درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۱۴۷: اجماع منقول ۳۲

 

ثمّ إنّه قد نبّه على ما ذكرنا ـ من فائدة نقل الإجماع ـ بعض المحقّقين في كلام طويل له ، وما ذكرنا وإن كان محصّل كلامه على ما نظرنا فيه ، لكنّ الأولى نقل عبارته بعينها ، فلعلّ الناظر يحصّل منها غير ما حصّلنا ، فإنّا قد مررنا على العبارة مرورا ، ولا يبعد أن يكون قد اختفى علينا بعض ما له دخل في مطلبه.

كلام المحقّق التستري في فائدة نقل الإجماع

قال قدس‌سره في كشف القناع وفي رسالته التي صنّفها في المواسعة والمضايقة ، ما هذا لفظه : وليعلم أنّ المحقّق في ذلك ، هو : أنّ الإجماع الذي نقل بلفظه المستعمل في معناه المصطلح أو بسائر الألفاظ على كثرتها ، إذا لم يكن مبتنيا على دخول المعصوم بعينه أو ما في حكمه في المجمعين ، فهو إنّما يكون حجّة على غير الناقل باعتبار نقله السبب الكاشف عن قول المعصوم أو عن الدليل القاطع أو مطلق الدليل المعتدّ به وحصول الانكشاف للمنقول إليه والتمسّك به بعد البناء على قبوله ، لا باعتبار ما انكشف منه لناقله بحسب ادّعائه.

فهنا مقامان :

الأوّل : حجيّته بالاعتبار الأوّل ، وهي مبتنية من جهتي الثبوت والإثبات على مقدّمات :

الاولى : دلالة اللفظ على السبب ، وهذه لا بدّ من اعتبارها ، وهي متحقّقة ظاهرا في الألفاظ المتداولة بينهم ما لم يصرف عنها صارف.

وقد يشتبه الحال إذا كان النقل بلفظ «الإجماع» في مقام الاستدلال.

لكن من المعلوم أنّ مبناه ومبنى غيره ليس على الكشف الذي يدّعيه جهّال الصوفيّة ، ولا على الوجه الأخير الذي إن وجد في الأحكام ففي غاية الندرة ، مع أنّه على تقدير بناء الناقل عليه وثبوته واقعا كاف في الحجّيّة ، فإذا انتفى الأمران تعيّن سائر الأسباب المقرّرة ، وأظهرها غالبا عند الإطلاق حصول الاطّلاع ـ بطريق القطع أو الظنّ المعتدّ به ـ على اتّفاق الكلّ في نفس الحكم ؛ ولذا صرّح جماعة منهم باتّحاد معنى الإجماع عند الفريقين ، وجعلوه مقابلا للشهرة ، وربما بالغوا في أمرها بأنّها كادت تكون إجماعا ونحو ذلك ، وربما قالوا : إن كان هذا مذهب فلان فالمسألة إجماعيّة.

وإذا لوحظت القرائن الخارجيّة من جهة العبارة والمسألة والنّقلة ، واختلف الحال في ذلك ، فيؤخذ بما هو المتيقّن أو الظاهر.

وكيف كان : فحيث دلّ اللفظ ولو بمعونة القرائن على تحقّق الاتّفاق المعتبر كان معتبرا ، وإلاّ فلا.

الثانية : حجّيّة نقل السبب المذكور وجواز التعويل عليه ؛ وذلك لأنّه ليس إلاّ كنقل فتاوى العلماء وأقوالهم وعباراتهم الدالّة عليها لمقلّديهم وغيرهم ، ورواية ما عدا قول المعصوم ونحوه من سائر ما تضمّنه الأخبار ، كالأسئلة التي تعرف (١) منها (٢) أجوبته ، والأقوال والأفعال التي يعرف منها تقريره ، ونحوها ممّا تعلّق بها ، وما نقل عن سائر الرواة المذكورين في الأسانيد وغيرها ، وكنقل الشهرة واتّفاق سائر

__________________

(١) في (ظ) والمصدر : «يعرف».

(٢) في (ظ) و (م) : «بها».

اولي الآراء والمذاهب وذوي الفتوى أو جماعة منهم ، وغير ذلك.

وقد جرت طريقة السلف والخلف من جميع الفرق على قبول أخبار الآحاد في كلّ ذلك ممّا كان النقل فيه على وجه الإجمال أو التفصيل ، وما تعلّق بالشرعيّات أو غيرها ، حتّى أنّهم كثيرا ما ينقلون شيئا ممّا ذكر معتمدين على نقل غيرهم من دون تصريح بالنقل عنه والاستناد إليه ؛ لحصول الوثوق به وإن لم يصل إلى مرتبة العلم ، فيلزم قبول خبر الواحد فيما نحن فيه أيضا ؛ لاشتراك الجميع في كونها نقل قول غير معلوم من غير معصوم وحصول الوثوق بالناقل ، كما هو المفروض.

وليس شيء من ذلك من الاصول حتّى يتوهّم عدم الاكتفاء فيه بخبر الواحد ، مع أنّ هذا الوهم فاسد من أصله ، كما قرّر في محلّه.

ولا من الامور المتجدّدة التي لم يعهد الاعتماد فيها على خبر الواحد في زمان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة عليهم‌السلام والصحابة. ولا ممّا يندر اختصاص معرفته ببعض دون بعض ، مع أنّ هذا لا يمنع من التعويل على نقل العارف به ؛ لما ذكر.

ويدلّ عليه مع ذلك : ما دلّ على حجّيّة خبر الثقة العدل بقول مطلق. وما اقتضى كفاية الظنّ فيما لا غنى عن معرفته ولا طريق إليه غيره غالبا ؛ إذ من المعلوم شدّة الحاجة إلى معرفة أقوال علماء الفريقين وآراء سائر أرباب العلوم لمقاصد شتّى لا محيص عنها ، كمعرفة المجمع عليه والمشهور والشاذّ من الأخبار والأقوال ، والموافق للعامّة أو أكثرهم والمخالف لهم ، والثقة والأوثق والأورع والأفقه ، وكمعرفة اللغات وشواهدها المنثورة والمنظومة ، وقواعد العربيّة التي عليها يبتني استنباط