درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۷۸: وقوع تعبد به ظن از طرف شارع ۶

 

بها وامتثالها ، فالحاكم بوجوبه هو العقل ، ولا معنى لتردّد العقل في موضوع حكمه ، وأنّ الذي حكم هو بوجوبه تحصيل مطلق الاعتقاد أو خصوص العلم ، بل إمّا أن يستقلّ بوجوب تحصيل خصوص الاعتقاد القطعي ـ على ما هو التحقيق ـ ، وإمّا أن يحكم بكفاية مطلق الاعتقاد. ولا يتصوّر الإجمال في موضوع الحكم العقلي ؛ لأنّ التردّد في الموضوع يستلزم التردّد في الحكم ، وهو لا يتصوّر من نفس الحاكم ، وسيجيء الإشارة إلى هذا في ردّ من زعم أنّ نتيجة دليل الانسداد مهملة مجملة ، مع عدّه دليل الانسداد دليلا عقليّا وحكما يستقلّ به العقل.

وأمّا ثانيا : فلأنّ العمل بالظنّ في مورد مخالفته للاصول والقواعد ـ الذي هو محلّ الكلام ـ مخالفة قطعيّة لحكم الشارع بوجوب الأخذ بتلك الاصول حتّى يعلم خلافها ، فلا حاجة في ردّه إلى مخالفته لقاعدة الاشتغال الراجعة إلى قدح المخالفة الاحتماليّة للتكليف المتيقّن.

مثلا : إذا فرضنا أنّ الاستصحاب يقتضي الوجوب ، والظنّ حاصل بالحرمة ، فحينئذ يكون العمل بالظنّ مخالفة قطعيّة لحكم الشارع بعدم نقض اليقين بغير اليقين ، فلا يحتاج إلى تكلّف أنّ التكليف بالواجبات والمحرّمات يقينيّ ، ولا نعلم كفاية تحصيل مطلق الاعتقاد الراجح فيها ، أو وجوب تحصيل الاعتقاد القطعيّ وأنّ في تحصيل الاعتقاد الراجح مخالفة احتماليّة للتكليف المتيقّن ، فلا يجوز ، فهذا أشبه شيء بالأكل من القفا.

فقد تبيّن ممّا ذكرنا : أنّ ما ذكرنا في بيان الأصل هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه ، وحاصله :

أنّ التعبّد بالظنّ مع الشكّ في رضا الشارع بالعمل به في الشريعة تعبّد بالشكّ ، وهو باطل عقلا ونقلا ، وأمّا مجرّد العمل على طبقه ، فهو محرّم إذا خالف أصلا من الاصول اللفظيّة أو العمليّة الدالّة على وجوب الأخذ بمضمونها حتّى يعلم الواقع (١).

للحرمة في العمل بالظنّ جهتان

فالعمل بالظنّ قد تجتمع فيه جهتان للحرمة ، كما إذا عمل به ملتزما أنّه حكم الله وكان العمل (٢) مخالفا لمقتضى الاصول.

وقد تتحقّق فيه جهة واحدة ، كما إذا خالف الأصل ولم يلتزم بكونه حكم الله ، أو التزم ولم يخالف مقتضى الاصول.

وقد لا يكون فيه عقاب أصلا ، كما إذا لم يلتزم بكونه حكم الله ولم يخالف أصلا ، وحينئذ قد يستحقّ عليه (٣) الثواب ، كما إذا عمل به على وجه الاحتياط.

هذا ، ولكن حقيقة العمل بالظنّ هو الاستناد إليه في العمل والالتزام بكون مؤدّاه حكم الله في حقّه ، فالعمل على ما يطابقه بلا استناد إليه ليس عملا به ، فصحّ أن يقال : إنّ العمل بالظنّ والتعبّد به حرام مطلقا ، وافق الاصول أو خالفها ، غاية الأمر أنّه إذا خالف الاصول يستحقّ العقاب من جهتين : من جهة الالتزام (٤) والتشريع ، ومن جهة طرح الأصل المأمور بالعمل به حتّى يعلم بخلافه.

__________________

(١) كذا في (ص) و (ظ) وظاهر (ل) ، وفي غيرها : «الرافع».

(٢) في (ر) ، (ص) و (ظ) زيادة : «به».

(٣) في (ت) و (ه) : «عمله».

(٤) في (ظ) : «الافتراء».

وقد اشير في الكتاب والسنّة إلى الجهتين :

الإشارة إلى هاتين الجهتين في الكتاب والسنّة

فممّا اشير فيه إلى الاولى قوله تعالى : ﴿قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾(١) بالتقريب المتقدّم ، وقوله عليه‌السلام : «رجل قضى بالحقّ وهو لا يعلم» (٢).

وممّا اشير فيه إلى الثانية قوله تعالى : ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾(٣) ، وقوله عليه‌السلام : «من أفتى الناس بغير علم كان ما يفسده أكثر ممّا يصلحه» (٤) ، ونفس أدلّة الاصول.

ثمّ إنّ ما ذكرنا من الحرمة من جهتين مبنيّ على ما هو التحقيق : من أنّ اعتبار الاصول ـ لفظيّة كانت أو عمليّة ـ غير مقيّد بصورة عدم الظنّ على خلافها ، وأمّا إذا قلنا باشتراط عدم كون الظنّ على خلافها ، فلقائل أن يمنع أصالة حرمة العمل بالظنّ مطلقا ، لا على وجه الالتزام ولا على غيره.

أمّا مع عدم تيسّر العلم في المسألة ؛ فلدوران الأمر فيها بين العمل بالظنّ وبين الرجوع إلى الأصل الموجود في تلك المسألة على خلاف الظنّ ، وكما لا دليل على التعبّد بالظنّ كذلك لا دليل على التعبّد بذلك الأصل ؛ لأنّه المفروض ، فغاية الأمر التخيير بينهما ، أو تقديم الظنّ ؛ لكونه أقرب إلى الواقع ، فيتعيّن بحكم العقل.

__________________

(١) يونس : ٥٩.

(٢) الوسائل ١٨ : ١١ ، الباب ٤ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٦.

(٣) يونس : ٣٦.

(٤) المستدرك ١٧ : ٢٤٨ ، الباب ٤ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١٤.