درس مکاسب - بیع

جلسه ۳۳۰: تنبیهات بیع ۳

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

مسألة

حكم تلقي الركبان تكليفا

لا خلاف في مرجوحيّة تلقّي الركبان بالشروط الآتية ، واختلفوا في حرمته وكراهته ، فعن التقي (١) والقاضي (٢) والحلّي (٣) والعلاّمة في المنتهي (٤) : الحرمة ، وهو المحكي عن ظاهر الدروس (٥) وحواشي المحقّق الثاني (٦).

__________________

(١) حكاه عنه في المختلف ٥ : ٤٢ ولكن لم نعثر في الكافي إلاّ على هذه العبارة : «ويكره تلقّي الركبان» ، انظر الكافي في الفقه : ٣٦٠.

(٢) حكاه عنه أيضاً العلاّمة في المختلف ، ولكن لم نعثر عليه في ما بأيدينا من كتبه قدس‌سره.

(٣) السرائر ٢ : ٢٣٧.

(٤) المنتهى ٢ : ١٠٠٥.

(٥) حكاه السيّد الطباطبائي في الرياض (الطبعة الحجرية) ١ : ٥٢١ ، وانظر الدروس ٣ : ١٧٩ ، ولكن كلامه صريح في الحرمة كما قاله السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ١٠٢.

(٦) حكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ١٠٢ عن حواشيه الثلاثة.

وعن الشيخ وابن زهرة : لا يجوز (١). وأوَّلَ في المختلف عبارة الشيخ بالكراهة (٢).

مذهب الاكثر الكراهة

وهي أي الكراهة (٣) مذهب الأكثر ، بل عن إيضاح النافع : أنّ الشيخ ادّعى الإجماع على عدم التحريم (٤). وعن نهاية الإحكام : تلقّي الركبان مكروه عند أكثر علمائنا ، وليس حراماً إجماعاً (٥).

ومستند التحريم ظواهر الأخبار :

الاستدلال على التحريم بظواهر الاخبار

منها : ما عن منهال القصّاب ، قال : «قال أبو عبد الله عليه‌السلام : لا تلقّ (٦) ، فإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عن التلقّي. قلت : وما حدّ التلقّي؟ قال : ما دون غدوة أو روحة ، قلت : وكم الغدوة والروحة؟ قال : أربعة فراسخ. قال ابن أبي عمير : وما فوق ذلك فليس بتلقٍّ» (٧).

__________________

(١) حكاه عن الشيخ العلاّمة في المختلف ٥ : ٤٣ ، والسيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ١٠٢ ، وأمّا عن ابن زهرة فلم نعثر على الحكاية عنه بلفظ «لا يجوز» ، بل حكى السيّد العاملي عنه في مفتاح الكرامة ٤ : ١٠١ بلفظ «نهى». راجع المبسوط ٢ : ١٦٠ ، والخلاف ٣ : ١٧٢ ، كتاب البيوع ، المسألة ٢٨٢ ، والغنية : ٢١٦ ، وفيه : «ونهى عن تلقّي الركبان» كما حكاه السيّد العاملي عنه.

(٢) المختلف ٥ : ٤٣.

(٣) لم ترد «أي الكراهة» في «ف».

(٤) لا يوجد الإيضاح عندنا ، وحكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ١٠١.

(٥) نهاية الإحكام ٢ : ٥١٧.

(٦) لم ترد «لا تلقّ» في النسخ ، واستدركت في «ش» و «ص» من المصدر.

(٧) الوسائل ١٢ : ٣٢٦ ، الباب ٣٦ من أبواب آداب التجارة ، الحديث الأوّل.

وفي خبر عروة : «لا يتلقّى (١) أحدكم تجارةً خارجاً من المصر ، ولا يبيع (٢) حاضرٌ لبادٍ ، والمسلمون يرزق الله بعضَهم من بعضٍ» (٣).

وفي روايةٍ أُخرى : «لا تلقِّ ولا تشترِ ما يتلقّى ولا تأكل منه» (٤).

وظاهر النهي عن الأكل كونه لفساد المعاملة ، فيكون أكلاً بالباطل ، ولم يقل به إلاّ الإسكافي (٥).

وعن ظاهر المنتهي : الاتّفاق على خلافه (٦) ، فتكون الرواية مع ضعفها مخالفة لعمل الأصحاب ، فتقصر عن إفادة الحرمة والفساد.

الاخبار محمولة على الكراهة

نعم لا بأس بحملها على الكراهة لو وجد القول بكراهة الأكل ممّا يُشترى من المتلقّى ، ولا بأس به حسماً لمادّة التلقّي.

وممّا ذكرنا يعلم : أنّ النهي في سائر الأخبار أيضاً محمولٌ على الكراهة ، الموافقة (٧) للأصل مع ضعف الخبر ومخالفته للمشهور.

__________________

(١) في «ن» ونسخة بدل «خ» : لا يتلقّ.

(٢) كذا في «ش» وفي «ن» و «ص» : «ولا يَبع» ، وفي سائر النسخ : ولا بيع.

(٣) أورد صدره في الوسائل ١٢ : ٣٢٦ ، الباب ٣٦ من أبواب آداب التجارة ، الحديث ٥ ، وذيله في الصفحة ٣٢٧ ، الباب ٣٧ من الأبواب ، الحديث الأوّل.

(٤) الوسائل ١٢ : ٣٢٦ ، الباب ٣٦ من أبواب آداب التجارة ، الحديث ٣.

(٥) لا يوجد لدينا كتابه ، نعم حكاه عنه العلاّمة في المختلف ٥ : ٤٤ ، والشهيد في الدروس ٣ : ١٧٩ ، وغيرهما.

(٦) حكاه المحدّث البحراني في الحدائق ١٨ : ٥٨ ، وراجع المنتهي ٢ : ١٠٠٥ ، وفيه : فالبيع صحيح في قول عامّة العلماء.

(٧) في «ش» : لموافقته.

حدّ التلقّي أربعة فراسخ

ثمّ إنّ حدّ التلقّي أربعة فراسخ ، كما في كلام بعض (١). والظاهر أنّ مرادهم خروج الحدّ عن المحدود ؛ لأنّ الظاهر زوال المرجوحيّة إذا كان أربعة فراسخ. وقد تبعوا بذلك مرسلة الفقيه.

هل الحدّ داخلٌ في المحدود أم خارج عنه؟

وروى : «أنّ حدّ التلقّي روحة ، فإذا بلغ إلى أربعة فراسخ فهو جَلب» (٢) ، فإنّ الجمع بين صدرها وذيلها لا يكون إلاّ بإرادة خروج الحدّ عن المحدود. كما أنّ ما في الرواية السابقة : أنّ حدّه «ما دون غدوة أو روحة» (٣) محمولٌ على دخول الحدّ في المحدود.

لكن قال في المنتهي : حدَّ علماؤنا التلقّي بأربعة فراسخ ، فكرهوا التلقّي إلى ذلك الحدّ ، فإن زاد على ذلك كان تجارةً وجلباً ، وهو ظاهرٌ ، لأنّ بمضيّه ورجوعه يكون مسافراً ، ويجب عليه القصر فيكون سفراً حقيقيّا إلى أن قال : ولا نعرف بين علمائنا خلافاً فيه (٤) ، انتهى.

والتعليل بحصول السفر الحقيقي يدلّ على مسامحة في التعبير ، ولعلّ الوجه في التحديد بالأربعة : أنّ الحصول (٥) على الأربعة بلا زيادة ونقيصة نادر ، فلا يصلح أن يكون ضابطاً لرفع الكراهة ؛ إذ لا يقال : إنّه وصل إلى الأربعة إلاّ إذا تجاوز عنها ولو يسيراً.

__________________

(١) نسبه في المنتهي (٢ : ١٠٠٦) إلى علمائنا كما سيأتي عنه ، وقال في الحدائق : «الظاهر أنّه لا خلاف بين أصحابنا» ، وراجع لسائر التعابير مفتاح الكرامة ٤ : ١٠٥.

(٢) الفقيه ٣ : ٢٧٤ ، الحديث ٣٩٩٠ ، والوسائل ١٢ : ٣٢٧ ، الباب ٣٦ من أبواب آداب التجارة ، الحديث ٦.

(٣) تقدّمت في الصفحة ٣٥٠ ، وهي رواية منهال القصّاب.

(٤) المنتهي ٢ : ١٠٠٦.

(٥) في «ش» : الوصول.

فالظاهر أنّه لا إشكال في أصل الحكم وإن وقع اختلافٌ في التعبير في النصوص والفتاوى.

اشتراط الكراهة بقصد المعاملة معهم

ثمّ إنّه لا إشكال في اعتبار القصد ؛ إذ بدونه لا يصدق عنوان التلقّي ، فلو تلقّى الركب في طريقه ذاهباً أو جائياً لم يكره المعاملة معهم. وكذا في اعتبار قصد المعاملة من المتلقّى ، فلا يكره لغرضٍ آخر ولو اتّفقت المعاملة.

هل يشترط في الكراهة جهل الركب بسعر البلد؟

قيل : ظاهر التعليل في رواية عروة المتقدّمة (١) اعتبار جهل الركب بسعر البلد (٢).

وفيه : أنّه مبنيٌّ على عدم اختصاص القيد بالحكم الأخير ، فيحتمل أن تكون العلّة في كراهة التلقي مسامحة الركب في الميزان بما لا يتسامح به المتلقي ، أو مظنّة حبس المتلقّين ما اشتروه ، أو ادّخاره عن أعين الناس وبيعه تدريجاً. بخلاف ما إذا أتى الركب وطرحوا أمتعتهم في الخانات والأسواق ، فإنّ له أثراً بيّناً في امتلاء أعين الناس خصوصاً الفقراء وقت الغلاء إذا اتي بالطعام.

عدم الفرق بين الاخذ بصيغة البيع أو الصلح أو غيرهما

وكيف كان ، فاشتراط الكراهة بجهلهم بسعر البلد محلّ مناقشة.

ثمّ إنّه لا فرق بين أخذ المتلقّى بصيغة البيع أو الصلح أو غيرهما. نعم ، لا بأس باستيهابهم ولو بإهداء شي‌ءٍ إليهم.

__________________

(١) تقدّمت في الصفحة ٣٥١.

(٢) لم نعثر على هذا التعبير بعينه ، نعم قال في المسالك بعد أن ذكر قيد جهل الركب ـ : «كما يشعر به التعليل» ، وقال مثله في الجواهر ، وقال في الحدائق بعد أن ذكر القيد ـ : «أقول : وإليه يشير التعليل في رواية عروة ..» ، انظر المسالك ٣ : ١٨٩ ، والجواهر ٢٢ : ٤٧٣ ، والحدائق ١٨ : ٥٧.

لو تلقّاهم لمعاملاتٍ غير شراء متاعهم

ولو تلقّاهم لمعاملات أُخر غير شراء متاعهم ، فظاهر الروايات عدم المرجوحيّة.

نعم ، لو جعلنا المناط ما يقرب من قوله عليه‌السلام : «المسلمون يرزق الله بعضهم من بعض» (١) قوي سراية الحكم إلى بيع شي‌ءٍ منهم وإيجارهم المساكن والخانات.

كما أنّه إذا جعلنا المناط في الكراهة كراهة غبن الجاهل ، كما يدلّ عليه النبويّ العاميّ : «لا تلقّوا الجَلَب ، فمن تلقّاه واشترى منه فإذا أتى السوق فهو بالخيار» (٢) قوي سراية الحكم إلى كلّ معاملة توجب غبنهم ، كالبيع والشراء منهم متلقّياً (٣) ، وشبه ذلك. لكن الأظهر هو الأوّل.

ثبوت الخيار لهم عند الغبن الفاحش

وكيف كان ، فإذا فرض جهلهم بالسعر فثبت (٤) لهم الغبن الفاحش كان لهم الخيار. وقد يحكى عن الحلّي ثبوت الخيار وإن لم يكن غبن (٥) ، ولعلّه لإطلاق (٦) النبويّ المتقدّم المحمول على صورة تبيّنِ الغبن بدخول السوق والاطّلاع على القيمة.

واختلفوا في كون هذا الخيار على الفور أو التراخي على قولين ، سيجي‌ء ذكر الأقوى منهما في مسألة خيار الغبن إن شاء الله.

__________________

(١) في حديث عروة المتقدّم في الصفحة ٣٥١.

(٢) السنن الكبرى ٥ : ٣٤٨ ، باب النهي عن تلقّي السلع.

(٣) كذا في «ش» ومصحّحة «ن» ، وفي سائر النسخ : متلقّى.

(٤) في غير «ش» : «فيثبت» ، لكن صحّحت في «ن» بما أثبتناه.

(٥) حكاه في الجواهر ٢٢ : ٤٧٤ ، عن ظاهر المحكي عنه ، وراجع السرائر ٢ : ٢٣٨.

(٦) العبارة في غير «ف» و «ش» هكذا : وإن لم يكن غبن كإطلاق .. إلخ.