درس بدایة الحکمة

جلسه ۱۰۳: جلسه صد و سوم

 

الفصل الحادي عشر

في تعقيب ما مر في الفصل السابق

ذهب صدر المتألهين ، ره إلى وقوع الحركة في مقولة الجوهر ، واستدل عليه بأمور أوضحها ، أن وقوع الحركة في المقولات الأربع العرضية ، يقضي بوقوعها في مقولة الجوهر ، لأن الأعراض تابعة للجواهر ، مستندة إليها استناد الفعل إلى فاعله ، فالأفعال الجسمانية مستندة إلى الطبائع والصور النوعية ، وهي الأسباب القريبة لها ، وقد تقدم (١) أن السبب القريب للحركة ، أمر تدريجي كمثلها ، فالطبائع والصور النوعية في الأجسام المتحركة ، في الكم والكيف والأين والوضع متغيرة ، سيالة الوجود كأعراضها ، ولو لا ذلك لم يتحقق سبب لشيء من هذه الحركات.

وأورد عليه أنا ننقل الكلام إلى الطبيعة المتجددة ، كيف صدرت عن المبدإ الثابت وهي متجددة.

وأجيب عنه بأن الحركة لما كانت في جوهرها ، فالتغير والتجدد ذاتي لها والذاتي لا يعلل ، فالجاعل إنما جعل المتجدد لا أنه جعل المتجدد متجددا.

وأورد عليه أنا نوجه استناد ، الأعراض المتجددة إلى الطبيعة بهذا الوجه بعينه ، من غير حاجة إلى جعل الطبيعة متجددة ، فالتجدد ذاتي للعرض المتجدد ، والطبيعة جعلت العرض المتجدد ، ولم تجعل المتجدد متجددا.

وأجيب عنه بأن الأعراض ، مستندة في وجودها إلى الجوهر وتابعة له ،

__________________

(١) في الفصل السابع.

فالذاتية لا بد أن تتم في الجواهر.

وأورد عليه أيضا ، أن القوم صححوا ارتباط ، هذه الأعراض المتجددة إلى المبدإ الثابت ، من طبيعة وغيرها بنحو آخر ، وهو أن التغير لاحق لها من خارج ، كتجدد مراتب قرب وبعد ، من الغاية المطلوبة في الحركات الطبيعية ، وكتجدد أحوال أخرى في الحركات القسرية ، التي على خلاف الطبيعة ، وكتجدد إرادات جزئية منبعثة من النفس ، في كل حد من حدود الحركات النفسانية ، التي مبدؤها النفس.

وأجيب عنه بأنا ننقل الكلام ، إلى هذه الأحوال والإرادات المتجددة ، من أين تجددت ، فإنها لا محالة تنتهي ، في الحركات الطبيعية إلى الطبيعة ، وكذا في القسرية ، فإن القسر ينتهي إلى الطبيعة ، وكذا في النفسانية فإن الفاعل المباشر ، للتحريك فيها أيضا الطبيعة كما سيجيء (١).

ويمكن أن يستدل على الحركة في الجوهر بما تقدم (٢) : أن وجود العرض من مراتب وجود الجوهر ، من حيث كون وجوده في نفسه عين وجوده للجوهر ، فتغيره وتجدده تغير للجوهر وتجدد له.

ويتفرع على ما تقدم أولا ، أن الصور الطبيعية المتبدلة ، صورة بعد صورة على المادة بالحقيقة ، صورة جوهرية واحدة سيالة ، تجري على المادة ، وينتزع من كل حد من حدودها ، مفهوم مغاير لما ينتزع من غيره.

هذا في تبدل الصور الطبيعية بعضها من بعض ، وهناك حركة اشتدادية جوهرية أخرى ، هي حركة المادة الأولى إلى الطبيعية ، ثم النباتية ثم الحيوانية ثم الإنسانية.

وثانيا أن الجوهر المتحرك في جوهره ، متحرك بجميع أعراضه ، لما سمعت

__________________

(١) في الفصل السادس عشر.

(٢) في الفصل الثالث من المرحلة الثالثة.