درس مکاسب محرمه

جلسه ۲۰۴: کذب ۵

 

الهَزْل وهو الكلام الفاقد للقصد إلى تحقق مدلوله فلا يبعد أنّه غير محرّم مع نصب القرينة على إرادة الهَزْل كما صرّح به بعض (١) ؛ ولعلّه (٢) لانصراف الكذب إلى الخبر المقصود ، وللسيرة.

ويمكن حمل الخبرين على مطلق المرجوحيّة ، ويحتمل غير بعيد حرمته ؛ لعموم ما تقدّم ، خصوصاً الخبرين الأخيرين ، والنبويّ في وصيّة أبي ذر رضي‌الله‌عنه (٣) ؛ لأنّ الأكاذيب المضحكة أكثرها من قبيل الهَزْل.

وعن الخصال بسنده عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أنا زعيم بيت في أعلى الجنّة ، وبيت في وسط الجنّة ، وبيت في رياض الجنّة لمن ترك المراء وإن كان مُحقّاً ، ولمن ترك الكذب وإن كان هازلاً ، ولمن حسن خلقه» (٤).

هل المبالغة في الإدّعاء من الكذب؟

وقال أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام : «لا يجد الرجل طعم الإيمان حتّى يترك الكذب هَزْله وجِدّه» (٥).

ثمّ إنّه لا ينبغي الإشكال في أنّ المبالغة في الادّعاء وإن بلغت ما بلغت ، ليست من الكذب.

__________________

(١) لم نعثر على من صرّح بذلك ، انظر مفتاح الكرامة ٤ : ٦٧ ، والجواهر ٢٢ : ٧٢.

(٢) لم ترد : «كما صرّح به بعض ، ولعلّه» في «ف».

(٣) تقدم في الصفحة ١٣.

(٤) الخصال ١ : ١٤٤ ، الحديث ١٧٠ ، والوسائل ٨ : ٥٦٨ ، الباب ١٣٥ من أبواب أحكام العشرة ، الحديث ٨.

(٥) الوسائل ٨ : ٥٧٧ ، الباب ١٤٠ من أبواب أحكام العشرة ، الحديث ٢.

وربما يدخل فيه إذا كانت في غير محلّها ، كما لو مدح إنساناً (١) قبيح المنظر وشبّه وجهه بالقمر ، إلاّ إذا بنى على كونه كذلك في نظر المادح ؛ فإنّ الأنظار تختلف في التحسين والتقبيح كالذوائق في المطعومات.

التورية ليست من الكذب

وأما التورية ، وهي (٢) : أن يريد بلفظٍ معنىً مطابقاً للواقع وقصد من إلقائه أن يفهم المخاطب منه خلاف ذلك ، مما هو ظاهر فيه عند مطلق المخاطب ، أو المخاطب الخاص كما لو قلت في مقام إنكار ما قلته في حقّ أحد : «عَلِمَ الله ما قلته» ، وأردتَ بكلمة «ما» الموصولة ، وفَهِم المخاطب النافية ، وكما لو استأذن رجل بالباب فقال الخادم له : «ما هو ها هنا» وأشار إلى موضع خالٍ في البيت (٣) ، وكما لو قلت : «اليوم ما أكلت الخبز» ، تعني بذلك حالة النوم أو حالة الصلاة ، إلى غير ذلك فلا ينبغي الإشكال في عدم كونها من الكذب.

ولذا صرّح الأصحاب فيما سيأتي من وجوب التورية عند الضرورة (٤) ، بأنّه يورّي (٥) بما يخرجه من الكذب ، بل اعترض جامع المقاصد على قول العلاّمة في القواعد في مسألة الوديعة إذا طالبها ظالم ، بأنّه «يجوز الحلف كاذباً ، وتجب التورية على العارف بها» : بأنّ‌

__________________

(١) في «ش» : إنسان.

(٢) كذا في نسخة بدل «ص» ، وفي النسخ : وهو.

(٣) في ظاهر «ف» : في البيت خال.

(٤) ستأتي تصريحاتهم في الصفحة ٢٢ و ٢٣.

(٥) في «ش» : يؤدي.

العبارة لا تخلو من (١) مناقشة ، حيث تقتضي ثبوت الكذب مع التورية ، ومعلوم أن لا كذب معها (٢) ، انتهى.

ووجه ذلك : أنّ الخبر باعتبار معناه وهو المستعمل فيه كلامه ليس مخالفاً للواقع ، وإنّما فهم المخاطب من كلامه أمراً مخالفاً للواقع لم يقصده المتكلم من اللفظ.

نعم ، لو ترتّب عليها مفسدة حرمت من تلك الجهة ، اللهم إلاّ أن يدّعى أنّ مفسدة الكذب وهي الإغراء موجودة فيها ، وهو ممنوع ؛ لأنّ الكذب محرّم ، لا لمجرّد الإغراء.

الملاك في اتّصاف الخبر بالكذب عند بعض الأفاضل

وذكر بعض الأفاضل (٣) : أنّ المعتبر في اتصاف الخبر بالصدق والكذب هو ما يفهم من ظاهر الكلام ، لا ما هو المراد منه ، فلو قال : «رأيت حماراً» وأراد منه «البليد» من دون نصب قرينة ، فهو متّصف بالكذب وإن لم يكن المراد مخالفاً للواقع ، انتهى موضع الحاجة.

فإن أراد اتصاف الخبر في الواقع ، فقد تقدّم أنّه دائر مدار موافقة مراد المخبر ومخالفته للواقع ؛ لأنّه معنى الخبر والمقصود منه ، دون ظاهره الذي لم يقصد.

وإن أراد اتصافه عند الواصف ، فهو حقّ مع فرض جهله بإرادة خلاف الظاهر.

لكن توصيفه حينئذٍ باعتقاد أنّ هذا هو مراد المخبر ومقصوده ،

__________________

(١) في غير «ش» : عن.

(٢) جامع المقاصد ٦ : ٣٨.

(٣) هو المحقّق القمّي في قوانين الأُصول ١ : ٤١٩.