درس مکاسب - بیع

جلسه ۲۸۴: علم به مثمن ۳

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

مسألة

التقدير بغير ما يتعارف التقدير به

لو قلنا بأنّ المناط في اعتبار تقدير المبيع في المكيل والموزون والمعدود بما يتعارف التقدير به هو حصول الغرر الشخصي ، فلا إشكال في جواز تقدير كلٍّ منها بغير ما يتعارف تقديره به إذا انتفى الغرر بذلك ، بل في كفاية المشاهدة فيها من غير تقدير أصلاً.

لكن تقدّم (١) : أنّ ظاهر الأخبار الواردة في هذا الباب اعتبار التقدير من غير ملاحظة الغرر الشخصي ؛ لحكمة سدّ باب الغرر المؤدّي إلى التنازع ، المقصود رفعه من اعتبار بعض الخصوصيّات في أكثر المعاملات زيادة على التراضي الفعلي حال المعاملة.

وحينئذٍ فيقع الكلام والإشكال في تقدير بعض المقدّرات بغير ما تعارف فيه ، فنقول :

هل يجوز بيع المكيل وزنا وبالعكس

اختلفوا في جواز بيع المكيل وزناً وبالعكس وعدمه (٢) على أقوال ،

__________________

(١) تقدّم في الصفحة ٢١٤.

(٢) في «ف» بدل «وعدمه» : أم لا.

الأقوال في المسألة

ثالثها : جواز المكيل (١) وزناً (٢) ، دون العكس ؛ لأنّ الوزن أصل الكيل وأضبط ، وإنّما عدل إليه في المكيلات تسهيلاً.

فالمحكيّ عن الدروس في السلَم جوازه مطلقاً ، حيث قال : ولو أسلم في المكيل وزناً وبالعكس فالوجه الصحّة ؛ لرواية وهب عن الصادق عليه‌السلام (٣) ، وكأنّه أشار بها إلى رواية وهب ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن عليٍّ صلوات الله عليهم ، قال : «لا بأس بسَلَف (٤) ما يوزن فيما يكال ، وما يكال فيما يوزن» (٥).

ولا يخفى قصور الرواية سنداً ب «وهب» ، ودلالةً بأنّ الظاهر منها جواز إسلاف الموزون في المكيل وبالعكس ، لا جواز تقدير المسْلَم فيه المكيل بالوزن وبالعكس ، ويعضده ذكر الشيخ للرواية في باب إسلاف الزيت في السمن (٦).

الكلام في مقامين

فالذي ينبغي أن يقال : إنّ الكلام تارةً في كفاية كلٍّ من التقديرين في المقدّر بالآخر من حيث جعله دليلاً على التقدير المعتبر فيه ، بأن يستكشف من الكيل وزن الموزون وبالعكس. وتارة في كفايته فيه أصلاً من غير ملاحظة تقديره المتعارف.

__________________

(١) كذا في «ن» ، وفي سائر النسخ : «الكيل».

(٢) ذهب إليه الحلّي في السرائر ٢ : ٢٦٠ و ٣٢١ ، وراجع تفصيل ذلك في مفتاح الكرامة ٤ : ٢٢٨.

(٣) الدروس ٣ : ٢٥٣.

(٤) في «ن» ، «خ» ، «م» و «ع» : بالسلف.

(٥) الوسائل ١٣ : ٦٣ ، الباب ٧ من أبواب السلف ، الحديث الأوّل.

(٦) بل في باب إسلاف السمن بالزيت ، انظر الاستبصار ٣ : ٧٩.

١ ـ التقدير بغير ما تعارف تقديره به من حيث جعله طريقاً إلى ما تعارف فيه

أمّا الأوّل ، فقد يكون التفاوت المحتمل ممّا يتسامح فيه عادة ، وقد يكون ممّا لا يتسامح فيه :

أمّا الأوّل ، فالظاهر جوازه ، خصوصاً مع تعسّر تقديره بما يتعارف فيه ؛ لأنّ ذلك غير خارج في الحقيقة عن تقديره ممّا (١) يتعارف فيه ، غاية ما في الباب أن يجعل التقدير الآخر طريقاً إليه.

ويؤيّده رواية عبد الملك بن عمرو ، قال : «قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : أشتري مائة راوية من زيت ، فأعترض (٢) راوية أو اثنتين فأزنهما (٣) ، ثمّ آخذ سائره على قدر ذلك. قال : لا بأس» (٤).

استدلّ بها في التذكرة على جواز بيع الموزون عند تعذّر وزنه بوزن واحد من المتعدّد ونسبة الباقي إليه ، وأردفه بقوله : ولأنه يحصل المطلوب وهو العلم (٥).

واستدلاله الثاني يدلّ على عدم اختصاص الحكم بصورة التعذّر ، والتقييد بالتعذّر لعلّه استنبطه من الغالب في مورد السؤال ، وهو تعذّر‌

__________________

(١) كذا في النسخ ، والظاهر : «بما» كما في مصحّحة «ن».

(٢) في غير «ف» و «ش» : «فأعرض» ، وصحّحت في «ن» و «ص» بما أثبتناه.

(٣) كذا في الكافي ، وفي النسخ : فأتزنهما.

(٤) الكافي ٥ : ١٩٤ ، الحديث ٧ ، والوسائل ١٢ : ٢٥٥ ، الباب ٥ من أبواب عقد البيع وشروطه ، الحديث الأوّل.

(٥) التذكرة ١ : ٤٦٩.

وزن مائة راوية من الزيت ؛ ولا يخفى أنّ هذه العلّة (١) لو سلّمت على وجهٍ يقدح في عموم ترك الاستفصال إنّما يجب الاقتصار على موردها لو كان الحكم مخالفاً لعمومات وجوب التقدير ، وقد عرفت أنّ هذا في الحقيقة تقديرٌ وليس بجزاف.

نعم ، ربما ينافي ذلك التقرير المستفاد من الصحيحة الآتية في بيع الجوز ، كما سيجي‌ء (٢).

وأمّا لو كان (٣) التفاوت ممّا لا يتسامح فيه ، فالظاهر أيضاً الجواز مع البناء على ذلك المقدار (٤) المستكشف من التقدير إذا كان ذلك التقدير أمارةً على ذلك المقدار ، لأنّ ذلك أيضاً خارجٌ عن الجزاف ، فيكون نظير إخبار البائع بالكيل. ويتخيّر المشتري لو نقص.

٢ ـ التقدير بغير ما تعارف تقديره به مستقلا

وما تقدّم من صحيحة الحلبي في أوّل الباب من المنع عن شراء أحد العِدلين بكيل أحدهما قد عرفت توجيهه هناك (٥).

هذا كلّه مع جعل التقدير الغير المتعارف أمارةً على المتعارف.

جواز بيع المكيل وزناً والدليل عليه

وأمّا كفاية أحد التقديرين عن الآخر أصالةً من غير ملاحظة التقدير المتعارف (٦) ، فالظاهر جواز بيع المكيل (٧) وزناً على المشهور ، كما‌

__________________

(١) في مصحّحة «م» وهامش «ن» : «الغلبة» ، واستظهرها مصحّح «ش» أيضاً.

(٢) سيجي‌ء في الصفحة ٢٢٤.

(٣) في «ف» : إذا كان.

(٤) في «ع» و «ش» : المقدر.

(٥) راجع الصفحة ٢١٠ ٢١١.

(٦) هذه هي الصورة الثانية ، وتقدّمت أُولاها في الصفحة السابقة.

(٧) في «ص» و «ش» : الكيل.

عن الرياض (١) ؛ لأنّ ذلك ليس من بيع المكيل مجازفةً ، المنهيّ عنه في الأخبار (٢) ومعقد الإجماعات ؛ لأنّ الوزن أضبط من الكيل ، ومقدار ماليّة المكيلات معلومٌ به أصالةً من دون إرجاعٍ إلى الكيل.

الوزن أصلٌ للكيل

والمحكي المؤيّد بالتتبّع ـ : أنّ الوزن أصلٌ للكيل ، وأنّ العدول إلى الكيل من باب الرخصة ؛ وهذا معلوم لمن تتبّع موارد تعارف الكيل في الموزونات.

ما يشهد لأصالة الوزن

ويشهد لأصالة الوزن : أنّ المكاييل المتعارفة في الأماكن المتفرّقة على اختلافها في المقدار ليس لها مأخذ إلاّ الوزن ؛ إذ ليس هنا كيلٌ واحدٌ يقاس المكاييل عليه.

الإشكال في كفاية الكيل في الموزون

وأمّا كفاية الكيل في الموزون (٣) من دون ملاحظة كشفه عن الوزن ، ففيه إشكالٌ ، بل لا يبعد عدم الجواز ، وقد عرفت عن السرائر : أنّ ما يباع وزناً لا يباع كيلاً بلا خلاف (٤) ، فإنّ هذه مجازفةٌ صرفة ؛ إذ ليس الكيل فيما لم يتعارف فيه ، وعاءً منضبطاً (٥) ، فهو بعينه ما منعوه من التقدير بقصعةٍ حاضرةٍ أو مل‌ء اليد (٦) ؛ فإنّ الكيل من حيث هو لا‌

__________________

(١) الرياض ١ : ٥١٥.

(٢) الوسائل ١٢ : ٢٥٤ ، الباب ٤ من أبواب عقد البيع وشروطه.

(٣) في «ف» زيادة : أوّلاً.

(٤) راجع الصفحة ٢١٠.

(٥) في «ش» : منضبط.

(٦) العبارة في «ف» هكذا : فهو بعينه من التعذّر كقصعة حاضرة أو ملي اليد قدره تخميناً ، فإنّ ..

يوجب في الموزونات معرفة زائدة على ما يحصل بالمشاهدة ، فالقول بالجواز فيما نحن فيه مرجعه إلى كفاية المشاهدة.

معاملة الموزون بوزنٍ معلوم عند أحد المتبايعين

ثمّ إنّه قد علم ممّا ذكرنا : أنّه لو وقعت معاملة الموزون بعنوان معلوم عند أحد المتبايعين دون الآخر كالحقّة والرطل والوَزْنة باصطلاح أهل العراق ، الذي لا يعرفه غيرهم ، خصوصاً الأعاجم غير جائز ؛ لأنّ مجرّد ذكر أحد هذه العنوانات عليه وجعله في الميزان ، ووضع صخرة مجهولة المقدار معلومة الاسم في مقابله ، لا يوجب للجاهل معرفة زائدة على ما يحصل بالمشاهدة.

كفاية الكيل أو الوزن في المعدود إذا كان طريقاً إليه

هذا كلّه في المكيل والموزون.

وأمّا المعدود : فإن كان الكيل أو الوزن طريقاً إليه ، فالكلام فيه كما عرفت في أخويه. وربما ينافيه التقرير المستفاد من صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «أنّه سئل عن الجوز لا نستطيع أن نعدّه ؛ فيكال بمكيال (١) ثمّ يعدّ ما فيه ، ثمّ يكال ما بقي على حساب ذلك العدد؟ قال : لا بأس به» (٢).

فإنّ ظاهر السؤال اعتقاد السائل عدم جواز ذلك في غير حال الضرورة ، ولم يردعه الإمام عليه‌السلام بالتنبيه على أنّ ذلك غير مختصّ بصورة الاضطرار.

__________________

(١) كذا في «ص» و «ش» والوسائل ومصحّحة «ن» ، والعبارة في سائر النسخ هكذا : «لا يستطيع يكال بمكيال ..» مع اختلافات اخرى لم نتعرّض لذكرها.

(٢) الوسائل ١٢ : ٢٥٩ ، الباب ٧ من أبواب عقد البيع وشروطه.