درس مکاسب محرمه

جلسه ۲۰۷: کذب ۸

 

فيرجع الأمر إلى إناطة الاتصاف بمراد المتكلم وإن كان الطريق إليه اعتقاد المخاطب.

ما يدلّ على سلب الكذب عن التورية

ومما يدلّ على سلب الكذب عن التورية ما روي في الاحتجاج : «أنّه سئل الصادق عليه‌السلام عن قول الله عزّ وجلّ في قصّة إبراهيم على نبينا وآله و ٧ ـ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ (١) ، قال : ما فعله (٢) كبيرهم وما كذب إبراهيم ، قيل : وكيف ذلك؟ فقال : إنّما قال إبراهيم ﴿إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ ، أي : إن نطقوا فكبيرهم فعل ، وإن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئاً ؛ فما نطقوا وما كذب إبراهيم.

وسُئل عليه‌السلام عن قوله تعالى ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ﴾ (٣). قال : إنّهم سرقوا يوسف من أبيه ، ألا ترى أنّهم قالوا ﴿نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ﴾ (٤) ولم يقولوا : سرقتم صواع الملك.

وسُئل عن قول الله عز وجل حكاية عن إبراهيم عليه‌السلام ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (٥) قال : ما كان إبراهيم سقيماً وما كذب ، إنّما عنى سقيماً في دينه ، أي : مرتاداً» (٦).

__________________

(١) الأنبياء : ٦٣.

(٢) في «خ» : ما فعل.

(٣) يوسف : ٧٠.

(٤) يوسف : ٧٢.

(٥) الصافات : ٨٩.

(٦) الاحتجاج ٢ : ١٠٥ مع اختلاف يسير ، والمرتاد : الطالب للشي‌ء.

وفي مستطرفات السرائر من كتاب ابن بكير ، قال : «قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : الرجل يُستأذن عليه ، فيقول (١) للجارية : قولي : ليس هو ها هنا ، فقال : لا بأس ، ليس بكذب» (٢) ؛ فإنَّ سلب الكذب مبنيّ على أن المشار إليه بقوله : «ها هنا» موضع خالٍ من الدار ؛ إذ لا وجه له سوى ذلك.

وروى في باب الحِيَل من كتاب الطلاق للمبسوط : أنّ واحداً من الصحابة صحب واحداً آخر ، فاعترضهما في الطريق أعداء المصحوب ، فأنكر الصاحب أنّه هو ، فأحلفوه ، فحلف لهم أنّه أخوه ، فلمّا أتى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال له : «صدقت ، المسلم أخو المسلم» (٣).

إلى غير ذلك مما يظهر منه ذلك (٤).

__________________

(١) كذا في «ص» والمصدر ، وفي سائر النسخ : يقول.

(٢) مستطرفات السرائر (السرائر) ٣ : ٦٣٢ ، والوسائل ٨ : ٥٨٠ ، الباب ١٤١ من أبواب أحكام العشرة ، الحديث ٨.

(٣) المبسوط ٥ : ٩٥.

(٤) راجع الوسائل ٨ : ٥٧٨ ، الباب ١٤١ من أبواب أحكام العشرة.

أمّا الكلام في المقام الثاني

وهو مسوّغات الكذب‌

مسوّغات الكذب

فاعلم أنّه يسوغ الكذب لوجهين :

الضرورة من مسوّغات الكذب

أحدهما الضرورة إليه : فيسوغ معها بالأدلّة الأربعة ، قال الله تعالى ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ (١). وقال تعالى ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْ‌ءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً﴾ (٢).

وقوله عليه‌السلام : «ما من شي‌ء إلاّ وقد أحلّه الله لمن اضطرّ إليه» (٣). وقد اشتهر أنّ الضرورات تبيح المحظورات. والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى ، وقد استفاضت أو تواترت بجواز الحلف كاذباً لدفع الضرر البدني أو المالي عن نفسه أو أخيه (٤).

والإجماع أظهر من أن يدّعى أو يحكى.

والعقل مستقلّ بوجوب ارتكاب أقلّ القبيحين مع بقائه على قبحه ، أو انتفاء قبحه ؛ لغلبة الآخر عليه ، على القولين (٥) في كون القبح العقلي‌

__________________

(١) النحل : ١٠٦.

(٢) آل عمران : ٢٨.

(٣) الوسائل ٤ : ٦٩٠ ، الباب الأوّل من أبواب القيام ، الحديث ٦ و ٧ ، مع اختلاف في بعض الألفاظ.

(٤) الوسائل ١٦ : ١٣٤ ، الباب ١٢ من أبواب كتاب الأيمان.

(٥) تعرّض لهما القوشجي في شرح التجريد : ٣٣٨.

مطلقاً ، أو في خصوص الكذب لأجل الذات ، أو بالوجوه والاعتبارات.

هل تجب التورية ـ عند الضرورة إلى الكذب ـ على القادر عليها؟

ولا إشكال في ذلك كلّه ، إنّما الإشكال والخلاف في أنّه هل يجب حينئذٍ التورية لمن يقدر عليها ، أم لا؟ ظاهر المشهور هو الأوّل ، كما يظهر من المقنعة (١) والمبسوط (٢) والغنية (٣) والسرائر (٤) والشرائع (٥) والقواعد (٦) واللمعة وشرحها (٧) والتحرير (٨) وجامع المقاصد (٩) والرياض (١٠) ومحكيّ مجمع البرهان (١١) في مسألة جواز الحلف لدفع الظالم عن الوديعة.

ما يدلّ على الوجوب من كلمات الفقهاء

قال في المقنعة : من كانت عنده أمانة فطالبه ظالم فليجحد ، وإن استحلفه ظالم على ذلك فليحلف ، ويورّي في نفسه بما يخرجه عن الكذب إلى أن قال (١٢) ـ : فإن لم يحسن التورية وكان نيّته حفظ‌

__________________

(١) المقنعة : ٥٥٦.

(٢) لم نقف عليه فيه.

(٣) الغنية (الجوامع الفقهية) : ٥٣٨.

(٤) السرائر ٣ : ٤٣.

(٥) الشرائع ٢ : ١٦٣ و ٣ : ٣٢.

(٦) القواعد ١ : ١٩٠.

(٧) اللمعة الدمشقية وشرحها (الروضة البهيّة) ٤ : ٢٣٥.

(٨) التحرير ١ : ٢٦٦.

(٩) جامع المقاصد ٤ : ٢٧.

(١٠) الرياض ١ : ٦٢٢.

(١١) مجمع الفائدة ١٠ : ٣٠٠.

(١٢) وردت هذه العبارة في «ش» مضطربة.