درس مکاسب - بیع

جلسه ۳۲۸: تنبیهات بیع ۱

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

مسألة

المعروف استحباب التفّقه في مسائل التجارات

المعروف بين الأصحاب تبعاً لظاهر تعبير الشيخ بلفظ «ينبغي» (١) ـ : استحباب التفقّه في مسائل الحلال والحرام المتعلّقة بالتجارات ، ليعرف صحيح العقد من (٢) فاسده ويسلم من الربا.

وجوب التفقّه في ذلك عند جماعة

كلام الشيخ المفيد في المسألة

وعن إيضاح النافع : أنّه قد يجب (٣). وهو ظاهر عبارة الحدائق أيضاً (٤). وكلام المفيد رحمه‌الله في المقنعة أيضاً لا يأبى الوجوب ؛ لأنّه بعد ذكر قوله تعالى ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ﴾ (٥) ، وقوله تعالى ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٦) قال : فندب إلى الإنفاق‌

__________________

(١) انظر النهاية : ٣٧١.

(٢) في «ف» : عن.

(٣) لا يوجد لدينا إيضاح النافع ، نعم حكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ١٣٢.

(٤) راجع الحدائق ١٨ : ١٩ و ٢٣.

(٥) النساء : ٢٩.

(٦) البقرة : ٢٦٧.

من طيّب الاكتساب ، ونهى عن طلب الخبيث للمعيشة والإنفاق ، فمن لم يعرف فرق ما بين الحلال من المكتسب والحرام لم يكن مجتنباً للخبيث من الأعمال ، ولا كان على ثقةٍ في تفقّهٍ (١) من طيّب الاكتساب ، وقال تعالى أيضاً ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ (٢) ، فينبغي أن يعرف البيع المخالف للربا ليعلم بذلك ما أحلّ الله وحرّم من المتاجر والاكتساب. وجاءت الرواية عن أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه كان يقول : «من اتّجر بغير علمٍ فقد ارتطم في الربا ، ثمّ ارتطم» (٣).

ثمّ قال : قال الصادق عليه‌السلام : «من أراد التجارة فليتفقّه في دينه ؛ ليعلم بذلك ما يحلّ له ممّا يحرم عليه ، ومن لم يتفقّه في دينه ثمّ اتّجر تورّط في الشبهات» (٤) ، انتهى (٥).

ظاهر كلام الشيخ المفيد الوجوب من باب المقدّمة

أقول : ظاهر كلامه رحمه‌الله الوجوب ، إلاّ أنّ تعبيره بلفظ «ينبغي» ربما يُدّعى ظهوره في الاستحباب ، إلاّ أنّ الإنصاف (٦) أنّ ظهوره ليس بحيث يعارض (٧) ظهور ما في كلامه في الوجوب من باب المقدّمة ، فإنّ معرفة الحلال والحرام واجبةٌ على كلّ أحدٍ بالنظر إلى ما يبتلى به (٨) من‌

__________________

(١) في «ن» و «ص» : نفقةٍ ، والصواب : «نفقته» ، كما في نسخة من المصدر.

(٢) البقرة : ٢٧٥.

(٣) الوسائل ١٢ : ٢٨٣ ، الباب الأوّل من أبواب آداب التجارة ، الحديث ٢.

(٤) الوسائل ١٢ : ٢٨٣ ، الباب الأوّل من أبواب آداب التجارة ، الحديث ٤.

(٥) المقنعة : ٥٩٠ ٥٩١.

(٦) لم ترد «أنّ الإنصاف» في «ف».

(٧) في غير «ف» و «ش» : «يتعارض» ، وصحّحت في «ن» بما أثبتناه.

(٨) في «ف» : «يبتنى عليه» ، وفي «م» و «ع» : يبتنى به.

الأُمور. وليس معرفة جميعها ممّا يتعلّق بالإنسان وجوبها فوراً دفعةً ، بل عند الالتفات إلى احتمال الحرمة في فعلٍ يريد أن يفعله ، أو عند إرادة الإقدام على أفعالٍ يعلم بوجود الحرام بينها ، فإنّه معاقبٌ على ما يفعله من الحرام لو ترك التعلّم وإن لم يلتفت عند فعله إلى احتمال تحريمه ، فإنّ التفاته السابق وعلمه بعدم خلوّ ما يريد مزاولتها من الأفعال من الحرام كافٍ في حسن العقاب ، وإلاّ لم يعاقب أكثر الجهّال على أكثر المحرّمات ؛ لأنّهم يفعلونها وهم غير ملتفتين إلى احتمال حرمتها عند الارتكاب.

بناءً على عدم عقاب الجاهل على الحرام الواقعي لكن تحصيل العلم واجب

ولذا أجمعنا على أنّ الكفّار يعاقبون على الفروع. وقد ورد ذمّ الغافل المقصّر في معصيته ، في غير واحدٍ من الأخبار (١).

ثمّ لو قلنا بعدم العقاب على فعل المحرّم الواقعي الذي يفعله من غير شعورٍ (٢) كما هو ظاهر جماعةٍ تبعاً للأردبيلي رحمه‌الله ـ : من عدم العقاب على الحرام المجهول حرمته عن تقصيرٍ ؛ لقبح خطاب الغافل ، فيقبح عقابه. لكن (٣) تحصيل العلم وإزالة الجهل واجبٌ على هذا القول ، كما اعترفوا به.

عدم الوجه في عدم عقاب الجاهل المقصّر

والحاصل : أنّ التزام عدم عقاب الجاهل المقصّر لا (٤) على فعل الحرام ، ولا على ترك التعلّم إلاّ إذا كان حين الفعل ملتفتاً إلى احتمال‌

__________________

(١) راجع الكافي ١ : ٤٠ ، باب سؤال العالم ، الحديث ١ و ٢ ، والبحار ١ : ١٧٧ ١٧٨ ، الحديث ٥٨.

(٢) في غير «ش» : «من شعور» ، إلاّ أنّها صحّحت في بعض النسخ بما في المتن.

(٣) في النسخ زيادة : «وجوب» ، لكن شطب عليها في «ن».

(٤) كلمة «لا» من «ش» ونسخة بدل «خ».

تحريمه لا يوجد له وجهٌ ، بعد ثبوت أدلّة التحريم ، ووجوب طلب العلم على كلّ مسلمٍ ، وعدم تقبيح عقاب من التفت إلى وجود الحرام في أفراد البيع التي يزاولها تدريجاً على ارتكاب الحرام في هذا (١) الأثناء وإن لم يلتفت حين إرادة ذلك الحرام.

ثمّ إنّ المقام يزيد على غيره بأنّ الأصل في المعاملات الفساد ، فالمكلّف إذا أراد التجارة وبنى على التصرّف فيما يحصل في يده من أموال الناس (٢) على وجه العوضيّة يحرم عليه ظاهراً الإقدام على كلّ تصرّفٍ منها بمقتضى أصالة عدم انتقاله إليه إلاّ مع العلم بإمضاء الشارع لتلك المعاملة ، ويمكن أن يكون في قوله عليه‌السلام : «التاجر فاجر ، والفاجر في النار إلاّ من أخذ الحقّ وأعطى الحقّ» (٣) إشارةٌ إلى هذا المعنى ، بناءً على أنّ الخارج من العموم ليس إلاّ من علم بإعطاء الحقّ وأخذ الحقّ.

وجوب التعلّم في المعاملات شرعيٌّ

فوجوب معرفة المعاملة الصحيحة في هذا المقام (٤) شرعيٌّ ، لنهي الشارع عن التصرّف في مالٍ لم يعلم انتقاله إليه ، بناءً على أصالة عدم انتقاله إليه. وفي غير هذا المقام عقليٌّ مقدّميٌّ لئلاّ يقع في الحرام.

الأولى وجوب التفقّه للتاجر عقلاً وشرعاً

وكيف كان ، فالحكم باستحباب التفقّه للتاجر محلّ نظر ، بل الأولى وجوبه عليه عقلاً وشرعاً ، وإن كان وجوب معرفة باقي المحرّمات من باب العقل فقط.

__________________

(١) في «ص» : هذه.

(٢) لم يرد «الناس» في غير «ف» و «ش» ونسخة بدل «خ».

(٣) الوسائل ١٢ : ٢٨٢ ، الباب الأوّل من أبواب آداب التجارة ، الحديث الأوّل ، والصفحة ٢٨٥ ، الباب ٢ من الأبواب ، الحديث ٥.

(٤) أي : مقام إرادة التصرّف في مالٍ كان سابقاً للغير.

توجيه الحكم بالاستحباب

ويمكن توجيه كلامهم بإرادة التفقّه الكامل ليطّلع على مسائل الربا الدقيقة والمعاملات الفاسدة كذلك ، ويطّلع على موارد الشبهة والمعاملات الغير الواضحة الصحّة فيجتنب عنها في العمل ، فإنّ القدر الواجب هو معرفة المسائل العامّة البلوى ، لا الفروع الفقهيّة المذكورة في المعاملات.

ويشهد للغاية الأُولى قوله عليه‌السلام في مقام تعليل وجوب التفقّه : «إنّ الربا أخفى من دبيب النملة على الصفا» (١) ، وللغاية الثانية قول الصادق عليه‌السلام في الرواية المتقدّمة : «من لم يتفقّه ثمّ اتّجر تورّط في الشبهات» (٢) ، لكن ظاهر صدره الوجوب ، فلاحظ.

وقد حكي توجيه كلامهم بما ذكرنا عن غير واحد (٣). ولا يخلو عن وجهٍ في مقام التوجيه.

كفاية التقليد في مسائل التجارات

ثمّ إنّ التفقّه في مسائل التجارة لمّا كان مطلوباً للتخلّص عن المعاملات الفاسدة التي أهمّها الربا الجامعة بين أكل المال بالباطل وارتكاب الموبقة الكذائيّة لم يعتبر فيه كونه عن اجتهاد ، بل يكفي فيه التقليد الصحيح ، فلا تعارض بين أدلّة التفقّه هنا ، وأدلّة تحصيل المعاش.

توهّم التعارض بين أدلّة طلب العلم وأدلّة طلب الاكتساب

نعم ، ربما أُورد (٤) في هذا المقام وإن كان خارجاً عنه التعارض‌

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٢٨٢ ، الباب الأوّل من أبواب آداب التجارة ، الحديث الأوّل.

(٢) تقدّمت في الصفحة ٣٣٨.

(٣) لم نعثر على حكاية هذا التوجيه بعينه في كلام الفقهاء ، نعم يظهر ممّا قاله المحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة ٨ : ١١٦ وصاحب الجواهر في الجواهر ٢٢ : ٤٥١ ، وراجع مفتاح الكرامة ٤ : ١٣٢ ، وفيه : بل قد يجب كما في إيضاح النافع.

(٤) أورده صاحب الحدائق في الحدائق ١٨ : ٩ و ١٥ وغيره.