درس مکاسب - بیع

جلسه ۲۸۳: علم به مثمن ۲

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

هل الحكم منوط بالغرر الشخصي أم لا

ثمّ إنّ ظاهر إطلاق جميع ما ذكر أنّ الحكم ليس منوطاً بالغرر الشخصي وإن كان حكمته سدّ باب المسامحة المفضية إلى الوقوع في الغرر. كما أنّ حكمة الحكم باعتبار بعض الشروط في بعض المعاملات رفع المنازعة المتوقّعة عند إهمال ذلك الشرط.

فحينئذٍ فيعتبر التقدير بالكيل والوزن وإن لم يكن في شخص المقام غرر ، كما لو باع مقداراً من الطعام بما يقابله في الميزان من جنسه أو غيره المساوي (١) له في القيمة ؛ فإنّه لا يتصوّر هنا غرر أصلاً مع الجهل بمقدار كلٍّ من العوضين ؛ لأنّه (٢) مساوٍ للآخر في المقدار (٣).

لو اندفع الغرر بغير التقدير

ويحتمل غير بعيد حمل الإطلاقات سيّما الأخبار على المورد الغالب ، وهو ما كان رفع (٤) الغرر من حيث مقدار العوضين موقوفاً على التقدير ، فلو فرض اندفاع الغرر بغير التقدير كفى ، كما في الفرض المزبور ، وكما إذا كان للمتبايعين حدس قويّ بالمقدار نادر التخلّف عن الواقع ، وكما إذا كان المبيع قليلاً لم يتعارف وضع (٥) الميزان لمثله ، كما لو دفع فلساً وأراد به دهناً لحاجة ؛ فإنّ الميزان لم يوضع لمثله ، فيجوز بما تراضيا عليه من التخمين.

ولا منافاة بين كون الشي‌ء من جنس المكيل والموزون ، وعدم‌

__________________

(١) كذا في «ص» ومصحّحة «ن» ، وفي سائر النسخ : المتساوي.

(٢) كذا في «ن» و «ش» ، وفي غيرهما : وإلاّ أنّه.

(٣) عبارة «لأنّه مساو للآخر في المقدار» لم ترد في «ف» ، وكتب عليها في «ش» : نسخة.

(٤) في «ف» و «ن» و «خ» : دفع.

(٥) في «م» و «ش» : وزن.

دخول الكيل والوزن فيه ، لقلّته كالحبّتين والثلاثة من الحنطة ، أو لكثرته كزبرة الحديد ، كما نبّه عليه في القواعد (١) وشرحها (٢) وحاشيتها (٣).

عدم اعتبار العلم بوزن الفلوس المسكوكة وشبهها

وممّا ذكرنا يتّجه عدم اعتبار العلم بوزن الفلوس المسكوكة ؛ فإنّها وإن كانت من الموزون ولذا صرّح في التذكرة بوقوع الربا فيها (٤) إلاّ أنّها عند وقوعها ثمناً حكمها كالمعدود في أنّ معرفة مقدار ماليّتها لا تتوقّف على وزنها ، فهي كالقليل والكثير من الموزون الذي لا يدخله الوزن (٥). وكذا شبه الفلوس من المسكوكات المركّبة من النحاس والفضّة كأكثر نقود بغداد في هذا الزمان. وكذا الدرهم والدينار الخالصان (٦) ؛ فإنّها (٧) وإن كانت من الموزون ويدخل فيها الربا إجماعاً ، إلاّ أنّ ذلك‌

__________________

(١) القواعد ١ : ١٤١.

(٢) جامع المقاصد ٤ : ٢٧١.

(٣) لا يوجد لدينا ، وحكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٥١٧.

(٤) التذكرة ١ : ٤٧٧.

(٥) في غير «ف» و «ش» زيادة ما يلي : «بل يمكن إجراء ذلك وقت البيع في دخول وعدم اعتبار الوزن في بيعه» ، ولكن شطب عليها في «ن» ، وكتب عليها في «م» ، «خ» و «ع» : نسخة.

(٦) كذا في «ش» ومصحّحة «ن» ، والعبارة في سائر النسخ : بخلاف الدرهم والدينار الخالصين.

(٧) قد وردت الضمائر العائدة إلى «الدرهم» و «الدينار» في هذه الفقرة في أكثر النسخ بصيغة المفرد المؤنّث ، ولعلّ ذلك نظراً إلى قوله تعالى «الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها ..» وقد بدّلت أغلبها في «ش» وجميعها في «ن» إلى صيغة التثنية ، وقد أثبتنا ما في أكثر النسخ لظننا أنّ ذلك جرى على قلم المؤلف قدس‌سره.

لا ينافي جواز (١) جعلها عوضاً من دون معرفة بوزنها ؛ لعدم غرر في ذلك أصلاً. ويؤيّد ذلك جريان سيرة الناس على المعاملة بها من دون معرفة الأغلب (٢) بوزنها.

المعتبر في الدراهم والدنانير عدم النقص عن وزنها المقرّر

نعم ، يعتبرون فيها عدم نقصها عن وزنها المقرّر في وضعها من حيث تفاوت قيمتها بذلك ، فالنقص فيها عندهم بمنزلة العيب ؛ ومن هنا لا يجوز إعطاء الناقص منها ؛ لكونه غشّاً وخيانة.

امتياز الدراهم والدنانير عن الفلوس السود وشبهها

وبهذا يمتاز الدرهم والدينار عن الفلوس السود وشبهها حيث إنّ نقصان الوزن لا يؤثّر في قيمتها ، فلا بأس بإعطاء ما يعلم نقصه.

وإلى ما ذكرنا من الفرق أُشير في صحيحة ابن عبد الرحمن (٣) ، قال : «قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : أشتري الشي‌ء بالدراهم فاعطي الناقص الحبّة والحبّتين؟ قال : لا ، حتّى تبيّنه. ثمّ قال : إلاّ أن تكون نحو (٤) هذه الدراهم الأوضاحيّة (٥) التي تكون عندنا عدداً» (٦).

__________________

(١) كلمة «جواز» من «ف» و «ش» ، واستدركت في «ن».

(٢) كذا في «ف» ومصحّحة «ص» ، وفي «ش» ومصحّحة «ن» : «أغلبهم» ، وفي سائر النسخ : أغلب.

(٣) في الوسائل : عبد الرحمن بن الحجّاج.

(٤) كلمة «نحو» من المصادر الحديثية ومصحّحة «ن».

(٥) كذا في التهذيب والوسائل أيضاً ، لكن في الفقيه : «الوضاحيّة». قال الطريحي : «الوضح من الدرهم : الصحيح .. والوضاحية : نسبة إلى ذلك» ، انظر مجمع البحرين ٢ : ٤٢٤.

(٦) التهذيب ٧ : ١١٠ ، الحديث : ٤٧٦ ، والفقيه ٣ : ٢٢٣ ، الحديث : ٣٨٣٠ ، والوسائل ١٢ : ٤٧٣ ، الباب ١٠ من أبواب الصرف ، الحديث ٧.

إناطة الحكم مدار الغرر الشخصي قريب جدّاً

وبالجملة ، فإناطة الحكم بوجوب معرفة وزن المبيع وكيله مدار الغرر الشخصي قريب في الغاية ، إلاّ أنّ الظاهر كونه مخالفاً لكلمات الأصحاب في موارد كثيرة.

وجوب معرفة العدد في المعدود والدليل عليه

ثمّ إنّ الحكم في المعدود ووجوب معرفة العدد فيه ، حكم المكيل والموزون ، بلا خلاف ظاهر.

ويشير إليه ، بل يدلّ عليه : تقرير الإمام عليه‌السلام في الرواية الآتية (١) المصرّحة بتجويز (٢) الكيل في المعدود المتعذّر عدّه.

ظاهر الأردبيلي جواز بيع المعدود مشاهدةً

ويظهر من المحكي عن المحقّق الأردبيلي المناقشة في ذلك ، بل الميل إلى منعه وجواز بيع المعدود مشاهدة (٣) ، ويردّه رواية الجوز الآتية (٤).

المراد من «المعدودات»

والمراد بالمعدودات : ما يعرف مقدار ماليّتها بأعدادها ، كالجوز والبيض ، بخلاف مثل الشاة والفرس والثوب.

بعض ما عدّ من المعدودات والتأمّل فيه

وعدّ العلاّمة البطيخ والباذنجان في المعدودات ، حيث قال في شروط السلم من القواعد : ولا يكفي (٥) العدّ في المعدودات ، بل لا بدّ من الوزن في البطّيخ والباذنجان والرمّان ، وإنّما اكتفى بعدّها في البيع‌

__________________

(١) ستأتي في الصفحة ٢٢٤.

(٢) كذا في «ف» ونسخة بدل «م» و «ص» ، وفي سائر النسخ : المتضمّنة لتجويز.

(٣) راجع مجمع الفائدة ٨ : ١٧٨.

(٤) ستأتي في الصفحة ٢٢٤.

(٥) في «ش» زيادة «في السلم وصحّته» ، وفي هامش «ن» زيادة : في السلم صح.

للمعاينة ، انتهى (١).

وقد صرّح في التذكرة بعدم الربا في البطّيخ والرمّان إذا كان رطباً ؛ لعدم الوزن ، وثبوته مع الجفاف (٢) ، بل يظهر منه كون القثّاء والخوخ والمشمش أيضاً غير موزونة.

وكلّ ذلك محلّ تأمّل ؛ لحصول الغرر أحياناً بعدم الوزن. فالظاهر أنّ تقدير المال عرفاً في المذكورات بالوزن لا بالعدد ، كما في الجوز والبيض.

__________________

(١) القواعد ١ : ١٣٦.

(٢) التذكرة ١ : ٤٨٤.