المرحلة التاسعة
في السبق واللحوق والقدم والحدوث
وفيها ثلاثة فصول
الفصل الأول
في معنى السبق واللحوق وأقسامهما والمعية
إن من عوارض الموجود بما هو موجود السبق واللحوق ، وذلك أنه ربما كان لشيئين بما هما موجودان ، نسبة مشتركة إلى مبدإ وجودي ، لكن لأحدهما منها ما ليس للآخر ، كنسبة الاثنين والثلاثة إلى الواحد ، لكن الاثنين أقرب إليه فيسمى سابقا ومتقدما ، وتسمى الثلاثة لاحقة ومتأخرة ، وربما كانت النسبة المشتركة ، من غير تفاوت بين المنتسبين ، فتسمى حالهما بالنسبة إليه معية وهما معان.
وقد عدوا للسبق واللحوق أقساما عثروا عليها بالاستقراء.
منها السبق الزماني ، وهو السبق الذي لا يجامع فيه السابق اللاحق ، كتقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض ، كالأمس على اليوم ، وتقدم الحوادث الواقعة في الزمان السابق ، على الواقعة في الزمان اللاحق ، ويقابله اللحوق الزماني.
ومنها السبق بالطبع ، وهو تقدم العلة الناقصة على المعلول ، كتقدم الاثنين على الثلاثة.
ومنها السبق بالعلية ، وهو تقدم العلة التامة على المعلول.
ومنها السبق بالماهية ، ويسمى أيضا التقدم بالتجوهر ، وهو تقدم علل القوام على معلولها ، كتقدم أجزاء الماهية النوعية على النوع ، وعد منه تقدم
الماهية على لوازمها ، كتقدم الأربعة على الزوجية ، ويقابله اللحوق والتأخر بالماهية والتجوهر.
وتسمى هذه الأقسام الثلاثة ، أعني ما بالطبع وما بالعلية ، وما بالتجوهر سبقا ولحوقا بالذات.
ومنها السبق بالحقيقة ، وهو أن يتلبس السابق بمعنى من المعاني بالذات ، ويتلبس به اللاحق بالعرض ، كتلبس الماء بالجريان حقيقة وبالذات ، وتلبس الميزاب به بالعرض ، ويقابله اللحوق بذاك المعنى ، وهذا القسم مما زاده صدر المتألهين.
ومنها السبق والتقدم بالدهر ، وهو تقدم العلة الموجبة على معلولها ، لكن لا من حيث إيجابها ، لوجود المعلول وإفاضتها له كما في التقدم بالعلية ، بل من حيث انفكاك ، وجودها وانفصاله عن وجود المعلول ، وتقرر عدم المعلول في مرتبة وجودها ، كتقدم نشأة التجرد العقلي على نشأة المادة ، ويقابله اللحوق والتأخر الدهري.
وهذا القسم قد زاده السيد الداماد ، ره ، بناء على ما صوره من الحدوث والقدم الدهريين ، وسيجيء بيانه(١).
ومنها السبق والتقدم بالرتبة ، أعم من أن يكون الترتيب بحسب الطبع ، أو بحسب الوضع والاعتبار ، فالأول كالأجناس والأنواع المترتبة ، فإنك إن ابتدأت آخذا من جنس الأجناس ، كان سابقا متقدما على ما دونه ثم الذي يليه ، وهكذا حتى ينتهي إلى النوع الأخير ، وإن ابتدأت آخذا من النوع الأخير ، كان الأمر في التقدم والتأخر بالعكس.
والثاني كالإمام والمأموم ، فإنك إن اعتبرت المبدأ هو المحراب ، كان الإمام هو السابق على من يليه من المأمومين ، ثم من يليه على من يليه ، وإن
__________________
(١) في الفصل الثالث.