درس مکاسب - بیع

جلسه ۲۰۸: بیع فضولی ۹۱

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

وأمّا ما ورد فيه العموم ، فالكلام فيه قد يقع في جواز مباشرة الفاسق وتكليفه بالنسبة إلى نفسه ، وأنّه هل يكون مأذوناً من الشرع في المباشرة ، أم لا؟ وقد يكون بالنسبة إلى ما يتعلّق من فعله بفعل غيره إذا لم يعلم وقوعه على وجه المصلحة ، كالشراء منه مثلاً.

الظاهر عدم اعتبار العدالة في المباشرة

أمّا الأوّل : فالظاهر جوازه ، وأنّ العدالة ليست معتبرة في منصب المباشرة ؛ لعموم أدلّة فعل ذلك المعروف ، ولو مثل قوله عليه‌السلام : «عون الضعيف من أفضل الصدقة» (١) ، وعموم قوله تعالى ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) ونحو ذلك.

وصحيحة محمد بن إسماعيل السابقة ـ ، قد عرفت أنّها محمولة على صحيحة علي بن رئاب المتقدّمة ـ ، بل وموثّقة زرعة (٣) وغير ذلك ممّا سيأتي. ولو ترتّب حكم الغير على الفعل الصحيح منه ، كما إذا صلّى فاسق على ميّت لا وليّ له ، فالظاهر سقوطها عن غيره إذا علم صدور الفعل منه وشكّ في صحّته ، ولو شكّ في حدوث الفعل منه وأخبر به ، ففي قبوله إشكال.

الظاهر اشتراط العدالة فيما يتعلق بفعل الغير

وأمّا الثاني : فالظاهر اشتراط العدالة فيه ، فلا يجوز الشراء منه وإن ادّعى كون البيع مصلحة ، بل يجب أخذ المال من يده.

ويدلّ عليه بعد صحيحة إسماعيل بن سعد المتقدّمة ، بل وموثّقة زرعة ، بناء على إرادة العدالة من الوثاقة ـ : أنّ عموم أدلّة القيام بذلك‌

__________________

(١) الوسائل ١١ : ١٠٨ ، الباب ٥٩ من أبواب جهاد العدوّ ، الحديث ٢ ، وفيه : «عونك للضعيف ..».

(٢) الأنعام : ١٥٢ ، والإسراء : ٣٤.

(٣) راجع الصفحة ٥٦٤ ٥٦٦.

المعروف لا يرفع اليد عنها بمجرّد تصرّف الفاسق ؛ فإنّ وجوب إصلاح مال اليتيم ومراعاة غبطته ، لا يرتفع (١) عن الغير بمجرّد تصرّف الفاسق.

ولا يجدي هنا حمل فعل المسلم على الصحيح ، كما في مثال الصلاة المتقدّم ؛ لأنّ الواجب هناك هي صلاة صحيحة ، وقد علم صدور أصل الصلاة من الفاسق ، وإذا شكّ في صحّتها أُحرزت بأصالة الصحّة. وأمّا الحكم فيما نحن فيه ، فلم يحمل على التصرّف الصحيح ، وإنّما حُمل على موضوعٍ هو «إصلاح المال ومراعاة الحال» والشكّ في أصل تحقّق ذلك ، فهو كما لو أخبر فاسق بأصل الصلاة مع الشكّ فيها.

وإن شئت قلت : إنّ شراء مال اليتيم لا بدّ أن يكون مصلحة له ، ولا يحرز (٢) ذلك بأصالة صحّة البيع من البائع ، كما لو شكّ المشتري في بلوغ البائع ، فتأمّل.

نعم ، لو وجد في يد الفاسق ثمن من (٣) مال الصغير لم يلزم الفسخ مع المشتري وأخذ الثمن من الفاسق ؛ لأنّ مال اليتيم الذي يجب إصلاحه وحفظه من التلف لا يعلم أنّه الثمن أو المثمن ، وأصالة صحّة المعاملة من الطرفين يحكم بالأوّل ، فتدبّر.

هل يجوز مزاحمة من تصدى من المؤمنين

ثمّ إنّه حيث ثبت جواز تصرّف المؤمنين ، فالظاهر أنّه على وجه التكليف الوجوبي أو الندبي ، لا على وجه النيابة من حاكم الشرع ، فضلاً عن كونه على وجه النصب من الإمام عليه‌السلام ، فمجرّد وضع العدل‌

__________________

(١) في غير «ص» : لا ترتفع.

(٢) كذا في «ف» ونسخة بدل «خ» ، واستظهره مصحّح «ص» أيضاً ، وفي سائر النسخ : ولا يجوز.

(٣) لم ترد «من» في «ف».

يده على مال يتيم لا يوجب منعَ الآخر ومزاحمته بالبيع ونحوه.

ولو نقله بعقد جائز ، فوجد الآخر المصلحة في استرداده ، جاز الفسخ إذا كان الخيار ثابتاً بأصل الشرع أو بجعلهما مع جعله للصغير (١) أو مطلق وليّه من غير تخصيص بالعاقد. وأمّا لو (٢) أراد بيعه من شخص (٣) وعرّضه لذلك جاز لغيره بيعه من آخر مع المصلحة وإن كان في يد الأوّل.

وبالجملة ، فالظاهر أنّ حكم عدول (٤) المؤمنين لا يزيد عن (٥) حكم الأب والجدّ من حيث جواز التصرّف لكلٍّ منهما ما لم يتصرّف الآخر.

مزاحمة فقيه لفقيه آخر

وأمّا حكّام الشرع ، فهل هم كذلك؟ فلو عيّن فقيه من يصلّي على الميّت الذي لا وليّ له ، أو من يلي أمواله ، أو وضع اليد على مال يتيم ، فهل يجوز للآخر مزاحمته ، أم لا؟

الذي ينبغي أن يقال : إنّه إن استندنا في ولاية الفقيه إلى مثل التوقيع المتقدّم (٦) ، جاز المزاحمة قبل وقوع التصرّف اللازم ؛ لأنّ المخاطب بوجوب إرجاع الأُمور إلى الحكّام هم العوامّ ، فالنهي عن المزاحمة‌

__________________

(١) في «ن» ، «م» ، «ع» و «ص» ونسخة بدل «خ» : لليتيم ، وفي نسخة بدل «ع» : للصغير.

(٢) لم ترد «وأمّا» في «ش» ، وفي «ف» : «أمّا» ، وشطب على «أمّا» في «ن».

(٣) في غير «ف» و «ش» : شخصه ، وصحّحت في «ن» و «ص» بما أثبتناه.

(٤) في غير «ش» : «العدول» ، وصحّحت في «ص» بما أثبتناه.

(٥) كذا ، والمناسب «على» ، كما في مصحّحة «ن».

(٦) تقدّم في الصفحة ٥٥٥.

يختصّ بهم ، وأمّا الحكّام فكلّ منهم حجّة من الإمام عليه‌السلام ، فلا يجب على واحد منهم إرجاع الأمر الحادث إلى الآخر ، فيجوز له مباشرته وإن كان الآخر دخل فيه ووضع يده عليه ، فحال كلّ منهم حال كلٍّ من الأب والجدّ في أنّ النافذ تصرّف السابق ، ولا عبرة بدخول الآخر في مقدّمات ذلك وبنائه على ما يغاير تصرّف الآخر ، كما يجوز لأحد الحاكمين تصدّي المرافعة قبل حكم الآخر وإن حضر المترافعان عنده وأحضر الشهود وبنى على الحكم.

وأمّا لو استندنا في ذلك إلى (١) عمومات النيابة (٢) ، وأنّ فعل الفقيه كفعل الإمام ، ونظره كنظره الذي لا يجوز التعدّي عنه لا من حيث ثبوت الولاية له على الأنفس والأموال حتّى يقال : إنّه قد تقدّم عدم ثبوت عموم يدلّ على النيابة في ذلك (٣) ، بل من حيث وجوب إرجاع الأُمور الحادثة إليه ؛ المستفاد من تعليل الرجوع فيها إلى الفقيه بكونه حجّة منه عليه‌السلام على الناس فالظاهر عدم جواز مزاحمة الفقيه الذي دخل في أمر ووضع يده عليه وبنى فيه بحسب نظره على تصرّف وإن لم يفعل نفس ذلك التصرّف ؛ لأنّ دخوله فيه كدخول الإمام ، فدخول الثاني فيه وبناؤه على تصرّف آخر مزاحمة (٤) له ، فهو (٥) كمزاحمة‌

__________________

(١) كذا في «ف» ، «ن» و «خ» ونسخة بدل «ص» ، وفي سائر النسخ : على.

(٢) المتقدّمة في الصفحة ٥٥١ ٥٥٢.

(٣) راجع الصفحة ٥٥٣.

(٤) في «ف» ، «خ» ، «م» و «ع» : يزاحمه.

(٥) لم ترد «فهو» في «ف».

الإمام عليه‌السلام ، فأدلّة النيابة عن الإمام عليه‌السلام لا تشمل ما كان فيه مزاحمة الإمام (١) عليه‌السلام.

فقد ظهر ممّا ذكرنا : الفرق بين الحكّام ، وبين الأب والجدّ ؛ لأجل الفرق بين كون كلّ واحد منهم حجّة وبين كون كلّ واحد منهم نائباً.

وربما يتوهّم : كونهم حينئذٍ كالوكلاء المتعدّدين ، في أنّ بناء واحد منهم على (٢) أمر مأذون فيه لا يمنع الآخر عن تصرّفٍ مغايرٍ لما بنى عليه الأوّل.

ويندفع بأنّ الوكلاء إذا فرضوا وكلاء في نفس التصرّف لا في مقدّماته ، فما لم يتحقّق التصرّف من أحدهم كان الآخر مأذوناً في تصرّفٍ مغايرٍ وإن بنى عليه الأوّل ودخل فيه ، أمّا إذا فرضوا وكلاء عن الشخص الواحد بحيث يكون إلزامهم كإلزامه ودخولهم في الأمر كدخوله ، وفرضنا أيضاً عدم دلالة دليل وكالتهم على الإذن في مخالفة نفس الموكّل ، والتعدّي عمّا بنى هو عليه مباشرةً أو استنابةً ، كان حكمه حكم ما نحن فيه من غير زيادة ولا نقيصة.

والوهم إنّما نشأ من ملاحظة التوكيلات المتعارفة للوكلاء المتعدّدين المتعلّقة بنفس ذي المقدّمة ، فتأمّل.

هذا كلّه مضافاً إلى لزوم اختلال نظام المصالح المنوطة إلى الحكّام سيّما في مثل هذا الزمان (٣) الذي شاع فيه القيام بوظائف الحكّام ممّن‌

__________________

(١) في «ف» : للإمام.

(٢) في «ف» بدل «على» : في.

(٣) كذا في «ش» ، وفي «خ» و «ص» : «هذه الأزمان» ، وفي سائر النسخ : هذا الأزمان.