درس مکاسب محرمه

جلسه ۱۵۶: تنجیم ۳

 

القرب والبعد والمقابلة والاقتران بين الكوكبين إذا كان على وجه الظن المستند إلى تجربة محصّلة أو منقولة في وقوع تلك الحاثة بإرادة الله عند الوضع الخاص ، من دون اعتقاد ربط بينهما أصلاً.

قصّة المحقّق نصير الدين الطوسي والطحّان

بل الظاهر حينئذٍ جواز الإخبار على وجه القطع إذا استند إلى تجربة قطعية ؛ إذ لا حَرجَ على من حَكَم قطعاً بالمطر في هذه الليلة ؛ نظراً إلى ما جرّبه من نزول كلبه من (١) السطح إلى داخل البيت مثلاً كما حكي : أنّه اتّفق ذلك لمروّج هذا العلم ، بل محييه «نصير الملّة والدين» حيث نزل في بعض أسفاره على طحّانٍ ، له طاحونة خارج البلد ، فلمّا دخل منزله صعد السطح لحرارة الهواء ، فقال له صاحب المنزل : انزل ونَمْ في البيت تحفّظاً من المطر ، فنظر المحقّق إلى الأوضاع الفلكية ، فلم يرَ شيئاً فيما هو مظنة للتأثير في المطر ، فقال صاحب المنزل : إنّ لي كلباً ينزل في كلّ ليلة يحسّ المطر فيها إلى البيت ، فلم يقبل منه المحقق ذلك ، وبات فوق السطح ، فجاءه المطر في الليل ، وتعجب المحقّق (٢).

ثم إنّ ما سيجي‌ء في عدم جواز تصديق المنجّم يراد به غير هذا ، أو ينصرف إلى غيره ؛ لما عرفت من معنى التنجيم.

الثالث :

حكم الاخبار مستنداً الى تاثير الاتّصالات الفلكيّة

الإخبار عن الحادثات والحكم بها مستنداً إلى تأثير الاتصالات

__________________

(١) كذا في «ف» ، وفي غيره : عن.

(٢) وردت القضية في قصص العلماء : ٣٧٤ ٣٧٥ ، فراجع.

ما هو المصطلح عليه بالتنجيم

المذكورة فيها بالاستقلال أو بالمدخلية ، وهو المصطلح عليه بالتنجيم.

فظاهر الفتاوى والنصوص حرمته مؤكدة ، فقد أرسل المحقق في المعتبر عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه «من صدّق منجّماً أو كاهناً فقد كفر بما انزل على محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» (١). وهو يدل على حرمة حكم المنجّم بأبلغ وجه.

النصوص الدالّة على الحرمة

وفي رواية نصر بن قابوس ، عن الصادق عليه‌السلام : «أنّ المنجّم ملعون ، والكاهن ملعون ، والساحر ملعون» (٢).

محاورة أميرالمؤمنين (ع) مع بعض المنجّمين

وفي نهج البلاغة : أنّه صلوات الله عليه لمّا أراد المسير إلى بعض أسفاره ، فقال له بعض أصحابه : إن سرت في هذا الوقت خشيت أن لا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم ـ ، فقال عليه‌السلام له : «أتزعم أنّك تهدي إلى الساعة التي من سار فيها انصرف عنه السوء؟ وتُخوّف الساعة التي من سار فيها حاق به الضرّ ، فمن صدّقك بهذا (٣) ، فقد كذّب القرآن ، واستغنى عن الاستعانة بالله تعالى في نيل المحبوب ، ودفع المكروه (٤) .. إلى أن قال ـ : أيها الناس إيّاكم وتعلّم النجوم إلاّ ما يُهتدى به في بَرّ أو بحر ؛ فإنّها تدعو إلى الكهانة [والمنجّم كالكاهن (٥)] والكاهن (٦)

__________________

(١) المعتبر ٢ : ٦٨٨.

(٢) الوسائل ١٢ : ١٠٣ ، الباب ٢٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٧.

(٣) في غير «ف» : بهذا القول.

(٤) كذا في «ص» والمصدر ، وفي سائر النسخ : المكروب.

(٥) أثبتناه من المصدر.

(٦) في «ن» ، «خ» ، «م» ، «ع» ، «ش» : فالكاهن.

كالساحر ، والساحر كالكافر ، والكافر في النار .. إلخ» (١).

محاورة أميرالمؤمنين (ع) مع منجّمٍ آخر

وقريب منه ما وقع (٢) بينه وبين منجم آخر نهاه عن المسير أيضاً ، فقال عليه‌السلام له : «أتدري ما في بطن هذه الدابة أذَكَرٌ أم أُنثى؟ قال : إن حَسَبْتُ علمت ، قال عليه‌السلام : فمن صدّقك بهذا القول فقد كذّب بالقرآن (٣) ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ ..﴾ الآية ، ما كان محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدّعي ما ادعيت ؛ أتزعم أنّك تهدي إلى الساعة التي من سار فيها صرف عنه السوء ، والساعة التي مَن سار فيها حاق به الضر ؛ من صدقك [بهذا (٤)] استغنى [بقولك (٥)] عن الاستعانة بالله في هذا الوجه ، وأُحوج إلى الرغبة إليك في دفع المكروه عنه» (٦).

قول الصادق عليه السلام لعبدالملك ابن أعين : «أحرق كتبك»

وفي رواية عبد الملك بن أعين المروية عن الفقيه ـ : «قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : إنّي قد ابتليت بهذا العلم (٧) فأُريد الحاجة ، فإذا نظرت إلى الطالع ورأيت الطالع الشر جلست ولم أذهب فيها ، وإذا‌

__________________

(١) نهج البلاغة : ١٠٥ ، الخطبة ٧٩.

(٢) في «خ» ، «م» ، «ع» ، «ص» : ما وقع بعينه ، وشُطب في «ن» على «بعينه».

(٣) في «ش» زيادة : قال الله.

(٤) أثبتنا «بهذا» من «ع» وهامش «ن» ، «ص».

(٥) أثبتنا «بقولك» من هامش «ن».

(٦) الوسائل ٨ : ٢٦٩ ، الباب ١٤ من أبواب آداب السفر إلى الحج وغيره ، الحديث ٤ ، مع اختلاف.

(٧) في «ش» والمصدر : «بالنظر في النجوم» بدل «بهذا العلم».

رأيت الطالع الخير ذهبت في الحاجة. فقال لي : تقضي؟ قلت : نعم ، قال : أحرق كتبك» (١).

روایة مفضل بن عمر في قوله تعالى : (وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات)

وفي رواية مفضّل بن عمر (٢) المروية عن معاني الأخبار في قوله تعالى ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ قال : «وأمّا الكلمات ، فمنها ما ذكرناه ، ومنها المعرفة بقدم بارئه وتوحيده وتنزيهه عن الشبيه حتى نظر إلى الكواكب والقمر والشمس واستدل بأُفول كلٍّ منها على حدوثه وبحدوثه على محدثة ، ثم أعلمه (٣) أنّ الحكم بالنجوم خطأ» (٤).

جواز النظر في النجوم لمجرّد التفؤّل إن فهم الخير والتحذّر بالصدقة إن فهم الشرّ

ثم إنّ مقتضى الاستفصال في رواية عبد الملك المتقدمة بين القضاء بالنجوم بعد النظر وعدمه : أنّه لا بأس بالنظر إذا لم يُقضَ به بل أُريد به مجرد التفؤّل إن فهم الخير ، والتحذُّر بالصدقة إن فهم الشر ، كما يدل عليه ما عن المحاسن ، عن أبيه عن ابن أبي عمير ، عن عمر بن أُذينة (٥) عن سفيان بن عمر ، قال : «كنت أنظر في النجوم وأعرفها وأعرف الطالع فيدخلني من ذلك شي‌ء ، فشكوت ذلك إلى‌

__________________

(١) الفقيه ٢ : ٢٦٧ ، الحديث ٢٤٠٢ ، ورواه في الوسائل ٨ : ٢٦٨ ، الباب ١٤ من أبواب آداب السفر إلى الحج ، الحديث الأوّل.

(٢) في النسخ : «فضيل بن عمرو» ، والصحيح ما أثبتناه ، طبقاً للمصدر.

(٣) كذا في «ف» ، وفي مصححة «ن» : «علم» وفي سائر النسخ : «أعلم» ، وفي المصدر : «علّمه».

(٤) معاني الأخبار : ١٢٧ ، باختلاف يسير.

(٥) في النسخ : «عمرو بن أُذينة» ، والصواب ما أثبتناه ، كما في كتب الأخبار والتراجم.