درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۱۲: تجری ۵

 

العامل بإحداهما وقلّة العامل بما سنّه الآخر ، فإنّ مقتضى الروايات كون ثواب الأوّل أو عقابه أعظم ، وقد اشتهر : «أنّ للمصيب أجرين وللمخطئ أجرا واحدا» (١). والأخبار في أمثال ذلك في طرف (٢) الثواب والعقاب بحدّ التواتر.

فالظاهر : أنّ العقل إنّما يحكم بتساويهما في استحقاق المذمّة من حيث شقاوة الفاعل وخبث سريرته مع المولى ، لا في استحقاق المذمّة على الفعل المقطوع بكونه معصية.

وربما يؤيّد ذلك : أنّا نجد من أنفسنا الفرق في مرتبة الذمّ (٣) بين من صادف قطعه (٤) الواقع وبين من لم يصادف.

إلاّ أن يقال : إنّ ذلك إنّما هو في المبغوضات العقلائيّة ؛ من حيث إنّ زيادة العقاب (٥) من المولى وتأكّد الذمّ (٦) من العقلاء بالنسبة إلى من صادف اعتقاده الواقع لأجل التشفّي ، المستحيل في حقّ الحكيم تعالى ، فتأمّل.

تفصيل صاحب الفصول في التجرّي :

هذا ، وقد يظهر من بعض المعاصرين (٧) : التفصيل في صورة القطع

__________________

(١) لم نجده بعينه ، ويدلّ عليه ما في كنز العمّال ٦ : ٧ ، الحديث ١٤٥٩٧.

(٢) في (ص) : «طرفي».

(٣) كذا في (ت) ، (ر) ، (ه) ونسخة بدل (ص) ، وفي غيرها : «العقاب» بدل «الذمّ».

(٤) كذا في (ت) ، (ه) ونسخة بدل (ص) ، وفي غيرها : «فعله» بدل «قطعه».

(٥) كذا في (ل) ، (م) ونسخة بدل (ص) ، وفي غيرها : «الذمّ» بدل «العقاب».

(٦) كذا في (ر) ، (ل) و (م) ، وفي غيرها : «تأكّده».

(٧) هو صاحب الفصول ، كما سيأتي.

بتحريم شيء غير محرّم واقعا ، فرجّح استحقاق العقاب بفعله ، إلاّ أن يعتقد تحريم واجب غير مشروط بقصد القربة ، فإنّه لا يبعد عدم استحقاق العقاب عليه مطلقا أو في بعض الموارد ؛ نظرا إلى معارضة الجهة الواقعيّة للجهة الظاهريّة ؛ فإنّ قبح التجرّي عندنا ليس ذاتيّا ، بل يختلف بالوجوه والاعتبار.

فمن اشتبه عليه مؤمن ورع عالم بكافر واجب القتل ، فحسب أنّه ذلك الكافر وتجرّى فلم يقتله ، فإنّه لا يستحقّ الذمّ على هذا الفعل عقلا عند من انكشف له الواقع ، وإن كان معذورا لو فعل.

وأظهر من ذلك : ما لو جزم بوجوب قتل نبيّ أو وصيّ ، فتجرّى ولم يقتله.

ألا ترى : أنّ المولى الحكيم إذا أمر عبده بقتل عدوّ له ، فصادف العبد ابنه وزعمه ذلك العدوّ فتجرّى ولم يقتله ، أنّ المولى إذا اطّلع على حاله لا يذمّه على هذا التجرّي ، بل يرضى به وإن كان معذورا لو فعل. وكذا لو نصب له طريقا غير القطع إلى معرفة عدوّه ، فأدّى الطريق إلى تعيين ابنه فتجرّى ولم يفعل.

وهذا الاحتمال حيث يتحقّق عند المتجرّي لا يجديه إن لم يصادف الواقع ؛ ولذا يلزمه العقل بالعمل بالطريق المنصوب ؛ لما فيه من القطع بالسلامة من العقاب ، بخلاف ما لو ترك العمل به ، فإنّ المظنون فيه عدمها.

ومن هنا يظهر : أنّ التجرّي على الحرام في المكروهات الواقعيّة أشدّ منه في مباحاتها ، وهو فيها أشدّ منه في مندوباتها ، ويختلف باختلافها ضعفا وشدّة كالمكروهات ، ويمكن أن يراعى في الواجبات الواقعيّة

ما هو الأقوى من جهاته وجهات التجرّي (١). انتهى كلامه ، رفع مقامه.

المناقشة في تفصيل صاحب الفصول :

أقول : يرد عليه :

أوّلا : منع ما ذكره من عدم كون قبح التجرّي ذاتيّا ؛ لأنّ التجرّي على المولى قبيح ذاتا ـ سواء كان لنفس الفعل أو لكشفه عن كونه جريئا (٢) ـ كالظلم ، بل هو قسم من الظلم ، فيمتنع عروض الصفة المحسّنة له ، وفي مقابله الانقياد لله سبحانه وتعالى ، فإنّه يمتنع أن يعرض له جهة مقبّحة.

وثانيا (٣) : لو سلّم أنّه لا امتناع في أن يعرض له جهة محسّنة ، لكنّه باق على قبحه ما لم يعرض له تلك الجهة ، وليس ممّا لا يعرض له في نفسه حسن ولا قبح إلاّ بعد ملاحظة (٤) ما يتحقّق في ضمنه.

وبعبارة اخرى : لو سلّمنا عدم كونه علّة تامّة للقبح كالظلم ، فلا شكّ في كونه مقتضيا له كالكذب ، وليس من قبيل الأفعال التي لا يدرك العقل بملاحظتها في أنفسها حسنها ولا قبحها ، وحينئذ فيتوقّف ارتفاع قبحه على انضمام جهة يتدارك بها قبحه ، كالكذب المتضمّن لإنجاء نبيّ.

ومن المعلوم أنّ ترك قتل المؤمن بوصف أنّه مؤمن في المثال الذي ذكره ـ كفعله ـ ليس من الامور التي تتّصف بحسن أو قبح ؛ للجهل

__________________

(١) الفصول : ٤٣١ ـ ٤٣٢.

(٢) لم ترد عبارة «سواء ـ إلى ـ جريئا» في (ظ) ، (ل) و (م).

(٣) في (ر) و (ص) زيادة : «أنّه».

(٤) كذا في (ت) ، (م) و (ه) ، وفي غيرها : «بملاحظة».