درس مکاسب - بیع

جلسه ۲۷۶: قدرت بر تسلیم ۶

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

ولا في غيرهما ؛ فإنّا إذا شككنا في تحقّق القدرة والعجز مع سبق القدرة فالأصل بقاؤها ، أو لا معه فالأصل عدمها أعني العجز سواء جعل القدرة شرطاً أو العجز مانعاً ، وإذا شككنا في أنّ الخارج عن عمومات الصحّة هو العجز المستمرّ أو العجز في الجملة أو شككنا في أنّ المراد بالعجز ما يعمّ التعسّر كما حكي (١) أم خصوص التعذّر ، فاللازم التمسّك بعمومات الصحّة من غير فرقٍ بين تسمية القدرة شرطاً أو العجز مانعاً.

والحاصل : أنّ التردّد بين شرطيّة الشي‌ء ومانعيّة مقابله إنّما يصحّ ويثمر في الضدّين مثل الفسق والعدالة ، لا فيما نحن فيه وشبهه كالعلم والجهل. وأمّا اختلاف الأصحاب في مسألة الضالّ والضالّة فليس لشكّ المالك في القدرة والعجز ، ومبنيّاً على كون القدرة شرطاً أو العجز مانعاً كما يظهر من أدلّتهم على الصحّة والفساد بل لما سيجي‌ء عند التعرّض لحكمها (٢).

العبرة بالقدرة في زمان الاستحقاق

ما يتفرّع عليه

ثمّ إنّ العبرة في الشرط المذكور إنّما هو في زمان استحقاق التسليم ، فلا ينفع وجودها حال العقد إذا علم بعدمها حال استحقاق التسليم ؛ كما لا يقدح عدمها قبل الاستحقاق ولو حين العقد. ويتفرّع على ذلك : عدم اعتبارها أصلاً إذا كانت العين في يد المشتري ، وفيما لم (٣) يعتبر التسليم فيه رأساً ، كما إذا اشترى من ينعتق عليه ، فإنّه ينعتق‌

__________________

(١) لم نقف عليه.

(٢) يجي‌ء في الصفحة ١٩٨.

(٣) في «ف» بدل «وفيما لم» : أو لم.

بمجرّد الشراء ولا سبيل لأحدٍ عليه. وفيما إذا لم يستحقّ التسليم بمجرّد العقد ، إمّا لاشتراط تأخيره مدّة ، وإمّا لتزلزل العقد كما إذا اشترى فضولاً ؛ فإنّه لا يستحقّ التسليم إلاّ بعد إجازة المالك ، فلا يعتبر القدرة على التسليم قبلها. لكن يشكل على الكشف ، من حيث إنّه لازمٌ من طرف الأصيل ، فيتحقّق الغَرَر بالنسبة إليه إذا انتقل إليه ما لا (١) يقدر على تحصيله. نعم ، هو حسنٌ في الفضولي من الطرفين.

ومثله بيع الرهن قبل إجازة المرتهن أو فكّه. بل وكذا لو لم يقدر على تسليم ثمن السلَم ؛ لأنّ تأثير العقد قبل التسليم في المجلس موقوف على تحقّقه فلا يلزم غررٌ. ولو تعذّر التسليم بعد العقد رجع إلى تعذّر الشرط ، ومن المعلوم : أنّ تعذّر الشرط المتأخّر حال العقد غير قادح ، بل لا يقدح العلم بتعذّره فيما بعده في تأثير العقد إذا اتّفق حصوله ، فإنّ الشروط المتأخّرة لا يجب إحرازها حال العقد ولا العلم بتحقّقها فيما بعد.

والحاصل : أنّ تعذّر التسليم مانعٌ في بيعٍ يكون التسليم من أحكامه ، لا من شروط تأثيره. والسرّ فيه : أنّ التسليم فيه جزء الناقل ، فلا يلزم غررٌ من تعلّقه بغير المقدور.

اعتبار القدرة بعد تمام الناقل

وبعبارة اخرى : الاعتبار بالقدرة على التسليم بعد تمام الناقل (٢) ، ولهذا لا يقدح كونه عاجزاً قبل القبول إذا علم بتجدّد القدرة بعده ، والمفروض أنّ المبيع بعد تحقّق الجزء الأخير من الناقل وهو القبض ـ

__________________

(١) كذا في «ف» ، وفي سائر النسخ : ما لم.

(٢) كذا في «ف» و «خ» ومصحّحة «ن» ، وفي سائر النسخ ونسخة بدل «خ» : النقل.

حاصلٌ في يد المشتري ؛ فالقبض مثل الإجازة بناءً على النقل ، وأولى منها بناءً على الكشف.

وكذلك الكلام في عقد الرهن ، فإنّ اشتراط القدرة على التسليم فيه بناءً على اشتراط القبض إنّما هو من حيث اشتراط القبض ، فلا يجب (١) إحرازه حين الرهن ولا العلم بتحقّقه بعده ، فلو رهن ما يتعذّر تسليمه ثمّ اتّفق حصوله في يد المرتهن أثّر العقد أثره ، وسيجي‌ء الكلام في باب الرهن.

اللهمّ إلاّ أن يقال : إنّ المنفيّ في النبويّ (٢) هو كلّ معاملة تكون بحسب العرف غرراً ، فالبيع المشروط فيه القبض كالصرْف والسلَم إذا وقع على عوضٍ مجهولٍ قبل القبض أو غير مقدورٍ ، غررٌ عرفاً ؛ لأنّ اشتراط القبض في نقل العوضين شرعيٌّ لا عرفيّ ، فيصدق الغرر والخطر عرفاً وإن لم يتحقّق شرعاً ؛ إذ قبل التسليم لا انتقال وبعده لا خطر ، لكن النهي والفساد يتبعان بيع الغرر عرفاً.

فساد بيع غير المالك إذا باع لنفسه ما لا يقدر على تسليمه

ومن هنا يمكن الحكم بفساد بيع غير المالك إذا باع لنفسه لا عن المالك ما لا يقدر على تسليمه. اللهمّ إلاّ أن يمنع الغرر العرفيّ بعد الاطّلاع على كون أثر (٣) المعاملة شرعاً على وجه لا يلزم منه خطر ، فإنّ العرف إذا اطّلعوا على انعتاق القريب بمجرّد شرائه لم يحكموا بالخطر أصلاً ، وهكذا .. فالمناط صدق الغرر عرفاً بعد ملاحظة الآثار الشرعيّة للمعاملة ، فتأمّل.

__________________

(١) في نسخة بدل «ف» : فلا يعتبر.

(٢) المتقدّم في الصفحة ١٧٥.

(٣) في «ف» : أمر.

الخلاف في المسألة من الفاضل القطيفي

ثمّ إنّ الخلاف في أصل المسألة لم يظهر إلاّ من الفاضل القطيفي المعاصر للمحقّق الثاني ، حيث حكي عنه أنّه قال في إيضاح النافع :

إنّ القدرة على التسليم من مصالح المشتري فقط ، لا أنّها شرطٌ في أصل صحّة البيع ، فلو قدر على التسلّم صحّ البيع وإن لم يكن البائع قادراً عليه ، بل لو رضي بالابتياع مع علمه بعدم تمكّن البائع من (١) التسليم جاز وينتقل إليه ، ولا يرجع على البائع ؛ لعدم القدرة إذا كان البيع على ذلك مع العلم ، فيصحّ بيع المغصوب ونحوه. نعم ، إذا لم يكن المبيع من شأنه أن يُقبض عرفاً لم يصحّ المعاوضة عليه بالبيع ؛ لأنّه في معنى أكل مالٍ بالباطل ، وربما احتمل إمكان المصالحة عليه. ومن هنا يعلم : أنّ قوله يعني المحقّق في النافع ـ : «لو باع الآبقَ منفرداً لم يصحّ» ، إنّما هو مع عدم رضا المشتري ، أو مع عدم علمه ، أو كونه بحيث لا يتمكّن منه عرفاً ، ولو أراد غير ذلك فهو غير مسلّم (٢) ، انتهى.

المناقشة فيما أفاده الفاضل القطيفي

وفيه : ما عرفت من الإجماع ، ولزوم الغرر الغير المندفع بعلم المشتري ؛ لأنّ الشارع نهى عن الإقدام عليه ، إلاّ أن يجعل الغرر هنا بمعنى الخديعة ، فيبطل في موضع تحقّقه ، وهو عند جهل المشتري. وفيه ما فيه.

القدرة على التسليم شرط بالتبع والمقصد الأصلي هو التسلم

ثمّ إنّ الظاهر كما اعترف به بعض الأساطين (٣) ـ : أنّ القدرة على التسليم ليست مقصودة بالاشتراط إلاّ بالتبع ، وإنّما المقصد الأصلي هو‌

__________________

(١) في «ف» بدل «من» : على.

(٢) حكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٢٢٤.

(٣) وهو كاشف الغطاء في شرحه على القواعد (مخطوط) : ٧٥.