درس مکاسب - بیع

جلسه ۲۷۳: قدرت بر تسلیم ۳

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

عليه (١) ، انتهى.

المناقشة فيما أفاده الشهيد في شرح الإرشاد

فإنّ مقتضاه : أنّه لو اشتُري الآبق أو الضالّ المرجوّ الحصول بثمنٍ قليل ، لم يكن غرراً ؛ لأنّ العقلاء يقدمون على الضرر القليل رجاءً للنفع الكثير. وكذا لو اشترى المجهول المردّد بين ذهبٍ ونحاسٍ بقيمة النحاس ؛ بناءً على المعروف من تحقّق الغرر بالجهل بالصفة. وكذا شراء مجهول المقدار بثمن المتيقّن منه ؛ فإنّ ذلك كلّه مرغوب فيه عند العقلاء ، بل يوبّخون من عدل عنه اعتذاراً بكونه خطراً.

فالأولى : أنّ هذا النهي من الشارع لسدّ باب المخاطرة المفضية إلى التنازع في المعاملات ، وليس منوطاً بالنهي من العقلاء ليخصّ مورده بالسفهاء أو المتسفّهة.

ثمّ إنّه قد حكي عن الصدوق في معاني الأخبار : تعليل فساد بعض المعاملات المتعارفة في الجاهلية كبيع المنابذة والملامسة وبيع الحصاة بكونها غرراً (٢) ، مع أنّه لا جهالة في بعضها كبيع المنابذة ؛ بناءً على ما فسّره به (٣) من أنّه قول أحدهما لصاحبه : أنبذ إليّ الثوب أو أنبذه إليك فقد وجب البيع ، وبيع الحصاة بأن يقول : إذا نبذت الحصاة فقد وجب البيع. ولعلّه كان على وجهٍ خاصٍّ يكون فيه خطر (٤) ، والله العالم.

__________________

(١) غاية المراد : ٩٣.

(٢) معاني الأخبار : ٢٧٨.

(٣) في «ش» : فسّر به.

(٤) في «ف» : يكون خطراً.

التمسك بالنبوي المذكور أخفى من المدعى

وكيف كان ، فلا إشكال في صحّة التمسّك لاعتبار القدرة على التسليم بالنبويّ المذكور ، إلاّ أنّه أخصّ من المدّعى ؛ لأنّ ما يمتنع تسليمه عادة كالغريق في بحرٍ يمتنع خروجه منه عادةً ونحوه ليس في بيعه خطر ؛ لأنّ الخطر إنّما يطلق في مقامٍ يحتمل السلامة ولو ضعيفاً ، لكنّ هذا الفرد يكفي في الاستدلال على بطلانه بلزوم (١) السفاهة وكون أكل الثمن في مقابله أكلاً للمال بالباطل ، بل لا يعدّ مالاً عرفاً وإن كان مِلكاً ، فيصحّ عتقه ، ويكون لمالكه لو فرض التمكّن منه ، إلاّ أنّه لا ينافي سلب صفة التموّل عنه عرفاً ؛ ولذا يجب على غاصبه ردّ تمام قيمته إلى المالك ، فيملكه مع بقاء العين على ملكه على ما هو ظاهر المشهور.

الاستدلال على شرطيّة القدرة بوجوهٍ اُخر :

ثمّ إنّه ربما يستدلّ على هذا الشرط بوجوه أُخر :

١ ـ النبويّ المشهور «لا تبع ما ليس عندك»

منها : ما اشتهر عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قوله : «لا تبع ما ليس عندك» ‌(٢) بناءً على أنّ «كونه عنده» لا يراد به الحضور ؛ لجواز بيع الغائب والسلف إجماعاً ، فهي كناية ، لا (٣) عن مجرّد الملك ؛ لأنّ المناسب حينئذٍ ذكر لفظة «اللام» ، ولا عن مجرّد السلطنة عليه والقدرة على تسليمه ؛ لمنافاته لتمسّك العلماء من الخاصّة والعامّة [به (٤)] على عدم جواز بيع العين الشخصية المملوكة للغير ثمّ شرائها من مالكها ، خصوصاً إذا‌

__________________

(١) في مصححة «ن» : لزوم.

(٢) سنن البيهقي ٥ : ٢٦٧ ، ٣١٧ و ٣٣٩ ، ويدلّ عليه ما في الوسائل ١٢ : ٢٦٦ ، الباب ١٢ من أبواب عقد البيع وشروطه ، الحديث ١٢.

(٣) كلمة «لا» من «ف» و «ش» ، واستدركت في أكثر النسخ.

(٤) الزيادة اقتضاها السياق.

كان وكيلاً عنه في بيعه ولو من نفسه ؛ فإنّ السلطنة والقدرة على التسليم حاصلة هنا ، مع أنّه مورد الرواية عند الفقهاء.

معنى «كونه عنده»

فتعيّن أن يكون كناية عن السلطنة التامّة الفعليّة التي تتوقّف على الملك مع كونه تحت اليد حتّى كأنه عنده وإن كان غائباً.

وعلى أيّ حال ، فلا بدّ من إخراج بيع الفضولي عنه بأدلّته ، أو بحمله على النهي المقتضي لفساده بمعنى عدم وقوعه لبائعه لو أراد ذلك.

وكيف كان ، فتوجيه الاستدلال بالخبر على ما نحن فيه ممكن.

وأمّا الإيراد عليه بدعوى : أنّ المراد به الإشارة إلى ما هو المتعارف في تلك الأزمنة ، من بيع الشي‌ء الغير المملوك ثمّ تحصيله بشرائه ونحوه ودفعه إلى المشتري ، فمدفوع بعدم الشاهد على اختصاصه بهذا المورد ، وليس في الأخبار المتضمّنة لنقل هذا الخبر ما يشهد باختصاصه بهذا المورد.

المناقشة في الاستدلال بالخبر المذكور

نعم ، يمكن أن يقال : إنّ غاية ما يدلّ عليه هذا النبويّ بل النبوي الأوّل أيضاً ـ : فساد البيع ، بمعنى عدم كونه علّة تامّة لترتّب الأثر المقصود ، فلا ينافي وقوعه مراعى بانتفاء صفة الغرر وتحقّق كونه عنده.

ولو أبيت إلاّ عن ظهور النبويّين في الفساد بمعنى لغويّة العقد رأساً المنافية لوقوعه مراعى ، دار الأمر بين ارتكاب خلاف هذا الظاهر ، وبين إخراج بيع الرهن ، وبيع ما يملكه بعد البيع وبيع العبد الجاني عمداً وبيع المحجور لرقٍّ أو سفهٍ أو فلس ، فإنّ البائع في هذه الموارد عاجز شرعاً عن التسليم ، ولا رجحان لهذه التخصيصات ، فحينئذٍ لا مانع عن التزام وقوع بيع كلّ ما يعجز عن تسليمه مع رجاء التمكّن منه مراعى‌

بالتمكّن منه في زمانٍ لا يفوت الانتفاع المعتدّ به.

وقد صرّح الشهيد في اللمعة بجواز بيع الضالّ والمجحود من غير إباقٍ مراعىً بإمكان التسليم (١) ، واحتمله في التذكرة (٢).

لكنّ الإنصاف : أنّ الظاهر من حال الفقهاء اتّفاقهم على فساد بيع الغرر بمعنى عدم تأثيره رأساً ، كما عرفت من الإيضاح (٣).

٢ ـ استحالة التكليف بالممتنع ، والمناقشة فيه

ومنها : أنّ لازم العقد وجوب تسليم كلٍّ من المتبايعين العوضين إلى صاحبه ، فيجب أن يكون مقدوراً ؛ لاستحالة التكليف بالممتنع (٤).

ويضعّف بأنّه إن أُريد أنّ لازم العقد وجوب التسليم وجوباً مطلقاً ، منعنا الملازمة ، وإن أُريد مطلق وجوبه ، فلا ينافي كونه مشروطاً بالتمكّن ، كما لو تجدّد العجز بعد العقد.

وقد يعترض بأصالة عدم تقيّد الوجوب ، ثمّ يدفع بمعارضته بأصالة عدم تقيّد البيع بهذا الشرط. وفي الاعتراض والمعارضة نظر واضح ، فافهم.

٣ ـ عدم الانتفاع والمناقشة فيه

ومنها : أنّ الغرض من البيع انتفاع كلٍّ منهما بما يصير إليه ، ولا يتمّ إلاّ بالتسليم.

ويضعّفه : منع توقّف مطلق الانتفاع على التسليم ، بل منع عدم كون الغرض منه إلاّ الانتفاع بعد التسليم لا الانتفاع المطلق.

__________________

(١) اللمعة الدمشقية : ١١١.

(٢) التذكرة ١ : ٤٦٦.

(٣) تقدّم في الصفحة ١٧٦.

(٤) في «ش» : الممتنع.