درس کفایة الاصول - بخش اول (فشرده)

جلسه ۲۴: جلسه ۲۴

 

[٤ ـ تقسيمها إلى المتقدّمة والمقارنة والمتأخّرة]

ومنها : تقسيمها إلى المتقدّم والمقارن والمتأخّر (١) بحسب الوجود بالإضافة إلى ذي المقدّمة.

وحيث إنّها كانت من أجزاء العلّة ـ ولا بدّ من تقدّمها بجميع أجزائها على المعلول ـ اشكل الأمر في المقدّمة المتأخّرة ، كالأغسال الليليّة المعتبرة في صحّة صوم المستحاضة عند بعض (٢) ، والإجازة في صحّة العقد على الكشف كذلك (٣) ؛ بل في الشرط أو المقتضي المتقدّم على المشروط زمانا المتصرّم حينه ، كالعقد في الوصيّة والصرف والسلم (٤) ؛ بل في كلّ عقد بالنسبة إلى غالب أجزائه ، لتصرّمها حين تأثيره مع ضرورة اعتبار مقارنتها معه (٥) زمانا. فليس إشكال انخرام القاعدة العقليّة مختصّا بالشرط المتأخّر في الشرعيّات ـ كما اشتهر في الألسنة ـ ، بل يعمّ الشرط والمقتضي المتقدّمين المتصرّمين حين الأثر.

والتحقيق في رفع هذا الإشكال أن يقال : إنّ الموارد الّتي توهّم انخرام القاعدة فيها لا يخلو : إمّا أن يكون المتقدّم أو المتأخّر شرطا للتكليف أو الوضع ، أو للمأمور به.

__________________

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «تقسيمها إلى المتقدّمة والمقارنة والمتأخّرة».

المقدّمة المتقدّمة كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة ، والمقارنة كالاستقبال للصلاة ، والمتأخّرة كالأغسال الليليّة المعتبرة عند بعض في صحّة صوم المستحاضة في اليوم السابق.

(٢) كالمحقّق في الشرائع ١ : ١٩٧ ، وابن ادريس في السرائر ١ : ٤٠٧.

(٣) قال الشيخ الأعظم الأنصاريّ : «إن كاشفيّة الإجازة على وجوه ثلاثة. قال بكلّ منها قائل.

أحدها ـ وهو المشهور ـ الكشف الحقيقيّ والتزام كون الإجازة شرطا متأخّرا ، ولذا اعترضهم جمال المحقّقين في حاشيته على الروضة بأنّ الشرط لا يتأخّر». المكاسب : ١٣٣.

(٤) فإنّ حصول الملكيّة فيها انّما يكون بعد القبض ، ولا وجود للعقد حين القبض ، فيلزم تأثير المعدوم في الوجود.

(٥) أي : مقارنة أجزاء العقد مع التأثير.

وفي بعض النسخ : «اعتبار مقارنتهما معه». والصحيح ما أثبتناه.

أمّا الأوّل : فكون أحدهما شرطا له ليس إلّا أنّ للحاظه دخلا في تكليف الآمر ، كالشرط المقارن بعينه ، فكما أنّ اشتراطه بما يقارنه ليس إلّا أنّ لتصوّره دخلا في أمره بحيث لولاه لما كاد يحصل له الداعي إلى الأمر ، كذلك المتقدّم أو المتأخّر.

وبالجملة : حيث كان الأمر من الأفعال الاختياريّة ، كان من مبادئه ـ بما هو كذلك ـ تصوّر الشيء بأطرافه ليرغب في طلبه والأمر به ، بحيث لولاه لما رغب فيه ، ولما أراده واختاره ، فيسمّى كلّ واحد من هذه الأطراف ـ الّتي لتصوّرها دخل في حصول الرغبة فيه وإرادته ـ : «شرطا» ، لأجل دخل لحاظه في حصوله ، كان مقارنا له أو لم يكن كذلك ، متقدّما أو متأخّرا ، فكما في المقارن يكون لحاظه في الحقيقة شرطا ، كان فيهما كذلك ، فلا إشكال.

وكذا الحال في شرائط الوضع مطلقا ، ولو كان مقارنا ، فإنّ دخل شيء في الحكم به وصحّة انتزاعه لدى الحاكم به ليس إلّا ما كان بلحاظه يصحّ انتزاعه ، وبدونه لا يكاد يصحّ اختراعه عنده ، فيكون دخل كلّ من المقارن وغيره بتصوّره ولحاظه ، وهو (١) مقارن. فأين انخرام القاعدة العقليّة في غير المقارن؟ فتأمّل تعرف (٢).

__________________

(١) أي : تصوّره ولحاظه.

(٢) وأورد عليه المحقّق النائينيّ بما حاصله : أنّ رجوع شرائط الحكم إلى التصوّر انّما يتمّ فيما إذا كان الحكم المنشأ بنحو القضيّة الخارجيّة ، لا فيما إذا كان بنحو القضيّة الحقيقيّة ، فإنّ المؤثّر في ثبوت الحكم في القضايا الخارجيّة هو علم المولى بتحقّق الموضوع وإن لم يكن في الواقع ثابتا ، وأمّا القضايا الحقيقيّة ـ الّتي ينشأ الحكم فيها على موضوع مقدّر الوجود ـ فالمؤثّر في ثبوت الحكم من حيث الموضوع هو وجود الموضوع في الخارج ، سواء علم به المولى أو لم يعلم ، لأنّ الحكم ينشأ على تقدير ثبوت الموضوع واقعا. وموضع البحث في الشرط المتأخّر هو الأحكام المنشأة بنحو القضيّة الحقيقيّة ، لا الأحكام المنشأة بنحو القضيّة الخارجيّة. فما ذكره المصنّف خلط بين النحوين من القضايا.

وهذا الإيراد تعرّض له السيّد المحقّق الخوئيّ ودفعه ، ثمّ حاول وجها آخر في تصحيح الشرط المتأخّر. وحاصله : أنّ باب الأحكام الشرعيّة باب الاعتبارات ، وهو أجنبيّ عن باب التأثير والتأثّر ، كما أنّه لا مانع من تقييدها بأمر مقارن أو متقدّم ، ضرورة أنّ مردّ تقييده بأمر متأخّر هو أنّه بوجوده المتأخّر يكشف عن وجود الواجب في ظرفه. المحاضرات ٢ : ٣٠٧ ـ ٣١٥. ـ

وأمّا الثاني : فكون شيء شرطا للمأمور به ليس إلّا ما يحصل لذات المأمور به بالإضافة إليه وجه وعنوان به يكون حسنا أو متعلّقا للغرض بحيث لولاها (١) لما كان كذلك. واختلاف الحسن والقبح والغرض باختلاف الوجوه والاعتبارات الناشئة من الإضافات ممّا لا شبهة فيه ولا شكّ يعتريه. والإضافة كما تكون إلى المقارن تكون إلى المتأخّر أو المتقدّم بلا تفاوت أصلا ، كما لا يخفى على المتأمّل. فكما تكون إضافة شيء إلى مقارن له موجبا لكونه معنونا بعنوان يكون بذلك العنوان حسنا ومتعلّقا للغرض ، كذلك إضافته إلى متأخّر أو متقدّم ، بداهة أنّ الإضافة إلى أحدهما ربما توجب ذلك أيضا ، فلو لا حدوث المتأخّر في محلّه لما كانت للمتقدّم تلك الإضافة الموجبة لحسنه الموجب لطلبه والأمر به ، كما هو الحال في المقارن أيضا ، ولذلك اطلق عليه الشرط مثله (٢) بلا انخرام للقاعدة أصلا ، لأنّ المتقدّم أو المتأخّر كالمقارن ليس إلّا طرف الإضافة الموجبة للخصوصيّة الموجبة للحسن ، وقد حقّق في محلّه أنّه بالوجوه والاعتبارات (٣) ، ومن الواضح أنّها تكون بالإضافات. فمنشأ توهّم الانخرام إطلاق الشرط على المتأخّر ؛ وقد عرفت أنّ إطلاقه عليه فيه كإطلاقه على المقارن إنّما يكون لأجل كونه طرفا للإضافة الموجبة للوجه الّذي يكون بذاك الوجه مرغوبا ومطلوبا ، كما

__________________

ـ ثمّ إنّ المحقّق العراقيّ حاول تصحيح الشرط المتأخّر بالتصرّف في معنى الشرط. وحاصله : أنّ الشرط ليس جزءا دخيلا في الأثر ، بل الشرط هو طرف ما يحدّد المقتضي وتحصل به الخصوصيّة اللازمة لتأثير المقتضي. فهو طرف إضافة وتحديد بها تحصل الفاعليّة للفاعل. ولا يمتنع أن يكون طرف الإضافة من الامور المتأخّرة بعد ما كانت الإضافة مقارنة ولم يكن للأمر المتأخّر أيّ تأثير. نهاية الأفكار ١ : ٢٧٩ ـ ٢٨٠ ، بدائع الأفكار ١ : ٣٢٠ ـ ٣٢١.

ولكن السيّد الإمام الخمينيّ ـ بعد ما تعرّض لما ذكره المحقّق العراقيّ تصحيحا للشرط المتأخّر ـ ناقش فيه من وجوه. ثمّ تصدّى لدفع الإشكال بوجهين آخرين ، ثانيهما أنّ موضوعات الأحكام وشرائطها كلّها تكون عرفيّة ، لا عقليّة ، والعرف يرى إمكان التقييد والإضافة بالأمر المتأخّر ، ولو كان العقل لا يساعد عليه ، كما هو الحال في سائر الموضوعات الشرعيّة. راجع تمام كلامه في مناهج الوصول ١ : ٢٣٨ ـ ٢٤٣.

(١) أي : لو لا الإضافة إليه.

(٢) أي : مثل المقارن.

(٣) راجع شرح تجريد الاعتقاد : ٣٠٢.

كان في الحكم لأجل دخل تصوّره فيه كدخل تصوّر سائر الأطراف والحدود الّتي لو لا لحاظها لما حصل له الرغبة في التكليف ، أو لما صحّ عنده الوضع.

وهذه خلاصة ما بسطناه من المقال في دفع هذا الإشكال في بعض فوائدنا (١) ، لم يسبقني إليه أحد فيما أعلم ، فافهم واغتنم.

ولا يخفى : أنّها بجميع أقسامها داخلة في محلّ النزاع ، وبناء على الملازمة يتّصف اللاحق بالوجوب كالمقارن والسابق ، إذ بدونه لا تكاد تحصل الموافقة ، ويكون سقوط الأمر بإتيان المشروط به مراعى بإتيانه ، فلو لا اغتسالها في الليل ـ على القول بالاشتراط ـ لما صحّ الصوم في اليوم.

الأمر الثالث

في تقسيمات الواجب

[١ ـ الواجب المطلق والواجب المشروط]

منها : تقسيمه إلى المطلق والمشروط.

وقد ذكر لكلّ منهما تعريفات وحدود تختلف بحسب ما اخذ فيها من القيود ، وربما اطيل الكلام بالنقض والإبرام في النقض على الطرد والعكس (٢) ، مع أنّها ـ كما لا يخفى ـ تعريفات لفظيّة لشرح الاسم ، وليست بالحدّ ولا بالرسم.

والظاهر أنّه ليس لهم اصطلاح جديد في لفظ المطلق والمشروط ، بل يطلق كلّ منهما بما له من معناه العرفيّ. كما أنّ الظاهر أنّ وصفي الإطلاق والاشتراط وصفان إضافيّان ، لا حقيقيّان ، وإلّا لم يكد يوجد واجب مطلق ، ضرورة اشتراط وجوب كلّ واجب ببعض الامور ، لا أقلّ من الشرائط العامّة ، كالبلوغ والعقل.

فالحريّ أن يقال : إنّ الواجب مع كلّ شيء يلاحظ معه ، إن كان وجوبه غير

__________________

(١) راجع فوائد الاصول (للمصنّف) : ٥٧.

(٢) راجع مطارح الأنظار : ٤٣ ، بدائع الأفكار (للمحقّق الرشتيّ) : ٣٠٤.

مشروط به فهو مطلق بالإضافة إليه ، وإلّا فمشروط كذلك ، وإن كانا بالقياس إلى شيء آخر كانا بالعكس.

[الشرط من قيود الهيئة]

ثمّ الظاهر أنّ الواجب المشروط ـ كما أشرنا إليه ـ نفس الوجوب فيه مشروط بالشرط ، بحيث لا وجوب حقيقة ولا طلب واقعا قبل حصول الشرط ، كما هو ظاهر الخطاب التعليقيّ ، ضرورة أنّ ظاهر خطاب «إن جاءك زيد فأكرمه» كون الشرط من قيود الهيئة وأنّ طلب الإكرام وإيجابه معلّق على المجيء ؛ لا أنّ الواجب فيه يكون مقيّدا به ـ بحيث يكون الطلب والإيجاب في الخطاب فعليّا ومطلقا ، وإنّما الواجب يكون خاصّا ومقيّدا ـ ، وهو الإكرام على تقدير المجيء ، فيكون الشرط من قيود المادّة لا الهيئة ، كما نسب ذلك إلى شيخنا العلّامة رحمه‌الله مدّعيا لامتناع كون الشرط من قيود الهيئة واقعا ، ولزوم كونه من قيود المادّة لبّا ، مع الاعتراف بأنّ قضيّة القواعد العربيّة أنّه من قيود الهيئة ظاهرا.

أمّا امتناع كونه من قيود الهيئة : فلأنّه لا إطلاق في الفرد الموجود من الطلب المتعلّق بالفعل المنشأ بالهيئة حتّى يصحّ القول بتقييده بشرط ونحوه ، فكلّ ما يحتمل رجوعه إلى الطلب الّذي يدلّ عليه الهيئة فهو عند التحقيق راجع إلى نفس المادّة.

وأمّا لزوم كونه من قيود المادّة لبّا : فلأنّ العاقل إذا توجّه إلى شيء والتفت إليه فإمّا أن يتعلّق طلبه به ، أو لا يتعلّق به طلبه أصلا. لا كلام على الثاني. وعلى الأوّل ، فإمّا أن يكون ذاك الشيء موردا لطلبه وأمره مطلقا على اختلاف طوارئه أو على تقدير خاصّ ؛ وذلك التقدير تارة يكون من الامور الاختياريّة ، واخرى لا يكون كذلك ؛ وما كان من الامور الاختياريّة قد يكون مأخوذا فيه على نحو يكون موردا للتكليف ، وقد لا يكون كذلك على اختلاف الأغراض الداعية إلى طلبه والأمر به ، من غير فرق في ذلك بين القول بتبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد والقول بعدم التبعيّة ، كما لا يخفى.

هذا موافق لما أفاده بعض الأفاضل المقرّر لبحثه (١) بأدنى تفاوت (٢).

ولا يخفى ما فيه :

أمّا حديث عدم الإطلاق في مفاد الهيئة : فقد حقّقناه سابقا (٣) أنّ كلّ واحد من الموضوع له والمستعمل فيه في الحروف يكون عامّا كوضعها ، وإنّما الخصوصيّة من قبل الاستعمال كالأسماء ؛ وإنّما الفرق بينهما أنّها وضعت لتستعمل وقصد بها المعنى بما هو هو ، والحروف وضعت لتستعمل وقصد بها معانيها بما هي آلة وحالة لمعاني المتعلّقات ؛ فلحاظ الآليّة كلحاظ الاستقلاليّة ليس من طوارئ المعنى ، بل من مشخّصات الاستعمال ـ كما لا يخفى على اولي الدراية والنهى ـ ؛ فالطلب المفاد من الهيئة المستعملة فيه مطلق قابل لأنّ يقيّد.

مع أنّه لو سلّم أنّه (٤) فرد فإنّما يمنع عن التقييد لو انشئ أوّلا غير مقيّد ، لا ما إذا انشئ من الأوّل مقيّدا ، غاية الأمر قد دلّ عليه بدالّين ، وهو غير إنشائه أوّلا ثمّ تقييده ثانيا ، فافهم.

فإن قلت : على ذلك يلزم تفكيك الإنشاء من المنشأ حيث لا طلب قبل

__________________

(١) هو المحقّق الشيخ أبو القاسم النوريّ الكلانتريّ.

(٢) مطارح الأنظار : ٤٩.

وقد تنكر صحّة نسبة رجوع القيد إلى المادّة إلى الشيخ الأنصاريّ. وذلك لما ذكره في كتاب المكاسب : ١٠٠ (مبحث جواز التعليق في العقود) من أنّه لو لا الإجماع لكان مقتضى القواعد صحّة التعليق في العقد. وهذا ينافي عدم صحّة رجوع القيد إلى الهيئة ، لأنّ الإنشاء مدلول الهيئة ، فكيف يصحّ تعليقه ثبوتا؟

ويمكن دفع التنافي بأنّه لم يدّع صحّة تعليق نفس الإنشاء الّذي هو مدلول الهيئة ، بل ادّعى صحّة تعليق المنشأ الّذي هو مدلول المادّة ، فلا تنافي بين الالتزام بعدم صحّة رجوع القيد إلى الهيئة والالتزام بصحّة التعليق في العقود.

نعم ، يمكن تأييد عدم صحّة النسبة إليه بما يأتي من أنّه ذهب إلى تقييد المادّة عند الدوران بين رجوع القيد إلى الهيئة أو المادّة ، فراجع مطارح الأنظار : ٤٩.

(٣) في الأمر الثاني من الامور المذكورة في المقدّمة : ٢٨ ـ ٣١.

(٤) أي : الطلب المفاد من الهيئة.

حصول الشرط.

قلت : المنشأ إذا كان هو الطلب على تقدير حصوله فلا بدّ أن لا يكون قبل حصوله طلب وبعث ، وإلّا لتخلّف عن إنشائه ، وإنشاء أمر على تقدير كالإخبار به بمكان من الإمكان ، كما يشهد به الوجدان ، فتأمّل جيّدا (١).

وأمّا حديث لزوم رجوع الشرط إلى المادّة لبّا : ففيه أنّ الشيء إذا توجّه إليه وكان موافقا للغرض بحسب ما فيه من المصلحة أو غيرها فكما يمكن أن يبعث فعلا إليه ويطلبه حالا لعدم مانع عن طلبه ، كذلك يمكن أن يبعث إليه معلّقا ويطلبه استقبالا على تقدير شرط متوقّع الحصول لأجل مانع عن الطلب والبعث فعلا قبل حصوله ، فلا يصحّ منه إلّا الطلب والبعث معلّقا بحصوله ، لا مطلقا ولو متعلّقا بذاك على التقدير (٢) ، فيصحّ منه طلب الإكرام بعد مجيء زيد ، ولا يصحّ منه الطلب المطلق الحالي للإكرام المقيّد بالمجيء.

هذا (٣) بناء على تبعيّة الأحكام لمصالح فيها في غاية الوضوح.

وأمّا بناء على تبعيّتها للمصالح والمفاسد في المأمور بها والمنهيّ عنها فكذلك ، ضرورة أنّ التبعيّة كذلك إنّما تكون في الأحكام الواقعيّة بما هي واقعيّة (٤) ، لا بما هي فعليّة ، فإنّ المنع عن فعليّة تلك الأحكام غير عزيز (٥) ، كما في موارد

__________________

(١) وأورد عليه السيّد المحقّق الخوئيّ بأنّ ما أفاده المصنّف في الجواب عن الإشكال مصادرة ظاهرة ، لأنّ الكلام هنا في إمكان كون الايجاد حاليّا والوجود استقباليّا وعدم إمكانه ، فكيف يمكن أن يستدلّ على إمكانه بنفس ذلك. محاضرات في اصول الفقه ٢ : ٣٢٢.

ثمّ إنّ المحقّق النائينيّ ـ بعد ما أنكر رجوع القيد إلى الهيئة وأنكر رجوعه إلى المادّة بالمعنى الّذي يظهر من تقريرات درس الشيخ من كون القيد قيدا للواجب مع كون الواجب فعليّا ـ التزم برجوع القيد إلى المادّة المنتسبة ، بمعنى أنّ القيد يطرأ على المادّة من حيث ورود النسبة عليها ، أي بما هي منتسبة إلى الفاعل. أجود التقريرات ١ : ١٣٠ ـ ١٣١.

(٢) أي : ولو متعلّقا بذاك الشيء الّذي توجّه إليه وكان موافقا للغرض على تقدير حصول الشرط.

(٣) أي : رجوع القيد إلى الطلب المفاد من الهيئة.

(٤) أي : الأحكام الإنشائيّة.

(٥) أي : المنع عن فعليّة الأحكام الواقعيّة الإنشائيّة غير عزيز. فلا تلازم بين الإنشائيّة والفعليّة.

الاصول والأمارات على خلافها ، وفي بعض الأحكام في أوّل البعثة ، بل إلى يوم قيام القائم عجّل الله فرجه ، مع أنّ حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة (١). ومع ذلك ربما يكون المانع عن فعليّة بعض الأحكام باقيا مرّ الليالي والأيّام إلى أن تطلع شمس الهداية ويرتفع الظلام ، كما يظهر من الأخبار المرويّة عن الأئمّة عليهم‌السلام (٢).

فإن قلت : فما فائدة الإنشاء إذا لم يكن المنشأ به طلبا فعليّا وبعثا حاليّا.

قلت : كفى فائدة له أنّه يصير بعثا فعليّا بعد حصول الشرط ، بلا حاجة إلى خطاب آخر ، بحيث لولاه لما كان فعلا متمكّنا من الخطاب. هذا مع شمول الخطاب كذلك (٣) للإيجاب فعلا بالنسبة إلى الواجد للشرط ، فيكون بعثا فعليّا بالإضافة إليه ، وتقديريّا بالنسبة إلى الفاقد له ، فافهم وتأمّل جيّدا.

[دخول المقدّمات الوجوديّة للواجب المشروط في محلّ النزاع]

ثمّ الظاهر دخول المقدّمات الوجوديّة للواجب المشروط في محلّ النزاع أيضا ، فلا وجه لتخصيصه بمقدّمات الواجب المطلق ، غاية الأمر تكون في الإطلاق والاشتراط تابعة لذي المقدّمة ، كأصل الوجوب ، بناء على وجوبها من باب الملازمة.

وأمّا الشرط المعلّق عليه الإيجاب في ظاهر الخطاب (٤) فخروجه ممّا لا شبهة فيه ولا ارتياب. أمّا على ما هو ظاهر المشهور والمنصور فلكونه مقدّمة وجوبيّة. وأمّا على المختار لشيخنا العلّامة رحمه‌الله فلأنّه وإن كان من المقدّمات الوجوديّة للواجب إلّا أنّه اخذ على نحو لا يكاد يترشّح عليه الوجوب منه ، فإنّه جعل الشيء

__________________

(١) راجع وسائل الشيعة ١٨ : ١٢٤ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٤٧.

(٢) راجع بحار الأنوار ٥٢ : ٣٢٥.

(٣) أي : الخطاب المشروط بالشرط.

(٤) أي : المقدّمة الوجوبيّة.

واجبا على تقدير حصول ذاك الشرط ، فمعه (١) كيف يترشّح عليه الوجوب ويتعلّق به الطلب؟ وهل هو إلّا طلب الحاصل؟

نعم ، على مختاره قدس‌سره لو كانت له مقدّمات وجوديّة غير معلّق عليها وجوبه لتعلّق بها الطلب في الحال على تقدير اتّفاق وجود الشرط في الاستقبال. وذلك لأنّ إيجاب ذي المقدّمة على ذلك حاليّ ، والواجب إنّما هو استقباليّ ـ كما يأتي في الواجب المعلّق ـ ، فإنّ الواجب المشروط على مختاره هو بعينه ما اصطلح عليه صاحب الفصول رحمه‌الله من المعلّق ، فلا تغفل.

هذا في غير المعرفة والتعلّم من المقدّمات.

وأمّا المعرفة : فلا يبعد القول بوجوبها ـ حتّى في الواجب المشروط بالمعنى المختار ـ قبل حصول شرطه ، لكنّه لا بالملازمة ، بل من باب استقلال العقل بتنجّز الأحكام على الأنام بمجرّد قيام احتمالها إلّا مع الفحص واليأس عن الظفر بالدليل على التكليف ، فيستقلّ بعده بالبراءة ، وأنّ العقوبة على المخالفة بلا حجّة وبيان ، والمؤاخذة عليها بلا برهان ، فافهم.

تذنيب : [في كيفيّة إطلاق الواجب على الواجب المشروط]

لا يخفى : أنّ إطلاق الواجب على الواجب المشروط بلحاظ حال حصول الشرط على الحقيقة مطلقا (٢).

وأمّا بلحاظ حال قبل حصوله : فكذلك ـ على الحقيقة ـ على مختاره قدس‌سره في الواجب المشروط ، لأنّ الواجب وإن كان أمرا استقباليّا عليه (٣) إلّا أنّ تلبّسه بالوجوب في الحال. ومجاز على المختار ، حيث لا تلبّس بالوجوب عليه قبله ، كما عن البهائيّ رحمه‌الله تصريحه بأنّ لفظ الواجب مجاز في المشروط بعلاقة الأول أو

__________________

(١) أي : مع حصول الشرط.

(٢) سواء كان الشرط قيدا للهيئة ـ كما هو مختار المصنّف ـ أم قيدا للمادّة ـ كما هو المنسوب إلى الشيخ ـ.

(٣) أي : على مختار الشيخ.

المشارفة (١).

وأمّا الصيغة مع الشرط : فهي حقيقة على كلّ حال ، لاستعمالها على مختاره قدس‌سره في الطلب المطلق ، وعلى المختار في الطلب المقيّد على نحو تعدّد الدالّ والمدلول.

كما هو الحال فيما إذا اريد منها (٢) المطلق المقابل للمقيّد ، لا المبهم المقسم ، فافهم.

[٢ ـ الواجب المعلّق والواجب المنجّز]

ومنها : تقسيمه إلى المعلّق والمنجّز.

قال في الفصول : إنّه ينقسم باعتبار آخر إلى ما يتعلّق وجوبه بالمكلّف ولا يتوقّف حصوله على أمر غير مقدور له كالمعرفة ، وليسمّ : «منجّزا». وإلى ما يتعلّق وجوبه به ، ويتوقّف حصوله على أمر غير مقدور له ، وليسمّ : «معلّقا» ، كالحجّ ، فإنّ وجوبه يتعلّق بالمكلّف من أوّل زمن الاستطاعة أو خروج الرفقة ، ويتوقّف فعله على مجيء وقته ، وهو غير مقدور له. والفرق بين هذا النوع وبين الواجب المشروط هو أنّ التوقّف هناك للوجوب وهنا للفعل. (٣) انتهى كلامه ، رفع مقامه.

لا يخفى : أنّ شيخنا العلّامة رحمه‌الله ـ حيث اختار في الواجب المشروط ذاك المعنى ، وجعل الشرط لزوما من قيود المادّة ثبوتا وإثباتا ، حيث ادّعى امتناع كونه من قيود الهيئة كذلك ، أي إثباتا وثبوتا ، على خلاف القواعد العربيّة وظاهر المشهور ، كما يشهد به (٤) ما تقدّم آنفا عن البهائيّ (٥) ـ أنكر على الفصول هذا التقسيم (٦) ، ضرورة أنّ المعلّق بما فسّره (٧) يكون من المشروط بما اختار له من المعنى على ذلك (٨) ، كما هو واضح ، حيث لا يكون حينئذ هناك معنى آخر معقول كان هو المعلّق المقابل للمشروط.

__________________

(١) راجع زبدة الاصول : ٤٦ ، ومطارح الأنظار : ٤٥.

(٢) أي : من الصيغة.

(٣) الفصول الغرويّة : ٧٩.

(٤) أي : بكون رجوع القيد إلى المادّة خلاف ظاهر المشهور.

(٥) تقدّم في الصفحة السابقة.

(٦) راجع مطارح الأنظار : ٥١.

(٧) أي : بما فسّره صاحب الفصول من رجوع القيد إلى المادّة.

(٨) أي : بما اختار الشيخ للمشروط من المعنى على التقدير المتقدّم في كلامه.

ومن هنا انقدح أنّه في الحقيقة إنّما أنكر الواجب المشروط بالمعنى الّذي يكون هو ظاهر المشهور والقواعد العربيّة ، لا الواجب المعلّق بالتفسير المذكور. وحيث قد عرفت بما لا مزيد عليه إمكان رجوع الشرط إلى الهيئة ، كما هو ظاهر المشهور وظاهر القواعد ، فلا يكون مجال لإنكاره عليه (١).

نعم ، يمكن أن يقال : إنّه لا وقع لهذا التقسيم ، لأنّه بكلا قسميه من المطلق المقابل للمشروط ، وخصوصيّة كونه حاليّا أو استقباليّا لا توجبه ما لم توجب الاختلاف في المهمّ (٢) ، وإلّا لكثر (٣) تقسيماته لكثرة الخصوصيّات ، ولا اختلاف فيه ، فإنّ ما رتّبه عليه من وجوب المقدّمة فعلا ـ كما يأتي ـ إنّما هو من أثر إطلاق وجوبه وحاليّته ، لا من استقباليّة الواجب (٤) ، فافهم (٥).

[إشكال المحقّق النهاونديّ على الواجب المطلق ، وجوابه]

ثمّ إنّه ربما حكي عن بعض أهل النظر من أهل العصر (٦) إشكال في الواجب المعلّق(٧) ، وهو : أنّ الطلب والإيجاب إنّما يكون بإزاء الإرادة المحرّكة للعضلات

__________________

(١) فالشيخ لم ينكر واقع الواجب المطلق الّذي فرضه صاحب الفصول ، بل إنّما أنكر تسميته بالمعلّق وأطلق عليه المشروط.

(٢) وهو وجوب المقدّمة.

(٣) هكذا في النسخ : «لكثر». والصحيح أن يقول : «لكثرت».

(٤) والحاصل : أنّ هذا التقسيم لا يترتّب عليه الثمرة. وبذلك صرّح السيّد الإمام الخمينيّ في مناهج الوصول ١ : ٣٥٨.

(٥) لعلّه إشارة إلى ما ذكره المحقّق الاصفهانيّ ايرادا على نفى الثمرة ، فقال : «لا يخفى عليك : أنّ انفكاك زمان الوجوب عن زمان الواجب هو المصحّح لوجوب المقدّمة قبل زمان ذيها ، لا مجرّد فعليّة الوجوب ولو مع اتّحاد زمانه وزمان الواجب. فيصحّ تقسيم الواجب إلى ما يتّحد زمانه مع زمان وجوبه فلا تكون مقدّمته واجبة قبل زمانه ، وإلى ما يتأخّر زمانه عن زمان وجوبه فيمكن وجوب مقدّمته قبله». نهاية الدراية ١ : ٣٤٤.

(٦) وهو المحقّق النهاونديّ في تشريح الاصول : ١٩١.

(٧) حاصله : أنّ الإرادة التشريعيّة لا يمكن أن تتعلّق بأمر متأخّر ، كما أنّ الإرادة التكوينيّة لا يمكن أن تتعلّق به ، إذ لا فرق بين الإرادتين في الخصوصيّات والآثار ، غير أنّ الاولى تتعلّق بفعل الغير ، والثانية تتعلّق بفعل نفس الشخص المريد. فكما أنّ الإرادة التكوينيّة لا تنفكّ عن ـ