درس مکاسب - بیع

جلسه ۲۸۷: علم به مثمن ۶

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

ما كان يباع جزافاً في زمانه صلّى الله عليه وآله فيجوز بيعه كذلك عندنا مع عدم الغرر

وأمّا ما علم أنّه كان يباع جزافاً في زمانه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فالظاهر جواز بيعه كذلك عندنا مع عدم الغرر قطعاً ، والظاهر أنّه إجماعيٌّ ، كما يشهد به دعوى بعضهم الإجماع على أنّ مثل هذا ليس بربويٍّ (١) ، والشهرة محقّقة على ذلك.

منافاة إطلاق النهي عن بيع المكيل والموزون جزافاً لبعض ما ذكرنا

نعم ، ينافي ذلك بعض ما تقدّم من إطلاق النهي عن بيع المكيل والموزون جزافاً ، الظاهر فيما تعارف كيله في زمان الإمام عليه‌السلام أو في عرف السائل أو في عرف المتبايعين أو أحدهما ، وإن لم يتعارف في غيره. وكذلك قوله عليه‌السلام : «ما كان من طعامٍ سمّيت فيه كيلاً فلا يصلح مجازفةً» (٢) الظاهر في وضع المكيال عليه عند المخاطب وفي عرفه وإن لم يكن كذلك في عرف الشارع.

اللهمّ إلاّ أن يقال : إنّه لم يعلم أنّ (٣) ما تعارف كيله أو وزنه في عرف الأئمة وأصحابهم ، كان غير مقدّرٍ في زمان الشارع حتّى يتحقّق المنافاة. والأصل في ذلك : أنّ مفهوم المكيل والموزون في الأخبار لا يراد بهما «كلّ ما فرض صيرورته كذلك» حتّى يعمّ ما علم كونه غير مقدّر في زمن الشارع ، بل المراد بهما المصداق الفعلي المعنون بهما في زمان المتكلّم ، وهذه الأفراد لا يعلم عدم كونها مكيلةً ولا موزونةً في زمن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

__________________

(١) ادّعاه الفاضل المقداد في التنقيح ٢ : ٩١.

(٢) المتقدّم في صحيحة الحلبي ، المتقدّمة في الصفحة ٢١٠.

(٣) في غير «ش» : لم يعلم كون ما تعارف ، وصحّحت في «ن» و «ص» بما في المتن.

لكن يرد على ذلك مع كونه مخالفاً للظاهر المستفاد من عنوان «ما يكال ويوزن» : أنّه لا دليل حينئذٍ على اعتبار الكيل فيما شكّ في كونه مقدّراً في ذلك الزمان ، مع تعارف التقدير فيه في الزمان الآخر ؛ إذ لا يكفي في الحكم حينئذٍ دخوله في مفهوم المكيل والموزون ، بل لا بدّ من كونه أحد المصاديق الفعليّة في زمان صدور الأخبار ، ولا دليل أيضاً على إلحاق كلّ بلد لحكم (١) نفسه مع اختلاف البلدان.

حاصل الكلام في الاستدلال بأخبار المسألة

والحاصل : أنّ الاستدلال (٢) بأخبار المسألة المعنونة بما يكال أو يوزن على ما هو المشهور من كون العبرة في التقدير بزمان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ بما اتّفق عليه البلاد ، ثمّ بما تعارف في كلّ بلدة بالنسبة إلى نفسه في غاية الإشكال. فالأولى تنزيل الأخبار على ما تعارف تقديره عند المتبايعين وإثبات ما ينافي ذلك من الأحكام المشهورة بالإجماع المنقول المعتضد بالشهرة المحقّقة.

وكذا الإشكال لو علم التقدير في زمن الشارع ولم يعلم كونه بالكيل أو بالوزن.

وممّا ذكرنا ظهر ضعف ما في كلام جماعة من التمسّك لكون الاعتبار في التقدير بعادة الشرع بوجوب حمل اللفظ على المتعارف عند الشارع ، ولكون المرجع فيما لم يعلم عادة الشرع هي العادة المتعارفة في البلدان بأنّ الحقيقة العرفيّة هي المرجع عند انتفاء الشرعيّة ، ولكون المرجع عادة كلّ بلد إذا اختلف البلدان ، بأنّ العرف الخاصّ قائم مقام‌

__________________

(١) في «ص» : بحكم.

(٢) في «ف» : الاستناد.

العامّ عند انتفائه (١) ، انتهى.

وذكر المحقّق الثاني أيضاً : أنّ الحقيقة العرفيّة يعتبر فيها ما كان يعتبر في حمل إطلاق لفظ الشارع عليها ، فلو تغيّرت في عصر بعد استقرارها فيما قبله فالمعتبر هو العرف السابق ، ولا أثر للعرف (٢) الطارئ ؛ للاستصحاب ، ولظاهر قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» (٣). وأمّا في الأقارير والايمان ونحوها ، فالظاهر الحوالة على عرف ذلك العصر الواقع فيه شي‌ءٌ منها (٤) ؛ حملاً له على ما يفهمه الموقع (٥) ، انتهى.

عدم كون النزاع في مفهوم المكيل والموزون بل فيما هو المعتبر في تحقّق هذا المفهوم

أقول : ليس الكلام في مفهوم المكيل والموزون ، بل الكلام فيما هو المعتبر في تحقّق هذا المفهوم ؛ فإنّ المراد بقولهم عليهم‌السلام (٦) : «ما كان مكيلاً فلا يباع جزافاً» (٧) ، أو «لا يُباع بعضه ببعض إلاّ متساوياً» (٨) ، إمّا أن‌

__________________

(١) راجع مفتاح الكرامة ٤ : ٢٢٨ ٢٢٩ ، والجواهر ٢٢ : ٤٢٦ ٤٢٧ و ٢٣ : ٣٦٣ ٣٦٤.

(٢) كذا في «ف» و «ص» ، وفي «ش» والمصدر : «للتغيّر» ، وفي سائر النسخ : للغير.

(٣) عوالي اللآلي ٢ : ٩٨ ، الحديث ٢٧٠.

(٤) عبارة «الواقع فيه شي‌ءٌ منها» من «ش» والمصدر.

(٥) جامع المقاصد ٤ : ٢٧٠.

(٦) في «ف» : بقوله عليه‌السلام.

(٧) لم نعثر عليه بلفظه ، نعم يدلّ عليه ما في الوسائل ١٢ : ٢٥٤ ، الباب ٤ من أبواب عقد البيع وشروطه.

(٨) لم نعثر عليه بلفظه أيضاً ، نعم يدلّ عليه ما في الوسائل ١٢ : ٤٣٨ ، الباب ٨ من أبواب الربا.

يكون ما هو المكيل في عرف المتكلّم ، أو يراد به ما هو المكيل في العرف العامّ ، أو ما هو المكيل في عرف كلّ مكلّف ، وعلى أيّ تقديرٍ فلا يفيد الكلام لحكم غير ما هو المراد ، فلا بدّ لبيان حكم غير المراد من دليلٍ خارجي. وإرادة جميع هذه الثلاثة خصوصاً مع ترتيبٍ خاصٍّ في ثبوت الحكم بها ، وخصوصاً مع كون مرتبة كلّ لاحقٍ مع عدم العلم بسابقه لا مع عدمه غير صحيحةٍ ، كما لا يخفى.

احتمال إرادة ما ذكرنا في كلام المحقّق الأردبيلي

ولعلّ المقدّس الأردبيلي أراد ما ذكرنا ، حيث تأمّل فيما ذكروه من الترتيب بين عرف الشارع ، والعرف العامّ ، والعرف الخاصّ ؛ معلّلاً باحتمال إرادة الكيل والوزن المتعارف عرفاً عامّاً ، أو في أكثر البلدان ، أو في الجملة مطلقاً ، أو بالنسبة إلى كلّ بلدٍ بلد كما قيل في المأكول والملبوس في السجدة من الأمر الوارد بهما لو سلّم (١) ، والظاهر هو الأخير (٢) ، انتهى.

ردّ صاحب الحدائق على المحقّق الأردبيلي

وقد ردّه في الحدائق : بأنّ الواجب في معاني الألفاظ الواردة في الأخبار حملها على عرفهم صلوات الله عليهم ، فكلّ ما كان مكيلاً أو موزوناً في عرفهم وجب إجراء الحكم عليه في الأزمنة المتأخّرة ، وما لم يعلم فهو بناءً على قواعدهم يرجع إلى العرف العامّ وإلى آخر ما ذكروه من التفصيل. ثمّ قال : ويمكن أن يستدلّ للعرف العامّ بما تقدّم في صحيحة الحلبي من قوله عليه‌السلام : «ما كان من طعامٍ سمّيت فيه كيلاً» ، فإنّ الظاهر أنّ المرجع في كونه مكيلاً إلى تسميته عرفاً‌

__________________

(١) لم ترد «لو سلّم» في غير «ش» والمصدر.

(٢) مجمع الفائدة ٨ : ١٧٧.

مكيلاً. ويمكن تقييده بما لم يعلم حاله في زمانهم عليهم‌السلام (١) ، انتهى.

المناقشة في كلام صاحب الحدائق

أقول : قد عرفت أنّ الكلام هنا ليس في معنى اللفظ ؛ لأنّ مفهوم الكيل معلوم لغةً ، وإنّما الكلام في تعيين الاصطلاح الذي يتعارف فيه هذا المفهوم.

ثمّ لو فرض كون الكلام في معنى اللفظ ، كان اللازم حمله على العرف العامّ إذا لم يكن عرفٌ شرعي ، لا إذا جهل عرفه الشرعيّ ؛ فإنّه لم يقل أحد بحمل اللفظ حينئذٍ على المعنى العرفي ، بل لا بدّ من الاجتهاد في تعيين ذلك المعنى الشرعيّ ، ومع العجز يحكم بإجمال اللفظ ، كما هو واضح (٢).

هذا كلّه مع أنّ الأخبار إنّما وصلت إلينا من الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم ، فاللازم اعتبار عرفهم لا عرف الشارع.

وأمّا ما استشهد به للرجوع إلى العرف العامّ من قوله عليه‌السلام : «ما سمّيت فيه كيلاً .. إلخ» (٣) فيحتمل أن يراد عرف المخاطب ، فيكون المعيار العرف الخاصّ بالمتبايعين.

نعم ، مع العلم بالعرف العامّ لا عبرة بالعرف الخاصّ ؛ لمقطوعة ابن هاشم الآتية (٤) ، فتأمّل.

__________________

(١) الحدائق ١٨ : ٤٧١ ٤٧٢.

(٢) العبارة من قوله : «ثمّ لو فرض ..» إلى هنا لم ترد في «ف» ، وكتب عليها في غير «ش» و «ص» : وجد في نسخةٍ كذا.

(٣) المتقدّم في صحيحة الحلبي المتقدّمة في الصفحة ٢١٠.

(٤) الآتية في الصفحة ٢٣٨.