درس بدایة الحکمة

جلسه ۵۵: پنجاه و پنجم

 

وإن صدق عليها الجوهر كما عرفت (١) في بحث الماهية ، ويجري نظير الكلام في النفس(٢).

الفصل الثالث

في الجسم

لا ريب أن هناك أجساما مختلفة تشترك في أصل الجسمية ، التي هي الجوهر الممتد في الجهات الثلاث ، فالجسم بما هو جسم ، قابل للانقسام في جهاته المفروضة ، وله وحدة اتصالية عند الحس ، فهل هو متصل واحد في الحقيقة كما هو عند الحس ، أو مجموعة أجزاء ذات فواصل على خلاف ما عند الحس.

وعلى الأول فهل الأقسام ، التي له بالقوة متناهية أو غير متناهية ، وعلى الثاني فهل الأقسام التي هي بالفعل ، وهي التي انتهى التجزي إليها لا تقبل الانقسام خارجا ، لكن تقبله وهما وعقلا ، لكونها أجساما صغارا ذوات حجم ، أو أنها لا تقبل الانقسام لا خارجا ولا وهما ولا عقلا ، لعدم اشتمالها على حجم ، وإنما تقبل الإشارة الحسية ، وهي متناهية أو غير متناهية ، ولكل من الشقوق المذكورة قائل.

فالأقوال خمسة.

الأول إن الجسم متصل واحد بحسب الحقيقة ، كما هو عند الحس وله أجزاء بالقوة متناهية ، ونسب إلى الشهرستاني.

__________________

(١) الفصل الخامس من المرحلة الخامسة.

(٢) لأنّ النفس ، فيماله نفس ، صورة للنوع الجوهري ، وفصول الجواهر ليست مندرجة تحت مقولة الجوهر. منه رحمه الله.

الثاني : أنه متصل حقيقة كما هو متصل حسا ، وهو منقسم انقسامات غير متناهية بمعنى لا يقف ، أي أنه يقبل الانقسام الخارجي ، بقطع أو باختلاف عرضين ونحوه ، حتى إذا لم يعمل الآلات القطاعة ، في تقسيمه لصغره قسمة الوهم ، حتى إذا عجز عن تصوره لصغره البالغ ، حكم العقل كليا بأنه كلما قسم إلى أجزاء كان الجزء الحاصل ، لكونه ذا حجم له طرف غير طرف ، يقبل القسمة من غير وقوف ، فإن ورود القسمة لا يعدم الحجم ونسب إلى الحكماء.

الثالث أنه مجموعة أجزاء صغار صلبه لا تخلو من حجم ، يقبل القسمة الوهمية والعقلية دون الخارجية ، ونسب إلى ذي مقراطيس.

الرابع أنه مؤلف من أجزاء لا تتجزأ ، لا خارجا ولا وهما ولا عقلا ، وإنما تقبل الإشارة الحسية وهي متناهية ، ذوات فواصل في الجسم تمر الآلة القطاعة من مواضع الفصل ، ونسب إلى جمهور المتكلمين.

الخامس تأليف الجسم منها كما في القول الرابع ، إلا أنها غير متناهية ، ويدفع القولين الرابع والخامس ، أن ما ادعى من الأجزاء التي لا تتجزأ ، إن لم تكن ذوات حجم ، امتنع أن يتحقق من اجتماعها جسم ذو حجم بالضرورة ، وإن كانت ذوات حجم ، لزمها الانقسام الوهمي والعقلي بالضرورة ، وإن فرض عدم انقسامها الخارجي لنهاية صغرها.

على أنها لو كانت غير متناهية ، كان الجسم المتكون من اجتماعها ، غير متناهي الحجم بالضرورة ، وقد أقيمت على بطلان الجزء الذي لا يتجزى ، وجوه من البراهين مذكورة في المطولات.

ويدفع القول الثاني ، وهن الوجوه التي أقيمت على كون الجسم البسيط (١) ، ذا اتصال واحد جوهري ، من غير فواصل كما هو عند الحس ، وقد

__________________

(١) وهو الجسم غير المؤلف من أجسام مختلفة الطبائع ، كأجسام العناصر الأولية ـ منه دام ظله.

تسلم علماء الطبيعة أخيرا ، بعد تجربات علمية ممتدة ، أن الأجسام مؤلفة من أجزاء صغار ذرية ، مؤلفة من أجزاء أخرى ، لا تخلو من نواة مركزية ذات جرم ، وليكن أصلا موضوعا لنا.

ويدفع القول الأول أنه يرد عليه ، ما يرد على القول الثاني والرابع والخامس ، لجمعه بين القول باتصال الجسم بالفعل ، وبين انقسامه بالقوة إلى أجزاء متناهية ، تقف القسمة دونها على الإطلاق.

فالجسم الذي هو جوهر ذو اتصال ، يمكن أن يفرض فيه الامتدادات الثلاث ثابت لا ريب فيه ، لكن مصداقه الأجزاء الأولية ، التي يحدث فيها الامتداد الجرمي ، وإليها تتجزأ الأجسام النوعية دون غيرها ، على ما تقدمت الإشارة إليه ، وهو قول ذي مقراطيس ، مع إصلاح ما.

الفصل الرابع

في إثبات المادة الأولى والصورة الجسمية

إن الجسم من حيث هو جسم ، ونعني به ما يحدث فيه الامتداد الجرمي ، أولا وبالذات أمر بالفعل ، ومن حيث ما يمكن أن يلحق به ، شيء من الصور النوعية ولواحقها أمر بالقوة ، وحيثية الفعل غير حيثية القوة ، لأن الفعل متقوم بالوجدان والقوة متقومة بالفقدان ، ففيه جوهر هو قوة الصور الجسمانية ، بحيث إنه ليس له من الفعلية إلا فعلية أنه قوة محضة ، وهذا نحو وجودها ، والجسمية التي بها الفعلية صورة مقومة لها ، فتبين أن الجسم مؤلف من مادة وصورة جسمية ، والمجموع المركب منهما هو الجسم.