درس مکاسب محرمه

جلسه ۲۰۹: کذب ۱۰

 

وجه ما ذكره الفقهاء في وجوب التورية

ووجه ما ذكره : أنّ الكذب حرام ، ولم يحصل الاضطرار إليه مع القدرة على التورية ، فيدخل تحت العمومات (١) ، مع أن قبح الكذب عقليّ ، فلا يسوغ إلاّ مع تحقّق عنوانٍ حَسَنٍ في ضمنه يغلب حسنه على قبحه ، ويتوقّف تحقّقه على تحقّقه ، ولا يكون التوقف إلاّ مع العجز عن التورية.

مقتضى الاطلاقات عدم الوجوب

وهذا الحكم جيّد ، إلاّ أنّ مقتضى إطلاقات أدلّة الترخيص في الحلف كاذباً لدفع الضرر البدني أو المالي عن نفسه أو أخيه ، عدم اعتبار ذلك.

ففي رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن علي عليهم‌السلام : «قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : احلف بالله كاذباً ونجِّ أخاك من القتل» (٢).

وصحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام : «سألته عن رجل يخاف على ماله من السلطان ، فيحلف له لينجو به منه. قال : لا بأس. وسألته : هل يحلف الرجل على مال أخيه كما يحلف على مال نفسه (٣)؟ قال : نعم» (٤).

وعن الفقيه ، قال : «قال الصادق عليه‌السلام : اليمين على وجهين إلى أن قال ـ : فأمّا اليمين التي يؤجر عليها الرجل إذا حلف كاذباً‌

__________________

(١) المتقدمة في أوّل البحث.

(٢) الوسائل ١٦ : ١٣٤ ، الباب ١٢ من أبواب كتاب الأيمان ، الحديث ٤.

(٣) في الوسائل ونسخة بدل «ش» : ماله.

(٤) الوسائل ١٦ : ١٣٤ ، الباب ١٢ من أبواب كتاب الأيمان ، الحديث الأول.

و (١) لم تلزمه الكفارة ، فهو أن يحلف الرجل في خلاص امرئ مسلم ، أو خلاص ماله من متعدٍّ يتعدّى عليه من لصّ ، أو غيره» (٢).

وفي موثقة زرارة بابن بكير : «إنّا نمرّ على هؤلاء القوم ، فيستحلفونا على أموالنا وقد أدّينا زكاتها؟ فقال : يا زرارة إذا خفت فاحلف لهم بما شاءوا» (٣).

ورواية سماعة عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «إذا حلف الرجل تقيّة (٤) لم يضرّه إذا هو (٥) أُكره ، أو اضطر (٦) إليه. وقال : ليس شي‌ء ممّا (٧) حرّم الله إلاّ وقد أحلّه لمن اضطر إليه» (٨).

إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في هذا الباب (٩) وفيما يأتي (١٠) ،

__________________

(١) الواو» غير موجودة في «خ» ، «م» و «ع».

(٢) الفقيه ٣ : ٣٦٦ ٣٦٧ ، الحديث ٤٢٩٧ ، وفيه : ولا تلزمه الكفارة ، والوسائل ١٦ : ١٣٥ ، الباب ١٢ من أبواب كتاب الأيمان ، الحديث ٩.

(٣) الوسائل ١٦ : ١٣٦ ، الباب ١٢ من أبواب كتاب الأيمان ، الحديث ١٤ ، وفيه : «ما شاءوا» ، نعم وردت عبارة «بما شاءوا» في جواب السؤال عن الحلف بالطلاق والعتاق.

(٤) لم ترد «تقية» في غير «ص» و «ش».

(٥) لم ترد «هو» في «ف» ، «ن» ، «خ» ، «م» و «ع».

(٦) في الوسائل : واضطر.

(٧) في «ف» ، «ن» ، «م» و «ص» : فيما.

(٨) الوسائل ١٦ : ١٣٧ ، الباب ١٢ من أبواب كتاب الأيمان ، الحديث ١٨.

(٩) الوسائل ١٦ : ١٣٧ ، الباب ١٢ من أبواب كتاب الأيمان.

(١٠) يأتي في الصفحة ٣١ ، (الثاني من مسوّغات الكذب).

من جواز الكذب في الإصلاح ، التي يصعب على الفقيه التزام تقييدها بصورة عدم القدرة على التورية.

المختار اشتراط جواز الكذب بعدم إمكان التورية

وأما حكم العقل بقبح الكذب في غير مقام توقّف تحقّق المصلحة الراجحة عليه ، فهو وإن كان مسلّماً إلاّ أنّه يمكن القول بالعفو عنه شرعاً ؛ للأخبار المذكورة ، كما عفي عن الكذب في الإصلاح ، وعن السّب والتبرّي مع الإكراه ، مع أنّه قبيح عقلاً أيضاً ، مع أن إيجاب التورية على القادر لا يخلو عن التزام ما يعسر (١) كما لا يخفى ، فلو قيل بتوسعة الشارع على العباد بعدم ترتيب الآثار على الكذب في ما نحن فيه وإن قدر على التورية ، كان حسناً ، إلاّ أنّ الاحتياط في خلافه ، بل هو المطابق للقواعد لولا استبعاد التقييد في هذه المطلقات ؛ لأنّ النسبة بين هذه المطلقات ، وبين ما دلّ كالرواية الأخيرة وغيرها على اختصاص الجواز بصورة الاضطرار المستلزم للمنع مع عدمه مطلقاً ، عموم من وجه ، فيرجع إلى عمومات حرمة الكذب ، فتأمّل.

هذا ، مع إمكان منع الاستبعاد المذكور ؛ لأنّ مورد الأخبار عدم الالتفات إلى التورية في مقام الضرورة إلى الكذب ؛ إذ مع الالتفات فالغالب اختيارها ؛ إذ لا داعي إلى العدول عنها إلى الكذب.

هل يتحقّق الإكراه في صورة القدرة على التورية؟

ثمّ إنّ أكثر الأصحاب مع تقييدهم جواز الكذب بعدم القدرة (٢) على التورية (٣) ، أطلقوا القول بلغوية ما أكره عليه ، من العقود‌

__________________

(١) كذا في «ف» ومصححة «م» ونسخة بدل «ش» ، وفي النسخ : بالعُسر.

(٢) في «ف» : «بالقدرة» بدل «بعدم القدرة».

(٣) راجع الصفحة ٢٢.