درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۱۳۲: اجماع منقول ۱۷

 

كلام المحقّق الداماد قدس سره

وحكي عن بعض : أنّه حكى عن المحقّق الداماد ، أنّه قدس‌سره قال في بعض كلام له في تفسير «النعمة الباطنة» (١) : إنّ من فوائد الإمام عجّل الله فرجه أن يكون مستندا لحجّية إجماع أهل الحلّ والعقد من العلماء على حكم من الأحكام ـ إجماعا بسيطا في أحكامهم الإجماعيّة ، وحجّية إجماعهم المركّب في أحكامهم الخلافيّة ـ فإنّه عجّل الله فرجه لا ينفرد بقول ، بل من الرحمة الواجبة في الحكمة الإلهيّة أن يكون في المجتهدين المختلفين في المسألة المختلف فيها من علماء العصر من يوافق رأيه رأي إمام عصره وصاحب أمره ، ويطابق قوله قوله وإن لم يكن ممّن نعلمه بعينه ونعرفه بخصوصه (٢) ، انتهى.

وكأنّه لأجل مراعاة هذه الطريقة التجأ الشهيد في الذكرى (٣) إلى توجيه الإجماعات التي ادّعاها جماعة في المسائل الخلافيّة مع وجود المخالف فيها : بإرادة غير المعنى الاصطلاحيّ من الوجوه التي حكاها عنه في المعالم (٤) ، ولو جامع الإجماع وجود الخلاف ـ ولو من معلوم النسب ـ لم يكن داع إلى التوجيهات المذكورة ، مع بعدها أو أكثرها.

٣ ـ الحدس

الثالث من طرق انكشاف قول الإمام عليه‌السلام لمدّعي الإجماع : الحدس ، وهذا على وجهين :

أحدهما : أن يحصل له ذلك من طريق لو علمنا به ما خطّأناه في

__________________

(١) الواردة في قوله تعالى : ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً﴾ لقمان : ٢٠.

(٢) الحاكي عن البعض هو المحقّق التستري في كشف القناع : ١٤٥.

(٣) الذكرى ١ : ٥١.

(٤) المعالم : ١٧٤.

استكشافه ، وهذا على وجهين :

أحدهما : أن يحصل (١) الحدس الضروريّ من مبادئ محسوسة بحيث يكون الخطأ فيه من قبيل الخطأ في الحسّ ، فيكون بحيث لو حصل لنا تلك الأخبار لحصل (٢) لنا العلم كما حصل له.

ثانيهما : أن يحصل الحدس له من إخبار جماعة اتّفق له العلم بعدم اجتماعهم على الخطأ ، لكن ليس إخبارهم ملزوما عادة للمطابقة لقول الإمام عليه‌السلام بحيث لو حصل لنا علمنا بالمطابقة أيضا.

الثاني : أن يحصل ذلك من مقدّمات نظريّة واجتهادات كثيرة الخطأ ، بل علمنا بخطإ بعضها في موارد كثيرة من نقلة الإجماع ؛ علمنا ذلك منهم بتصريحاتهم في موارد ، واستظهرنا ذلك منهم في موارد أخر ، وسيجيء جملة منها (٣).

لا يصلح للاستناد إلاّ الحدس

إذا عرفت أنّ مستند خبر المخبر بالإجماع المتضمّن للإخبار من الإمام عليه‌السلام لا يخلو من الامور الثلاثة المتقدّمة ، وهي : السماع عن الإمام عليه‌السلام مع عدم معرفته بعينه ، واستكشاف قوله من قاعدة «اللطف» ، وحصول العلم من «الحدس» ، وظهر لك أنّ الأوّل هنا غير متحقّق عادة لأحد من علمائنا المدّعين للإجماع ، وأنّ الثاني ليس طريقا للعلم ، فلا يسمع دعوى من استند إليه ؛ فلم يبق ممّا يصلح أن يكون المستند

__________________

(١) في (ر) و (ص) زيادة : «له».

(٢) كذا في (ت) و (ه) ، وفي غيرهما : «يحصل».

(٣) انظر الصفحة ٢٠٤ ـ ٢٠٨.

في الإجماعات المتداولة على ألسنة ناقليها : إلاّ «الحدس» (١).

وعرفت أنّ الحدس قد يستند إلى مبادئ محسوسة ملزومة عادة لمطابقة قول الإمام عليه‌السلام ، نظير العلم الحاصل من الحواسّ الظاهرة ، ونظير الحدس الحاصل لمن أخبر بالعدالة والشجاعة لمشاهدته آثارهما المحسوسة الموجبة للانتقال إليهما بحكم العادة ، أو إلى مبادئ محسوسة موجبة لعلم المدّعي بمطابقة قول الإمام عليه‌السلام من دون ملازمة عاديّة ، وقد يستند إلى اجتهادات وأنظار.

وحيث لا دليل على قبول خبر العادل المستند إلى القسم الأخير من الحدس ، بل ولا المستند إلى الوجه الثاني ، ولم يكن هناك ما يعلم به كون الإخبار مستندا إلى القسم الأوّل من الحدس ؛ وجب التوقّف في العمل بنقل الإجماع ، كسائر الأخبار المعلوم استنادها إلى الحدس المردّد بين الوجوه المذكورة.

فإن قلت : ظاهر لفظ «الإجماع» اتّفاق الكلّ ، فإذا أخبر الشخص بالإجماع فقد أخبر باتّفاق الكلّ ، ومن المعلوم أنّ حصول العلم بالحكم من اتّفاق الكلّ كالضروريّ ؛ فحدس المخبر مستند إلى مباد محسوسة ملزومة لمطابقة قول الإمام عليه‌السلام عادة ؛ فإمّا أن يجعل الحجّة نفس ما استفاده من الاتّفاق نظير الإخبار بالعدالة ، وإمّا أن يجعل الحجّة إخباره بنفس الاتّفاق المستلزم عادة لقول الإمام عليه‌السلام ، ويكون نفس المخبر به حينئذ محسوسا ، نظير إخبار الشخص بامور تستلزم العدالة

__________________

(١) العبارة في (ظ) ، (ل) و (م) هكذا : «فلا يسمع دعوى من استند إليه ، تعيّن كون المستند في الإجماعات المتداولة على ألسنة ناقليها هو الحدس».