درس بدایة الحکمة

جلسه ۲: جلسه دوم

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

في تعريف هذا الفن وموضوعه وغايته

الحمد لله وله الثناء بحقيقته ، والصلاة والسلام على رسوله محمد ، خير خليقته وآله الطاهرين من أهل بيته وعترته.

الحكمة الإلهية علم يبحث فيه ، عن أحوال الموجود بما هو موجود ، وموضوعها الذي يبحث فيه عن أعراضه الذاتية ، هو الموجود بما هو موجود ، وغايتها معرفة الموجودات على وجه كلي ، وتمييزها مما ليس بموجود حقيقي.

توضيح ذلك ، أن الإنسان يجد من نفسه ، أن لنفسه حقيقة وواقعية ، وأن هناك حقيقة وواقعية وراء نفسه ، وأن له أن يصيبها ، فلا يطلب شيئا من الأشياء ، ولا يقصده إلا من جهة ، أنه هو ذلك الشيء في الواقع ، ولا يهرب من شيء ولا يندفع عنه ، إلا لكونه هو ذلك الشيء في الحقيقة.

فالطفل الذي يطلب الضرع مثلا ، إنما يطلب ما هو بحسب الواقع لبن ، لا ما هو بحسب التوهم والحسبان كذلك.

والإنسان الذي يهرب من سبع ، إنما يهرب مما هو بحسب الحقيقة ، سبع لا بحسب التوهم والخرافة.

لكنه ربما أخطأ في نظره ، فرأى ما ليس بحق حقا واقعا في الخارج ،

كالبخت والغول ، أو اعتقد ما هو حق واقع في الخارج ، باطلا خرافيا كالنفس المجردة والعقل المجرد ، فمست الحاجة ، بادئ بدء إلى معرفة أحوال الموجود ، بما هو موجود الخاصة به ، ليميز بها ما هو موجود في الواقع ، مما ليس كذلك ، والعلم الباحث عنها هو الحكمة الإلهية.

فالحكمة الإلهية هي ، العلم الباحث عن أحوال الموجود ، بما هو موجود ، ويسمى أيضا الفلسفة الأولى ، والعلم الأعلى ، وموضوعه الموجود بما هو موجود ، وغايته تمييز الموجودات الحقيقية من غيرها ، ومعرفة العلل العالية للوجود ، وبالأخص العلة الأولى ، التي إليها تنتهي سلسلة الموجودات ، وأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، وهو الله عز إسمه.

 

المرحلة الأولى

في كليات مباحث الوجود

وفيها اثنا عشر فصلاً

الفصل الأول

في بداهة مفهوم الوجود

مفهوم الوجود بديهي معقول بنفس ذاته ، لا يحتاج فيه إلى توسيط شيء آخر ، فلا معرف له من حد أو رسم ، لوجوب كون المعرف أجلى وأظهر من المعرف ، فما أورد في تعريفه ، من أن الوجود أو الموجود بما هو موجود ، هو الثابت العين أو الذي يمكن أن يخبر عنه ، من قبيل شرح الاسم دون المعرف الحقيقي ، على أنه سيجيء (١) أن الوجود ، لا جنس له ولا فصل له ولا خاصة له ، بمعنى إحدى الكليات الخمس ، والمعرف يتركب منها فلا معرف للوجود

الفصل الثاني

في أن مفهوم الوجود مشترك معنوي

يحمل الوجود على موضوعاته ، بمعنى واحد اشتراكا معنويا.

ومن الدليل عليه ، أنا نقسم الوجود إلى أقسامه المختلفة ، كتقسيمه إلى وجود الواجب ووجود الممكن ، وتقسيم وجود الممكن إلى وجود الجوهر ووجود العرض ، ثم وجود الجوهر إلى أقسامه ، ووجود العرض إلى أقسامه ، ومن المعلوم أن التقسيم يتوقف في صحته ، على وحدة المقسم ووجوده في الأقسام.

__________________

(١) في الفصل السابع.