درس بدایة الحکمة

جلسه ۵۷: جلسه پنجاه و هفتم

 

موضوعا ، وقد أنهاها الباحثون أخيرا ، إلى ما يقرب من مائة وبضع عنصر.

الفصل السادس

في تلازم المادة والصورة

المادة الأولى والصورة متلازمتان ، لا تنفك إحداهما عن الأخرى.

أما أن المادة لا تتعرى عن الصورة ، فلأن المادة الأولى حقيقتها ، أنها بالقوة من جميع الجهات ، فلا توجد إلا متقومة بفعلية جوهرية متحدة بها ، إذ لا تحقق لموجود إلا بفعلية ، والجوهر الفعلي الذي هذا شأنه هو الصورة ، فإذن المطلوب ثابت.

وإما أن الصور التي من شأنها أن تقارن المادة ، لا تتجرد عنها ، فلأن شيئا من الأنواع التي ينالها الحس والتجربة ، لا يخلو من قوة التغير وإمكان الانفعال ، وهذا أصل موضوع مأخوذ من العلوم الطبيعية ، وما فيه القوة والإمكان لا يخلو من مادة ، فإذن المطلوب ثابت.

الفصل السابع

في أن كلا من المادة والصورة محتاجة إلى الأخرى

بيان ذلك أما إجمالا ، فإن التركيب بين المادة والصورة ، تركيب حقيقي اتحادي ذو وحدة حقيقية ، وقد تقدم (١) أن بعض أجزاء المركب ، الحقيقي محتاج إلى بعض.

__________________

(١) في الفصل السادس من المرحلة الخامسة.

وأما تفصيلا فالصورة محتاجة إلى المادة في تعينها ، فإن الصورة إنما يتعين نوعها ، باستعداد سابق تتحمله المادة ، وهي تقارن صورة سابقة وهكذا.

وأيضا هي محتاجة إلى المادة في تشخصها ، أي في وجودها الخاص بها ، من حيث ملازمتها للعوارض ، المسماة بالعوارض المشخصة ، من الشكل والوضع والأين ومتى وغيرها.

وأما المادة فهي متوقفة الوجود حدوثا وبقاء ، على صورة ما من الصور الواردة عليها تتقوم بها ، وليست الصورة علة تامة ولا علة فاعلية لها ، لحاجتها في تعينها وفي تشخصها إلى المادة ، والعلة الفاعلية إنما تفعل بوجودها الفعلي ، فالفاعل لوجود المادة جوهر ، مفارق للمادة من جميع الجهات ، فهو عقل مجرد أوجد المادة ، وهو يستحفظها بالصورة ، بعد الصورة التي يوجدها في المادة.

فالصورة جزء للعلة التامة ، وشريكة العلة للمادة وشرط لفعلية وجودها.

وقد شبهوا استبقاء العقل المجرد المادة بصورة ما ، بمن يستحفظ سقف بيت بأعمدة متبدلة ، فلا يزال يزيل عمودا وينصب مكانه آخر.

واعترض عليه بأنهم ذهبوا إلى كون هيولى ، عالم العناصر واحدة بالعدد ، فكون صورة ما وهي واحدة بالعموم شريكة العلة لها ، يوجب كون الواحد بالعموم علة للواحد بالعدد ، وهو أقوى وجودا من الواحد بالعموم ، مع أن العلة يجب أن تكون أقوى من معلولها.

ولو أغمضنا عن ذلك فلا ريب ، أن تبدل الصور يستوجب بطلان الصورة السابقة ، وتحقق حقه في محلها ، وإذ فرض أن الصورة جزء العلة التامة للمادة ، فبطلانها يوجب بطلان الكل أعني العلة التامة ، ويبطل بذلك المادة ، فأخذ صورة ما شريكة العلة لوجود المادة ، يؤدى إلى نفي المادة.

والجواب أنه سيأتي في مرحلة القوة والفعل (١) ، أن تبدل الصور في

__________________

(١) في الفصل الحادي عشر من المرحلة العاشرة.