درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۱۹۷: حجیت خبر واحد ۳۷

 

وبما ذكرنا يندفع ما يتوهّم : من أنّا نفرض الراوي من أهل العلم ، فإذا وجب قبول روايته وجب قبول رواية من ليس من أهل العلم بالإجماع المركّب.

حاصل وجه الاندفاع : أنّ سؤال أهل العلم عن الألفاظ التي سمعوها (١) من الإمام عليه‌السلام والتعبّد بقولهم (٢) فيها ، ليس سؤالا من أهل العلم من حيث هم أهل العلم ؛ ألا ترى أنّه لو قال : «سل الفقهاء إذا لم تعلم أو الأطبّاء» ، لا يحتمل أن يكون قد أراد ما يشمل المسموعات والمبصرات الخارجيّة من قيام زيد وتكلّم عمرو ، وغير ذلك؟

الآية الخامسة : آية «الاذن»

ومن جملة الآيات ، قوله تعالى في سورة براءة :

﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾(٣).

وجه الاستدلال بها

مدح الله عزّ وجلّ رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله بتصديقه للمؤمنين ، بل قرنه بالتصديق بالله جلّ ذكره ، فإذا كان التصديق حسنا يكون واجبا.

تأييد الاستدلال ، بالرواية الواردة في حكاية إسماعيل

ويزيد تقريب الاستدلال وضوحا : ما رواه في فروع الكافي في الحسن ب" ابن هاشم" (٤) ، أنّه كان لاسماعيل بن أبي عبد الله دنانير ، وأراد رجل من قريش أن يخرج إلى اليمن ، فقال له أبو عبد الله عليه‌السلام :

«يا بنيّ أما بلغك أنّه يشرب الخمر؟ قال : سمعت الناس يقولون ،

__________________

(١) في (ر) ، (ص) ، (ظ) ، (ل) و (م) : «سمعها».

(٢) في (ر) ، (ص) ، (ظ) ، (ل) و (م) : «بقوله».

(٣) التوبة : ٦١.

(٤) في (ص) و (ظ) : «بابراهيم بن هاشم».

فقال : يا بنيّ ، إنّ الله عزّ وجلّ يقول : ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ،﴾ يقول : يصدّق الله ويصدّق للمؤمنين ؛ فإذا شهد عندك المسلمون فصدّقهم» (١).

المناقشة في الاستدلال

ويرد عليه :

المراد من «الأذن»

أوّلا : أنّ المراد بالاذن سريع التصديق والاعتقاد بكلّ ما يسمع ، لا من يعمل تعبّدا بما يسمع من دون حصول الاعتقاد بصدقه ، فمدحه صلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك ؛ لحسن ظنّه بالمؤمنين وعدم اتّهامهم.

المراد من «تصديق المؤمنين»

وثانيا : أنّ المراد من التصديق في الآية ليس جعل المخبر به واقعا وترتيب جميع آثاره عليه ؛ إذ لو كان المراد به ذلك لم يكن اذن خير لجميع الناس ؛ إذ لو أخبره أحد بزنا أحد ، أو شربه ، أو قذفه ، أو ارتداده ، فقتله النبيّ أو جلده ، لم يكن في سماعه (٢) ذلك الخبر خير للمخبر عنه ، بل كان محض الشرّ له ، خصوصا مع عدم صدور الفعل منه في الواقع. نعم ، يكون (٣) خيرا للمخبر من حيث متابعة قوله وإن كان منافقا مؤذيا للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ على ما يقتضيه الخطاب في «لكم» ؛ فثبوت الخير لكلّ من المخبر والمخبر عنه لا يكون إلاّ إذا صدّق المخبر ، بمعنى إظهار القبول عنه وعدم تكذيبه وطرح قوله رأسا ، مع العمل في نفسه بما يقتضيه الاحتياط التامّ بالنسبة إلى المخبر عنه ، فإن كان المخبر به ممّا يتعلّق بسوء حاله لا يؤذيه (٤) في الظاهر ، لكن يكون على حذر منه

__________________

(١) الوسائل ١٣ : ٢٣٠ ، الباب ٦ من أبواب أحكام الوديعة ، الحديث الأوّل.

(٢) في (ت) و (ه) : «لسماعه».

(٣) في (ظ) و (م) : «كان».

(٤) في (ل) بدل «لا يؤذيه» : «لا يؤذنه» ، وفي (ظ) : «لا يؤذن به».

في الباطن ، كما كان هو مقتضى المصلحة في حكاية اسماعيل المتقدّمة.

ويؤيّد هذا المعنى : ما عن تفسير العياشيّ ، عن الصادق عليه‌السلام : من أنّه يصدّق المؤمنين ؛ لأنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله كان رءوفا رحيما بالمؤمنين (١) ؛ فإنّ تعليل التصديق بالرأفة والرحمة على كافّة المؤمنين ينافي إرادة قبول قول أحدهم على الآخر بحيث يرتّب (٢) عليه آثاره وإن أنكر المخبر عنه وقوعه ؛ إذ مع الإنكار لا بدّ من تكذيب أحدهما ، وهو مناف لكونه «اذن خير» ورءوفا رحيما بالجميع (٣) ، فتعيّن إرادة التصديق بالمعنى الذي ذكرنا.

ويؤيّده أيضا : ما عن القمّي رحمه‌الله في سبب نزول الآية :

«أنّه نمّ منافق على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأخبره الله بذلك (٤) ، فأحضره النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وسأله ، فحلف : أنّه لم يكن شيء ممّا ينمّ (٥) عليه ، فقبل منه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأخذ هذا الرجل بعد ذلك يطعن على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ويقول : إنّه يقبل كلّ ما يسمع ، أخبره الله أنّي أنمّ عليه وأنقل أخباره فقبل ، وأخبرته أنّي لم أفعل فقبل ، فردّه الله تعالى بقوله لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾» (٦).

__________________

(١) تفسير العياشي ٢ : ٩٥ ، وحكاه عنه الفيض الكاشاني في تفسير الصافي ٢ : ٣٥٤.

(٢) كذا في (ه) ، وفي غيرها : «يترتّب».

(٣) في (ه) : «لجميع المؤمنين» ، وفي (ت) : «بجميع المؤمنين».

(٤) كذا في (ظ) و (م) ، وفي غيرهما : «ذلك».

(٥) في (ظ) و (م) : «نمّ».

(٦) تفسير القمّي ١ : ٣٠٠.