درس مکاسب محرمه

جلسه ۱۸۸: سحر ۲

 

الأوّل سحر الكلدانيين‌ (١) الذين كانوا في قديم الدهر ، وهم قوم كانوا يعبدون الكواكب ، ويزعمون أنّها المدبِّرة لهذا العالم ، ومنها تصدر (٢) الخيرات والشرور والسعادات والنحوسات.

ثم ذكر أنّهم على ثلاثة مذاهب :

فمنهم : من يزعم أنّها الواجبة لذاتها الخالقة للعالم.

ومنهم : من يزعم أنّها قديمة ؛ لقدم العلة المؤثرة فيها.

ومنهم : من يزعم أنّها حادثة مخلوقة فعالة مختارة فوّض خالقُها أمر العالم إليها.

والساحر عند هذه الفرق من يعرف القوى العالية الفعّالة بسائطها ومركّباتها ، ويعرف ما يليق بالعالم السفلي ويعرف معدّاتها ليعدّها وعوائقها ليرفعها بحسب الطاقة البشرية ، فيكون متمكناً من استجذاب (٣) ما يخرق العادة.

الثاني (٤) سحر أصحاب الأوهام‌ والنفوس القويّة.

الثالث الاستعانة بالأرواح الأرضية ، وقد أنكرها بعض الفلاسفة ، وقال بها الأكابر منهم. وهي في أنفسها مختلفة ، فمنهم خيّرة ، وهم مؤمنو الجنّ ، وشريرة ، وهم كفّار الجنّ وشياطينهم.

الرابع التخيّلات والأخذ بالعيون ، مثل راكب السفينة يتخيل نفسه ساكناً والشطّ متحرّكاً.

__________________

(١) في «ف» ، «ن» ، «خ» ، «م» و «ع» : الكذّابين ، وفي المصدر : الكلدانيين والكذّابين.

(٢) كذا في المصدر ، وفي «ش» : «تصدير» ، وفي سائر النسخ : تقدير.

(٣) كذا في «ف» والمصدر ، وفي سائر النسخ : استحداث.

(٤) في «ف» زيادة : ثم قال : الثاني ..

الخامس الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة على نسب الهندسة ،  كرقّاص يرقص ، وفارسان يقتتلان.

السادس الاستعانة بخواص الأدوية ، مثل أن يجعل في الطعام بعض الأدوية المبلّدة أو المزيلة للعقل ، أو الدخن المسكر ، أو عصارة البَنْج المجعول في المُلَبَّس (١). وهذا ممّا لا سبيل إلى إنكاره ، وأثر المغناطيس شاهد (٢).

السابع تعليق القلب ، وهو أن يدعي الساحر أنّه يعرف علم الكيميا (٣) وعلم السيمياء (٤) والاسم الأعظم حتى يميل إليه العوام ، وليس له أصل.

الثامن النميمة‌ (٥) ، انتهى الملخص منه.

وما ذكره من وجوه السحر بعضها قد تقدم عن الإيضاح (٦) وبعضها قد ذكر في ما ذكره في الاحتجاج من حديث الزنديق الذي‌

__________________

(١) بصيغة المفعول من باب التفعيل ، يراد منه هنا ما يقال [له] : «نُقْل» في لغة الفرس والترك ، وهو قسم من أقسام الحلويات (شرح الشهيدي : ٥٩).

(٢) كذا في النسخ ، وفي المصدر : مشاهد.

(٣) الكيمياء علم يراد به تحويل بعض المعادن إلى بعض ، وعلى الخصوص تحويلها إلى الذهب. (محيط المحيط : ٨٠١ ، مادة «كمي»).

(٤) في «ش» : الليميا ، وعلم السيمياء : علم يطلق على غير الحقيقي من السحر ، وحاصله إحداث مثالات خيالية لا وجود لها في الحسّ ، وقد يطلق على إيجاد تلك المثالات بصورها في الحس ، وتكون صوراً في جوهر الهواء. (محيط المحيط : ٤٤٣ ، مادة «سوم».

(٥) البحار ٥٩ : ٢٧٨ ٢٩٧.

(٦) تقدم في الصفحة : ٢٦٠.

سأل أبا عبد الله عليه‌السلام عن مسائل كثيرة :

الاشارة إلى بعض أقسام السحر في الرواية

منها : ما ذكره بقوله : أخبرني عن السحر ما أصله؟ وكيف يقدر الساحر على ما يوصف من عجائبه وما يفعل؟

قال أبو عبد الله عليه‌السلام : «إنّ السحر على وجوه شتّى ، منها : بمنزلة الطب ، كما أنّ الأطباء وضعوا لكل داء دواء ، فكذلك علم (١) السحر ، احتالوا لكل صحة آفة ، ولكل عافية عاهة ، ولكل معنى حيلة. ونوع آخر منه خَطفة وسُرعة ومخاريق وخِفّة. ونوع منه ما يأخذه أولياء الشياطين منهم.

قال : فمن أين علم الشياطين السحر؟

قال : من حيث علم الأطباء الطب ، بعضه بتجربة وبعضه بعلاج.

قال : فما تقول في الملَكين هاروت وما روت ، وما يقول الناس : إنّهما يعلّمان الناس السحر؟

قال : إنّما هما موضع ابتلاء وموقف فتنة ، تسبيحهما : اليوم لو فعل الإنسان كذا وكذا لكان كذا ، ولو تعالج بكذا وكذا لصار كذا ، فيتعلمون منهما ما يخرج عنهما ، فيقولان لهم : إنّما نحن فتنة ، فلا تأخذوا عنّا ما يضركم ولا ينفعكم.

قال : أفيقدر الساحر على أن يجعل الإنسان بسحره في صورة كلب أو حمار أو غير ذلك؟

قال : هو أعجز من ذلك ، وأضعف من أن يغير خلق الله! إنّ من أبطل ما ركّبه الله تعالى وصوّر غيره (٢) فهو شريك الله في خلقه ،

__________________

(١) كذا في أكثر النسخ والمصدر ، وفي «ص» و «ش» : علماء.

(٢) في المصدر : وصوّره ، وغيّره.

تعالى الله عن ذلك عُلوّاً كبيراً ، لو قدر الساحر على ما وصفت لدفع عن نفسه الهَرَم والآفة والأمراض ، ولنفى البياضَ عن رأسه والفقرَ عن ساحته. وإنّ من أكبر السحر النميمة ، يفرّق بها بين المتحابّين ، ويجلب العداوة على المتصافين ، ويسفك بها الدماء ، ويهدم بها الدور ، ويكشف بها الستور ، والنمّام شرّ من وطأ الأرض بقدمه ، فأقرب أقاويل السحر من الصواب أنّه بمنزلة الطب ، إنّ الساحر عالج الرجل فامتنع من مجامعة النساء فجاءه الطبيب فعالجه بغير ذلك فأبرأه .. الحديث» (١).

ثم لا يخفى أنّ الجمع بين ما ذكر في معنى السحر في غاية الإشكال ، لكن المهم بيان حكمه ، لا موضوعه.

حكم أقسام السحر

المقام الثاني في حكم الأقسام المذكورة.

دعوى ضرورة الدين على حرمة أربعة أقسام منه

فنقول : أمّا الأقسام الأربعة المتقدمة من الإيضاح ، فيكفي في حرمتها مضافاً إلى شهادة المحدّث المجلسي رحمه‌الله في البحار بدخولها في المعنى المعروف للسحر عند أهل الشرع ، فيشملها الإطلاقات دعوى فخر المحققين في الإيضاح (٢) كون حرمتها من ضروريات الدين ، وأنّ مستحلها كافر (٣) [وهو ظاهر الدروس أيضاً فحكم بقتل مستحلّها (٤) (٥)] ،

__________________

(١) الاحتجاج ٢ : ٨١ ، مع اختلاف.

(٢) إيضاح الفوائد ١ : ٤٠٥ ، وعبارته خالية من دعوى الضرورة.

(٣) في «ن» ، «خ» ، «م» ، «ع» و «ص» زيادة : ودعوى الشهيدين في الدروس والمسالك أنّ مستحلّه يقتل.

(٤) الدروس ٣ : ١٦٤.

(٥) ما بين المعقوفتين ساقط من «ف».