درس مکاسب محرمه

جلسه ۲۶۲: نوع پنجم از مکاسب محرمه ۴

 

الإخلاص.

وفيه مضافاً إلى اقتضاء ذلك ، الفرق بين الإجارة والجعالة ، حيث إنّ الجعالة لا توجب العمل على العامل ـ (١) أنّه إن أُريد أنّ تضاعف الوجوب يؤكّد اشتراط الإخلاص ، فلا ريب أنّ الوجوب الحاصل بالإجارة توصّلي لا يشترط في حصول ما وجب به قصد القربة ، مع أنّ غرض المستدلّ منافاة قصد أخذ المال لتحقق الإخلاص في العمل ، لا لاعتباره في وجوبه.

وإن أُريد أنّه يؤكّد تحقّق الإخلاص من العامل ، فهو مخالف للواقع قطعاً ؛ لأنّ ما لا يترتّب عليه أجر دنيوي أخلص ممّا يترتّب عليه ذلك بحكم الوجدان.

هذا ، مع أنّ الوجوب الناشئ من الإجارة إنّما يتعلّق بالوفاء بعقد الإجارة ، ومقتضى الإخلاص المعتبر في ترتّب الثواب على موافقة هذا الأمر ولو لم (٢) يعتبر في سقوطه هو إتيان الفعل من حيث استحقاق المستأجر له (٣) بإزاء ماله ، فهذا المعنى ينافي وجوب إتيان العبادة لأجل استحقاقه تعالى إيّاه ؛ ولذا لو لم يكن هذا العقد واجب الوفاء كما في الجعالة لم يمكن قصد الإخلاص مع قصد استحقاق العوض ، فلا إخلاص هنا حتى يؤكّده وجوب الوفاء بعد الإيجاب بالإجارة ، فالمانع حقيقة هو عدم القدرة على إيجاد الفعل الصحيح بإزاء العوض ،

__________________

(١) لم يرد قوله «مضافاً إلى العامل» في «ف».

(٢) في «ف» : وإن لم.

(٣) في «م» : المستأجر به ، وفي الهامش : المستأجر له.

سواء كانت المعاوضة لازمة أم جائزة.

القربة في العبادات المستأجرة

وأمّا تأتّي القربة في العبادات المستأجرة ، فلأنّ الإجارة إنّما تقع على الفعل المأتي به تقرّباً إلى الله ، نيابة عن فلان.

توضيحه : أنّ الشخص يجعل نفسه نائباً عن فلان في العمل متقرّباً إلى الله ، فالمنوب عنه يتقرّب إليه تعالى بعمل نائبه وتقرّبه ، وهذا الجعل في نفسه مستحبّ ؛ لأنّه إحسان إلى المنوب عنه وإيصال نفع إليه ، وقد يستأجر الشخص عليه فيصير واجباً بالإجارة وجوباً توصّلياً لا يعتبر فيه التقرّب.

فالأجير إنّما يجعل نفسه لأجل استحقاق الأُجرة نائباً عن الغير في إتيان العمل الفلاني تقرّباً إلى الله ، فالأُجرة في مقابل النيابة في العمل المتقرّب به إلى الله التي مرجع نفعها إلى المنوب عنه ، وهذا بخلاف ما نحن فيه ؛ لأنّ الأُجرة هنا في مقابل العمل تقرّباً إلى الله لأنّ العمل بهذا الوجه لا يرجع نفعه إلاّ إلى العامل ؛ لأنّ المفروض أنّه يمتثل ما وجب على نفسه ، بل في مقابل نفس العمل ، فهو يستحقّ نفس العمل ، والمفروض أنّ الإخلاص إتيان العمل لخصوص أمر الله تعالى (١) ، والتقرّب يقع للعامل دون الباذل ، ووقوعه للعامل يتوقّف على أن لا يقصد بالعبادة سوى امتثال أمر الله تعالى.

فإن قلت : يمكن للأجير أن يأتي بالفعل مخلصاً لله تعالى ، بحيث لا يكون للإجارة دخل في إتيانه فيستحقّ الأُجرة ، فالإجارة غير مانعة‌

__________________

(١) شطب في «ف» على عبارة «لأنّ العمل إلى تعالى» ، وكتب عليها في «ن» ، «خ» ، «م» ، «ع» و «ش» : نسخة.