على ما يقتضي ظاهرها ـ تغيير العبارة وتبديلها بقوله : «يتعيّن عليه البدار ويستحبّ إعادته بعد طروء الاختيار». ـ

هذا كلّه فيما يمكن أن يقع عليه الاضطراريّ من الأنحاء (١).

وأمّا ما وقع عليه : فظاهر إطلاق دليله ـ مثل قوله تعالى : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ (٢) وقوله عليه‌السلام : «التراب أحد الطهورين» (٣) و «يكفيك عشر سنين» (٤) ـ هو الإجزاء وعدم وجوب الإعادة أو القضاء. ولا بدّ في إيجاب الإتيان به ثانيا من دلالة دليل بالخصوص.

وبالجملة : فالمتّبع هو الإطلاق لو كان ، وإلّا فالأصل ، وهو يقتضي البراءة من إيجاب الإعادة ، لكونه شكّا في أصل التكليف (٥) ؛ وكذا من

__________________

ـ وما أثبتناه موافق أيضا لما في حقائق الاصول للسيّد الحكيم ، كما أنّ العبارة الثانية توافق ما في كتاب الكفاية المحشّى بحاشية العلّامة القوچانيّ والمحشّى بحاشية العلّامة المشكينيّ.

والصحيح ما أثبتناه ، لأنّ البدار مستحبّ بلا ريب ، ولا معنى لتعيّنه على المكلّف. وعليه يكون معنى العبارة : أنّه يتعيّن على المكلّف أمران مستحبّان : (أحدهما) في حال الاضطرار ، وهو البدار ، لقوله تعالى : ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ﴾ البقرة / ١٤٨. و (ثانيهما) بعد طروء الاختيار ، وهو الإعادة لاستيفاء المصلحة غير الملزمة.

(١) وبعبارة اخرى : هذا كلّه في مقام الثبوت.

(٢) النساء / ٤٣ ، والمائدة / ٦.

(٣) هذا مفاد الروايات الواردة في الباب ، وإليك نصّها : «إنّ الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا». الوسائل ١ : ٩٩ ، الباب ١ من أبواب كتاب الطهارة ، الحديث ١.

(٤) عن أبي ذر ، أنّه أتى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال : يا رسول الله هلكت ، جامعت على غير ماء! قال : فأمر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمحمل ، فاستترت به وبماء ، فاغتسلت أنا وهي. ثمّ قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «يا أبا ذر! يكفيك الصعيد عشر سنين». وسائل الشيعة ٢ : ٩٨٤ ، الباب ١٤ من أبواب التيمّم ، الحديث ١٢.

(٥) وخالفه السيّد المحقّق الخوئيّ ، فقال : «لا يجوز التمسّك بأصالة البراءة. وذلك لأنّ رفع الاضطرار في أثناء الوقت ـ كما في المفروض في المقام ـ كاشف عن عدم تعلّق الأمر واقعا بالفعل الاضطراريّ ليكون الإتيان به مجزيا عن الواقع ، بل من الأوّل كان متعلّقا بالفعل الاختياريّ التامّ ، والمفروض عدم امتثاله ، فإذن لا نشكّ في وجوب الإتيان به لنتمسك بأصالة البراءة عنه». المحاضرات ٢ : ٢٣٦.

ولا يخفى : أنّ كلامه هذا يناقض ما ذكره تعليقا على أجود التقريرات ١ : ١٩٦ ، حيث قال : «فإن كان لدليل الأمر بالفعل الاضطراريّ إطلاق يقتضي جواز الاكتفاء به في مقام الامتثال ولو كان الاضطرار مرتفعا بعده فهو المرجع ، والّا فأصالة البراءة تقتضي عدم وجوب الإعادة ، ...». ـ

إيجاب (١) القضاء بطريق أولى. نعم ، لو دلّ دليله على أنّ سببه فوت الواقع ولو لم يكن هو فريضة كان القضاء واجبا عليه لتحقّق سببه وإن أتى بالغرض ، لكنّه مجرّد الفرض.

المقام الثاني : في إجزاء الإتيان بالمأمور به بالأمر الظاهريّ وعدمه (٢)

__________________

ـ والتحقيق : أنّ الأمر متعلّق بالطبيعة الّتي لها مصاديق مختلفة ، وللمكلّف أن يخيّر بينها ، غاية الأمر يكون فردها حال الاضطرار الفرد الاضطراريّ كما يكون فردها حال الاختيار الفرد الاختياريّ ، فله أن يخيّر بين الإتيان بالصلاة مع الطهارة الترابيّة فيما إذا طرأ عليه الاضطرار وبين الانتظار إلى زمان رفع الاضطرار والإتيان بالاختياريّ ، كما أنّ المكلّف مخيّر بين أن يأتي بالصلاة الثنائيّة حال السفر وبين أن ينتظر إلى أن يتمّ السفر قبل إتمام وقت الصلاة ويأتي بالرباعيّة.

وبالجملة : فلا يعقل بقاء الأمر مع الإتيان بالمأمور به الاضطراريّ ، فإنّه مصداق للطبيعة المأمور بها ، فلا مجال للتشكيك في الإجزاء ولا في عدم وجوب الإعادة.

(١) وفي بعض النسخ : «عن إيجاب» ، والصحيح ما أثبتناه ، وهو الموافق لما في النسخة الأصليّة.

(٢) وقبل الخوض في تحقيق المقام ينبغي تقديم مقدّمتين :

الاولى : في محلّ النزاع. وهو فيما إذا كان المأمور به والتكليف به معلوما ، وكان مركّبا ذا شرائط وموانع ، وقام الدليل على تحقّق جزء أو شرط أو عدم مانع أو على نفي جزئيّة جزء أو شرطيّة شرط أو مانعيّة مانع ، ثمّ انكشف أنّ المأمور به غير ما دلّ عليه الدليل ، فيقع الكلام في أنّ الإتيان بهذا المركّب مع ترك ما يعتبر فيه حسب ما يؤدّى إليه الأمارة أو الأصل هل يوجب الإجزاء عن المأمور به الواقعيّ أم لا؟ فلو قام أصل أو أمارة على عدم جزئيّة السورة ـ مثلا ـ في الصلاة ، فصلّى ولم يأت بالسورة ، ثمّ انكشف أنّ السورة جزء للصلاة فهل تكون الصلاة الفاقدة للسورة مجزئة عن الصلاة مع السورة أم لا؟

وأمّا إذا شكّ في أصل المأمور به والتكليف به ، وقام دليل على التكليف به أو على عدم التكليف به ثمّ انكشف خلافه ، فلا يدخل في محلّ النزاع ، ولا معنى للإجزاء فيه.

والظاهر من كلماتهم أنّ النزاع لا يختصّ بالشبهات الحكميّة ، بل يعمّ الشبهات الموضوعيّة ؛ بخلاف السيّد المحقّق الخوئيّ ، فإنّه صرّح باختصاص محلّ النزاع بالشبهات الحكميّة ، فراجع المحاضرات ٢ : ٢٦٠.

الثانية : في الفرق بين الأصل والأمارة. وهو ـ كما قيل ـ أنّ الأصل حكم كلّيّ مجعول للمكلّف في مقام العمل عند الحيرة والشكّ بلا نظر إلى الواقع ؛ والأمارة هي ما يدلّ على ثبوت الحكم واقعا في ظرف الشكّ في الواقع وأنّ مؤدّاها حكم واقعيّ تصحّ نسبته إلى الله ـ

والتحقيق : أنّ ما كان منه (١) يجري في تنقيح ما هو موضوع التكليف وتحقيق متعلّقه ، وكان بلسان تحقّق ما هو شرطه أو شطره ، كقاعدة الطهارة أو الحلّيّة ـ بل واستصحابهما في وجه قويّ (٢) ـ ونحوها (٣) بالنسبة إلى كلّ ما اشترط بالطهارة أو

__________________

ـ تعالى وتترتّب عليه آثار الواقع ظاهرا.

إذا عرفت هاتين المقدّمتين فاعلم أنّهم اختلفوا في إجزاء الإتيان بالمأمور به بالأمر الظاهريّ وعدمه على أقوال :

القول الأوّل : الإجزاء مطلقا ، في الاصول والأمارات. وهذا ما ذهب إليه المحقّق الاصفهانيّ بعد القول بسببيّة الأمارات. وذهب إليه السيّد البروجرديّ أيضا ، بل نسبه إلى الفقهاء إلى عصر الشيخ الأنصاريّ. بحوث في علم الاصول : ١٢٠ ـ ١٢٥ ، نهاية الاصول ١ : ١٢٩.

القول الثاني : عدم الإجزاء مطلقا. وهذا ما يظهر من الشيخ الأنصاريّ على ما في تقريرات درسه «مطارح الأنظار» : ٢١ ـ ٢٣. وذهب إليه المحقّق النائينيّ ـ قائلا أنّه مقتضى القواعد وإن ثبت الإجماع على الإجزاء في العبادات ـ ، فراجع فوائد الاصول ١ : ٢٤٦ ـ ٢٤٨ ، أجود التقريرات ١ : ١٩٧ ـ ١٩٩ و ٢٠٦.

القول الثالث : الإجزاء في خصوص الاصول الجارية لتنقيح موضوع التكليف وتحقيق متعلّقه ، كقاعدة الطهارة وأصالة الحلّيّة واستصحابهما ونحوها ، وعدم الإجزاء في الأمارات بناء على طريقيّتها. وهذا ما ذهب إلى المصنّف في المقام ، وتبعه السيّد الإمام الخمينيّ في مناهج الوصول ١ : ٣١٥ و ٣١٧.

القول الرابع : ما ذهب إليه المحقّق العراقيّ من عدم الإجزاء في الأمارات على الطريقيّة مطلقا ، وعلى الموضوعيّة كذلك إلّا فيما إذا كان مفاد دليل الأمارة بلسان تنزيل المؤدّى مع اقتضائه لتوسعة الأثر الّذي هو موضوع التكليف الواقعيّ حقيقة. والتفصيل بين الاصول المتكفّلة للتنزيل ـ كالاستصحاب وقاعدتي الطهارة والحلّيّة ـ فلا يقتضى الإجزاء ، والاصول غير المتكفّلة للتنزيل فيقتضي الإجزاء. نهاية الأفكار ١ : ٢٤٣ ـ ٢٥٥ ، مقالات الاصول ١ : ٢٨٠ ـ ٢٨٥.

القول الخامس : التفصيل بين القول بالطريقيّة في باب الأمارات والحجج والقول بالسببيّة. فعلى الأوّل مقتضى القاعدة عدم الإجزاء في موارد الاصول والأمارات ، وعلى الثاني مقتضاها الإجزاء كذلك. وهذا ما ذهب إليه السيّد المحقّق الخوئيّ على ما في المحاضرات ٢ : ٢٦٠.

(١) أي : من الأمر الظاهريّ.

(٢) وهو كون المجعول في الاستصحاب حكما ظاهريّا مماثلا للحكم الواقعيّ ، كما يأتي في مبحث الاستصحاب من الاصول العمليّة إن شاء الله.

(٣) أي : نحو قاعدة الطهارة وقاعدة الحلّيّة واستصحابيهما ، كقاعدة الفراغ والتجاوز.

الحلّيّة ، يجزئ ، فإنّ دليله (١) يكون حاكما على دليل الاشتراط ، ومبيّنا لدائرة الشرط ، وأنّه أعمّ من الطهارة الواقعيّة والظاهريّة ، فانكشاف الخلاف فيه لا يكون موجبا لانكشاف فقدان العمل لشرطه ، بل بالنسبة إليه يكون من قبيل ارتفاعه من حين ارتفاع الجهل (٢).

وهذا بخلاف ما كان منها بلسان أنّه ما هو الشرط واقعا ـ كما هو لسان الأمارات ـ ، فلا يجزئ ، فإنّ دليل حجّيّته حيث كان بلسان أنّه واجد لما هو شرطه الواقعيّ ، فبارتفاع الجهل ينكشف أنّه لم يكن كذلك ، بل كان لشرطه فاقدا.

هذا (٣) على ما هو الأظهر الأقوى في الطرق والأمارات من أنّ حجّيّتها ليست بنحو السببيّة.

__________________

(١) أي : دليل الأمر الظاهريّ الّذي كان بهذا النحو. والأنسب ـ بلحاظ قوله : «وأنّه أعمّ من الطهارة الواقعيّة والظاهريّة» ـ تأنيث الضمير وإرجاعها إلى قاعدة الطهارة.

(٢) توضيحه : أنّ أدلّة اشتراط الطهارة تتكفّل إثبات الشرطيّة للطهارة ودخلها في العمل المشترط بها ، ودليل قاعدة الطهارة «كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» يتكفّل لتوسعة صدق موضوع الشرطيّة المأخوذ في دليل الاشتراط ويبيّن أنّ الطهارة الظاهريّة أحد أفراد الموضوع المأخوذ في دليل الاشتراط ، فيكون المأتي به مع الطهارة الظاهريّة واجدا لشرط الطهارة واقعا في ظرف الشكّ ومجزيا عن الواقع لإتيانه بالمأمور به بشرطه ، فإذا زال الشكّ وعلم بالنجاسة وزالت الطهارة الظاهريّة لم ينكشف فقدان العمل لشرطه ، لأنّه واجد للشرط واقعا وهو الطهارة الظاهريّة ، بل انّما يكون من باب تبدّل الموضوع وارتفاع الشرط بارتفاع موضوعه من حيث زوال الشكّ.

وبالجملة : فدليل قاعدة الطهارة ـ وهي قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء طاهر ...» ـ حاكم على أدلّة الاشتراط ـ أعني قوله عليه‌السلام : «لا صلاة إلّا بطهور» ونحوه ـ ، لأنّه يوجب التوسعة في موضوعها.

ولا يخفى : أنّ الحكومة المدّعاة لا تختصّ بقاعدة الطهارة ، بل دليل قاعدة الحلّيّة أيضا حاكم عليها كما أنّ استصحابيهما أيضا حاكم عليها.

ثمّ أورد المحقّق النائينيّ على دعوى الحكومة بوجوه من النقض والحلّ. وتعرّض لها السيّد الإمام الخمينيّ ثمّ ناقش فيها. فراجع فوائد الاصول ١ : ٢٤٩ ـ ٢٥١ ، ومناهج الوصول ١ : ٣١٨ ـ ٣١٩.

(٣) أي : عدم الإجزاء في الأمارات.

وأمّا بناء عليها ـ وأنّ العمل بسبب أداء أمارة إلى وجدان شرطه أو شطره يصير حقيقة صحيحا كأنّه واجد له مع كونه فاقده ـ فيجزئ لو كان الفاقد معه (١) في هذا الحال كالواجد في كونه وافيا بتمام الغرض ؛ ولا يجزئ لو لم يكن كذلك ، ويجب الإتيان بالواجد لاستيفاء الباقي إن وجب ، وإلّا لاستحبّ. هذا مع إمكان استيفائه ، وإلّا فلا مجال لإتيانه ـ كما عرفت في الأمر الاضطراريّ ـ. ولا يخفى أنّ قضيّة إطلاق دليل الحجّيّة على هذا (٢) هو الاجتزاء بموافقته أيضا.

هذا فيما إذا احرز أنّ الحجيّة بنحو الكشف والطريقيّة أو بنحو الموضوعيّة والسببيّة.

وأمّا إذا شكّ ولم يحرز أنّها على أيّ الوجهين ، فأصالة عدم الإتيان بما يسقط معه التكليف (٣) مقتضية للإعادة في الوقت (٤).

__________________

(١) أي : مع كونه فاقدا. والأولى أن يقول : «لو كان الفاقد له في هذا الحال ...».

(٢) أي : على القول بالسببيّة.

(٣) لا يخفى : أنّ في مراده من الأصل في كلامه هذا وجوه :

الأوّل : أن يكون المراد منه الاستصحاب الحكميّ ـ أعني استصحاب اشتغال الذمّة ونفس بقاء التكليف ـ ، كما يظهر من نهاية الدراية ١ : ٢٨٣ ، وحاشية العلّامة المشكينيّ على الكفاية (المطبوعة بالطبع الحجريّ) ١ : ١٣٤.

الثاني : أن يكون المراد منه الاشتغال العقليّ بعد العلم بأصل التكليف الإلزاميّ في الوقت.

الثالث : أن يكون المراد منه الاستصحاب الموضوعي الّذي يثبت به بقاء التكليف ، بمعنى أنّا نعلم ثبوت الحكم الواقعيّ قبل الإتيان بمؤدّى الأمارة ، وبعد الإتيان بمؤدّاها وانكشاف الخلاف نشكّ في بقائه وارتفاعه من جهة الشكّ في كون المأتي به مسقطا وعدمه ، فنستصحب عدم الإتيان بما هو مسقط للتكليف ، فيترتّب عليه بقاء التكليف.

والأولى حمل كلامه على الوجه الأخير لما يأتي من تقديم الاستصحاب على سائر الاصول العمليّة وتقديم الاستصحاب الموضوعيّ على الاستصحاب الحكميّ.

(٤) وأورد عليه السيّد المحقّق الخوئيّ وذهب إلى أنّ مقتضى القاعدة فيما إذا شكّ في أنّ اعتبار الأمارة على نحو السببيّة أو على نحو الطريقيّة هو الإجزاء إعادة وقضاء. المحاضرات ٢ : ٢٧٨ ـ ٢٨٠.

واستصحاب عدم كون التكليف بالواقع فعليّا في الوقت لا يجدي (١) ولا يثبت كون ما أتى به مسقطا ، إلّا على القول بالأصل المثبت (٢) ، وقد علم اشتغال ذمّته بما يشكّ في فراغها عنه بذلك المأتي.

وهذا بخلاف ما إذا علم أنّه مأمور به واقعا وشكّ في أنّه يجزئ عمّا هو المأمور به الواقعيّ الأوّليّ ـ كما في الأوامر الاضطراريّة أو الظاهريّة ، بناء على أن تكون الحجّيّة على نحو السببيّة ـ ، فقضيّة الأصل فيها ـ كما أشرنا إليه ـ عدم وجوب الإعادة ، للإتيان بما اشتغلت به الذمّة يقينا ، وأصالة عدم فعليّة التكليف الواقعيّ بعد رفع الاضطرار وكشف الخلاف.

وأمّا القضاء فلا يجب ، بناء على أنّه فرض جديد ، وكان الفوت المعلّق عليه وجوبه لا يثبت بأصالة عدم الإتيان إلّا على القول بالأصل المثبت ، وإلّا فهو واجب ، كما لا يخفى على المتأمّل ، فتأمّل جيّدا.

ثمّ إنّ هذا كلّه فيما يجري في متعلّق التكاليف من الأمارات الشرعيّة والاصول العمليّة.

وأمّا ما يجري في إثبات أصل التكليف ـ كما إذا قام الطريق أو الأصل على وجوب صلاة الجمعة يومها في زمان الغيبة ، فانكشف بعد أدائها وجوب صلاة الظهر في زمانها ـ فلا وجه لإجزائها مطلقا ؛ غاية الأمر أن تصير صلاة الجمعة فيها (٣) أيضا ذات مصلحة لذلك (٤) ؛ ولا ينافي هذا بقاء صلاة الظهر على ما هي عليه من المصلحة كما لا يخفى ، إلّا أن يقوم دليل بالخصوص على عدم وجوب صلاتين في يوم واحد.

__________________

(١) هكذا في بعض النسخ المخطوطة والمطبوعة. وأمّا في النسخة الأصليّة فهكذا : «فعليّا لا يجدى ...».

(٢) لأنّ كون ما أتى به مسقطا ليس من اللوازم الشرعيّة للمستصحب ـ أي عدم كون التكليف بالواقع فعليّا في الوقت ـ ، بل هو من لوازمه العقليّة.

(٣) أي : في الغيبة. والأولى أن يقول : «فيه» حتّى يرجع الضمير إلى زمان الغيبة.

(٤) أي : لأجل قيام الأمارة أو الأصل على وجوبها.

تذنيبان (١)

الأوّل : [عدم الإجزاء فيما إذا يتبدّل القطع]

لا ينبغي توهّم الإجزاء في القطع بالأمر في صورة الخطأ ، فإنّه لا يكون موافقة للأمر فيها ، وبقي الأمر بلا موافقة أصلا ، وهو أوضح من أن يخفى (٢).

نعم ، ربما يكون ما قطع بكونه مأمورا به مشتملا على المصلحة في هذا الحال (٣) أو على مقدار منها ولو في غير الحال غير ممكن مع استيفائه (٤) استيفاء الباقي منها ، ومعه لا يبقى مجال لامتثال الأمر الواقعيّ (٥) ، وهكذا الحال في الطرق. فالإجزاء ليس لأجل اقتضاء امتثال الأمر القطعيّ أو الطريقيّ للإجزاء ، بل إنّما هو لخصوصيّة اتّفاقيّة في متعلّقهما ، كما في الإتمام والقصر والإخفات والجهر.

الثاني : [عدم الملازمة بين الإجزاء والتصويب] (٦)

لا يذهب عليك أنّ الإجزاء في بعض موارد الاصول والطرق والأمارات ـ على ما عرفت تفصيله ـ لا يوجب التصويب المجمع على بطلانه في تلك الموارد ، فإنّ الحكم الواقعيّ بمرتبته محفوظ فيها (٧) ، فإنّ الحكم المشترك بين العالم والجاهل والملتفت والغافل ليس إلّا الحكم الإنشائيّ المدلول عليه بالخطابات المشتملة على بيان الأحكام للموضوعات بعناوينها الأوّليّة بحسب

__________________

(١) التذنيب هو جعل الشيء. والذناب : عقيب كلّ شيء.

(٢) لأنّ القطع لا يوجب تحقّق الأمر ، لا واقعا ولا ظاهرا ، فلا يكون في البين إلّا تخيّل ثبوت الحكم.

(٣) أي : حال القطع.

(٤) أي : استيفاء ذلك المقدار من المصلحة.

(٥) فلا يجب الإتيان بالواقع حينئذ.

(٦) الغرض من عقد هذا التذنيب دفع توهّم ملازمة القول بالإجزاء للتصويب.

وحاصل التوهّم : أنّ الإجزاء يرجع إلى كون الواقع هو مؤدّى الأمارة ، وهو التصويب الّذي ثبت بطلانه بالإجماع ، فالإجزاء باطل ، لأنّه ملازم للتصويب الباطل.

(٧) أي في موارد الإجزاء.

ما يكون فيها من المقتضيات ، وهو ثابت في تلك الموارد كسائر موارد الأمارات. وإنّما المنفيّ فيها ليس إلّا الحكم الفعليّ البعثيّ ، وهو منفيّ في غير موارد الإصابة وإن لم نقل بالإجزاء. فلا فرق بين الإجزاء وعدمه إلّا في سقوط التكليف بالواقع بموافقة الأمر الظاهريّ وعدم سقوطه بعد انكشاف عدم الإصابة. وسقوط التكليف بحصول غرضه أو لعدم إمكان تحصيله غير التصويب المجمع على بطلانه ـ وهو خلوّ الواقعة عن الحكم غير ما أدّت إليه الأمارة (١) ـ. كيف! وكان الجهل بها بخصوصيّتها (٢) أو بحكمها (٣) مأخوذا في موضوعها (٤) ، فلا بدّ من أن يكون الحكم الواقعيّ بمرتبته محفوظا فيها (٥) ، كما لا يخفى.

__________________

(١) لا يخفى : أنّ التصويب الباطل على نحوين :

الأوّل : ما ينسب إلى الأشاعرة. وهو أن يفرض أن لا حكم ثابتا في نفسه يشترك فيه العالم والجاهل ، بل الشارع ينشئ أحكامه على طبق ما تؤدّي إليه آراء المجتهدين.

الثاني : ما ينسب إلى المعتزلة. وهو أن تكون هناك أحكام واقعيّة ثابتة في نفسها يشترك فيها العالم والجاهل ، ولكن رأي المجتهد يؤثّر في تبدّل عنوان موضوع الحكم أو متعلّقة ، فتحدث على وفق ما أدّى إليه رأيه مصلحة غالبة على مصلحة الواقع ، فينشئ الشارع أحكاما ظاهريّة ثانويّة غير الأحكام الواقعيّة. ومعناه خلوّ الواقع عن الحكم غير ما أدّت إليه الأمارة.

فما ذكره المصنّف في المقام هو التصويب المنسوب إلى المعتزلة.

(٢ و ٣) أي : الواقعة.

(٤ و ٥) أي : الأمارات.