درس مکاسب محرمه

جلسه ۲۰۸: کذب ۹

 

أمّا الكلام في المقام الثاني

وهو مسوّغات الكذب‌

مسوّغات الكذب

فاعلم أنّه يسوغ الكذب لوجهين :

الضرورة من مسوّغات الكذب

أحدهما الضرورة إليه : فيسوغ معها بالأدلّة الأربعة ، قال الله تعالى ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ (١). وقال تعالى ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْ‌ءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً﴾ (٢).

وقوله عليه‌السلام : «ما من شي‌ء إلاّ وقد أحلّه الله لمن اضطرّ إليه» (٣). وقد اشتهر أنّ الضرورات تبيح المحظورات. والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى ، وقد استفاضت أو تواترت بجواز الحلف كاذباً لدفع الضرر البدني أو المالي عن نفسه أو أخيه (٤).

والإجماع أظهر من أن يدّعى أو يحكى.

والعقل مستقلّ بوجوب ارتكاب أقلّ القبيحين مع بقائه على قبحه ، أو انتفاء قبحه ؛ لغلبة الآخر عليه ، على القولين (٥) في كون القبح العقلي‌

__________________

(١) النحل : ١٠٦.

(٢) آل عمران : ٢٨.

(٣) الوسائل ٤ : ٦٩٠ ، الباب الأوّل من أبواب القيام ، الحديث ٦ و ٧ ، مع اختلاف في بعض الألفاظ.

(٤) الوسائل ١٦ : ١٣٤ ، الباب ١٢ من أبواب كتاب الأيمان.

(٥) تعرّض لهما القوشجي في شرح التجريد : ٣٣٨.

مطلقاً ، أو في خصوص الكذب لأجل الذات ، أو بالوجوه والاعتبارات.

هل تجب التورية ـ عند الضرورة إلى الكذب ـ على القادر عليها؟

ولا إشكال في ذلك كلّه ، إنّما الإشكال والخلاف في أنّه هل يجب حينئذٍ التورية لمن يقدر عليها ، أم لا؟ ظاهر المشهور هو الأوّل ، كما يظهر من المقنعة (١) والمبسوط (٢) والغنية (٣) والسرائر (٤) والشرائع (٥) والقواعد (٦) واللمعة وشرحها (٧) والتحرير (٨) وجامع المقاصد (٩) والرياض (١٠) ومحكيّ مجمع البرهان (١١) في مسألة جواز الحلف لدفع الظالم عن الوديعة.

ما يدلّ على الوجوب من كلمات الفقهاء

قال في المقنعة : من كانت عنده أمانة فطالبه ظالم فليجحد ، وإن استحلفه ظالم على ذلك فليحلف ، ويورّي في نفسه بما يخرجه عن الكذب إلى أن قال (١٢) ـ : فإن لم يحسن التورية وكان نيّته حفظ‌

__________________

(١) المقنعة : ٥٥٦.

(٢) لم نقف عليه فيه.

(٣) الغنية (الجوامع الفقهية) : ٥٣٨.

(٤) السرائر ٣ : ٤٣.

(٥) الشرائع ٢ : ١٦٣ و ٣ : ٣٢.

(٦) القواعد ١ : ١٩٠.

(٧) اللمعة الدمشقية وشرحها (الروضة البهيّة) ٤ : ٢٣٥.

(٨) التحرير ١ : ٢٦٦.

(٩) جامع المقاصد ٤ : ٢٧.

(١٠) الرياض ١ : ٦٢٢.

(١١) مجمع الفائدة ١٠ : ٣٠٠.

(١٢) وردت هذه العبارة في «ش» مضطربة.

الأمانة أجزأته النيّة وكان مأجوراً (١) ، انتهى.

وقال في السرائر في هذه المسألة أعني مطالبة الظالم الوديعة ـ : فإن قنع الظالم منه بيمينه ، فله أن يحلف ويورّي في ذلك (٢) ، انتهى.

وفي الغنية في هذه المسألة ـ : ويجوز له أن يحلف أنّه ليس عنده وديعة ويورّي في يمينه بما يسلم به من الكذب ، بدليل إجماع الشيعة (٣) ، انتهى.

وفي النافع : حلف مورّياً (٤).

وفي القواعد : ويجب التورية على العارف بها (٥) ، انتهى.

وفي التحرير في باب الحِيَل من كتاب الطلاق ـ : لو أنكر الاستدانة خوفاً من الإقرار بالإبراء ، أو القضاء جاز الحلف مع صدقه ، بشرط التورية بما يخرجه عن الكذب (٦) ، انتهى.

وفي اللمعة : يحلف عليه فيورّي (٧). وقريب منه في شرحها (٨).

وفي جامع المقاصد في باب المكاسب ـ : يجب التورية بما يخرجه عن (٩) الكذب (١٠) ، انتهى.

__________________

(١ ـ ٣) تقدم التخريج عنها في الصفحة السابقة.

(٤) المختصر النافع ١ : ١٥٠.

(٥ ـ ٨) تقدم التخريج عنها في الصفحة السابقة.

(٩) كذا في «ف» ، وفي سائر النسخ : من.

(١٠) لم نقف في باب المكاسب من جامع المقاصد (٤ : ٢٧) إلاّ على ما يلي : «ولو اقتضت المصلحة الكذب وجبت التورية» ، نعم في باب الوديعة (٦ : ٣٨) ما يلي : «وتجب التورية على العارف بها بأن يقصد ما يخرجه عن الكذب».

وجه ما ذكره الفقهاء في وجوب التورية

ووجه ما ذكره : أنّ الكذب حرام ، ولم يحصل الاضطرار إليه مع القدرة على التورية ، فيدخل تحت العمومات (١) ، مع أن قبح الكذب عقليّ ، فلا يسوغ إلاّ مع تحقّق عنوانٍ حَسَنٍ في ضمنه يغلب حسنه على قبحه ، ويتوقّف تحقّقه على تحقّقه ، ولا يكون التوقف إلاّ مع العجز عن التورية.

مقتضى الاطلاقات عدم الوجوب

وهذا الحكم جيّد ، إلاّ أنّ مقتضى إطلاقات أدلّة الترخيص في الحلف كاذباً لدفع الضرر البدني أو المالي عن نفسه أو أخيه ، عدم اعتبار ذلك.

ففي رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن علي عليهم‌السلام : «قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : احلف بالله كاذباً ونجِّ أخاك من القتل» (٢).

وصحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام : «سألته عن رجل يخاف على ماله من السلطان ، فيحلف له لينجو به منه. قال : لا بأس. وسألته : هل يحلف الرجل على مال أخيه كما يحلف على مال نفسه (٣)؟ قال : نعم» (٤).

وعن الفقيه ، قال : «قال الصادق عليه‌السلام : اليمين على وجهين إلى أن قال ـ : فأمّا اليمين التي يؤجر عليها الرجل إذا حلف كاذباً‌

__________________

(١) المتقدمة في أوّل البحث.

(٢) الوسائل ١٦ : ١٣٤ ، الباب ١٢ من أبواب كتاب الأيمان ، الحديث ٤.

(٣) في الوسائل ونسخة بدل «ش» : ماله.

(٤) الوسائل ١٦ : ١٣٤ ، الباب ١٢ من أبواب كتاب الأيمان ، الحديث الأول.