درس مکاسب - بیع

جلسه ۲۸۶: علم به مثمن ۵

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

دعوى إجماع الأصحاب على أنّ المعيار في ذلك زمان الشارع

فقد قيل (١) : إنّ الموجود في كلام الأصحاب اعتبار الكيل والوزن فيما بيع بهما في زمن الشارع ، وحكم الباقي في البلدان ما هو المتعارف فيها ، فما كان مكيلاً أو موزوناً في بلد يباع كذا ، وإلاّ فلا (٢). وعن ظاهر مجمع البرهان وصريح الحدائق نسبته إلى الأصحاب (٣).

مناقشة صاحب الجواهر في الإجماع

وربما منع ذلك بعض المعاصرين ، قائلاً : إنّ دعوى الإجماع على كون المدار هنا على زمانه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الوجه المذكور ، غريبة! فإنّي لم أجد ذلك في كلام أحد من الأساطين ، فضلاً عن أن يكون إجماعاً. نعم ، قد ذكروا ذلك بالنسبة إلى حكم الربا ، لا أنّه كذلك بالنظر إلى الجهالة والغرر الذي من المعلوم عدم المدخليّة لزمانه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في رفع شي‌ءٍ من ذلك وإثباته (٤) ، انتهى.

المناقشة فيما أفاده صاحب الجواهر

أقول : ما ذكره دام ظلّه ـ : من عدم تعرّض جلّ الفقهاء لذلك هنا يعني في شروط العوضين وأنّ ما ذكروه في باب الربا ، حقٌّ ، إلاّ أنّ المدار وجوداً وعدماً في الربا على اشتراط الكيل والوزن في صحة بيع جنس ذلك الشي‌ء ، وأكثر الفقهاء لم يذكروا تحديد هذا الشرط والمعيار فيه هنا يعني في شروط العوضين إلاّ أنّ الأكثر ذكروا في باب الربا ما هو المعيار هنا وفي ذلك الباب.

عدم اختصاص المعيار بمسألة الربا

وأمّا اختصاص هذا المعيار بمسألة الربا وعدم جريانه في شروط‌

__________________

(١) قاله السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٢٢٨.

(٢) إلى هنا كلام السيّد العاملي قدس‌سره.

(٣) مجمع الفائدة ٨ : ١٧٧ ، والحدائق ١٨ : ٤٧١ ، وحكى ذلك عنهما السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٢٢٨.

(٤) الجواهر ٢٢ : ٤٢٧ ٤٢٨.

العوضين كما ذكره فهو خلاف الواقع :

كلام الشيخ الطوسي في عدم الاختصاص

أمّا أوّلاً ، فلشهادة تتبّع كلمات الأصحاب بخلافه. قال في المبسوط في باب الربا : إذا كانت عادة الحجاز على عهده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في شي‌ءٍ الكيل ، لم يجز إلاّ كيلاً في سائر البلاد ، وما كانت فيه وزناً لم يجز إلاّ وزناً في سائر البلاد ، والمكيال مكيال أهل المدينة ، والميزان ميزان أهل مكّة (١) ، هذا كلّه بلا خلاف. فإن كان ممّا لا يعرف عادته (٢) في عهده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حمل على عادة البلد الذي فيه ذلك الشي‌ء ، فما عرف بالكيل لا يباع إلاّ كيلاً ، وما عرف فيه الوزن لا يباع إلاّ وزناً (٣) ، انتهى.

ولا يخفى عموم ما ذكره من التحديد لمطلق البيع ، لا لخصوص مبايعة المتماثلين. ونحوه كلام العلاّمة في التذكرة (٤).

الموضوع في المسألتين شيءٌ واحد

وأمّا ثانياً ، فلأنّ ما يقطع به بعد التتبّع في كلماتهم هنا ، وفي باب الربا أنّ الموضوع في كلتا المسألتين شي‌ء واحد أعني المكيل والموزون قد حمل عليه حكمان : أحدهما عدم صحّة بيعه جزافاً ، والآخر عدم صحّة بيع بعضه ببعض متفاضلاً ، ويزيده وضوحاً ملاحظة أخبار المسألتين المعنونة بما يكال أو يوزن ، فإذا ذكروا ضابطة لتحديد‌

__________________

(١) كذا في «ش» ومصحّحة «ن» وفاقا لما في المصدر ، وفي سائر النسخ : أهل الحجاز.

(٢) كذا في مصحّحة «ن» وفاقاً لما في المصدر ، وفي «ف» و «ش» : «لا تعرف عادة» ، وفي سائر النسخ : لا نعرف عادة.

(٣) المبسوط ٢ : ٩٠.

(٤) التذكرة ١ : ٤٨٣.

ظهور كلام جماعةٍ في اشتراط اعتبار الكيل والوزن في الربا

الموضوع فهي مرعيّة في كلتا المسألتين.

وأمّا ثالثاً ، فلأنه يظهر من جماعة تصريحاً أو ظهوراً ـ : أنّ من شرط الربا كون الكيل والوزن شرطاً في صحّة بيعه (١).

قال المحقّق في الشرائع بعد ذكر اشتراط اعتبار الكيل والوزن في الربا تفريعاً على ذلك ـ : إنّه لا ربا في الماء ؛ إذ لا يشترط في بيعه الكيل أو الوزن (٢).

وقال في الدروس : ولا يجري الربا في الماء [وإن وزن أو كيل (٣)] ؛ لعدم اشتراطهما في صحّة بيعه نقداً ثمّ قال : وكذا الحجارة والتراب والحطب ، ولا عبرة ببيع الحطب وزناً في بعض البلدان ؛ لأنّ الوزن غير شرط في صحّته (٤) ، انتهى.

وهذا المضمون سهل الإصابة لمن لاحظ كلماتهم ، فلاحظ المسالك هنا (٥) ، وشرح القواعد وحاشيتها للمحقّق الثاني (٦) والشهيد (٧) عند قول‌

__________________

(١) صرّح به السيّد الطباطبائي في الرياض ١ : ٥٤٢ ، ويظهر من المحقّق في الشرائع والشهيد في الدروس ، كما سيأتي عنهما.

(٢) الشرائع ٢ : ٤٥.

(٣) عبارة «وإن وزن أو كيل» من المصدر ، اقتضاها السياق.

(٤) الدروس ٣ : ٢٩٧.

(٥) راجع المسالك ٣ : ٣٢٣.

(٦) جامع المقاصد ٤ : ٢٧١.

(٧) لا توجد لدينا حاشية الشهيد على القواعد ، ونقل العبارة عنها السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٥١٧. هذا ، ولم ترد «والشهيد» في غير «ف» و «ش» ، نعم استدركت في هامش «ن».

لازم ما ذكرنا أنّه إذا ثبت الربا في جنسٍ فلا يجوز بيعه جزافاً

العلاّمة : «والمراد بالمكيل والموزون هنا جنسه وإن لم يدخلاه لقلّته كالحبّة والحبّتين من الحنطة ، أو لكثرته كالزبرة (١)» (٢) ، ولازم ذلك يعني اشتراط دخول الربا في جنسٍ باشتراط الكيل والوزن في صحّة بيعه ـ : أنّه إذا ثبت الربا في زماننا في جنسٍ ؛ لثبوت كونه مكيلاً أو موزوناً على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لزم أن لا يجوز بيعه جزافاً ، وإلاّ لم يصدق ما ذكروه : من اشتراط الربا باشتراط التقدير في صحّة بيعه.

وبالجملة ، فتلازم الحكمين أعني دخول الربا في جنسٍ ، واشتراط بيعه بالكيل أو الوزن ممّا لا يخفى على المتتبّع في كتب الأصحاب.

ما ثبت كونه مكيلاً أو موزوناً في عصره صلّى الله عليه وآله فهو ربويّ ولا يجوز بيعه جزافاً

وحينئذٍ فنقول : كلّ ما ثبت كونه مكيلاً أو موزوناً في عصره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهو ربويٌّ في زماننا ولا يجوز بيعه جزافاً ، فلو فرض تعارف بيعه جزافاً عندنا كان باطلاً وإن لم يلزم غررٌ ؛ للإجماع ، ولما عرفت : من أنّ اعتبار الكيل والوزن لحكمة سدّ باب نوع الغرر لا شخصه (٣) ، فهو حكمٌ لحكمةٍ غير مطّردة ، نظير النهي عن بيع الثمار قبل الظهور لرفع التنازع ، واعتبار الانضباط في المسلَم فيه ؛ لأنّ في تركه مظنّة التنازع والتغابن ، ونحو ذلك (٤).

والظاهر كما عرفت من غير واحد (٥) أنّ المسألة اتّفاقية.

__________________

(١) الزبرة : القطعة من الحديد ، والجمع : زبر (الصحاح ٢ : ٦٦٦).

(٢) القواعد ١ : ١٤١.

(٣) تقدّم في الصفحة ٢١٤.

(٤) في «ف» : ونحوه.

(٥) راجع الصفحة ٢٢٦.

ما كان يباع جزافاً في زمانه صلّى الله عليه وآله فيجوز بيعه كذلك عندنا مع عدم الغرر

وأمّا ما علم أنّه كان يباع جزافاً في زمانه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فالظاهر جواز بيعه كذلك عندنا مع عدم الغرر قطعاً ، والظاهر أنّه إجماعيٌّ ، كما يشهد به دعوى بعضهم الإجماع على أنّ مثل هذا ليس بربويٍّ (١) ، والشهرة محقّقة على ذلك.

منافاة إطلاق النهي عن بيع المكيل والموزون جزافاً لبعض ما ذكرنا

نعم ، ينافي ذلك بعض ما تقدّم من إطلاق النهي عن بيع المكيل والموزون جزافاً ، الظاهر فيما تعارف كيله في زمان الإمام عليه‌السلام أو في عرف السائل أو في عرف المتبايعين أو أحدهما ، وإن لم يتعارف في غيره. وكذلك قوله عليه‌السلام : «ما كان من طعامٍ سمّيت فيه كيلاً فلا يصلح مجازفةً» (٢) الظاهر في وضع المكيال عليه عند المخاطب وفي عرفه وإن لم يكن كذلك في عرف الشارع.

اللهمّ إلاّ أن يقال : إنّه لم يعلم أنّ (٣) ما تعارف كيله أو وزنه في عرف الأئمة وأصحابهم ، كان غير مقدّرٍ في زمان الشارع حتّى يتحقّق المنافاة. والأصل في ذلك : أنّ مفهوم المكيل والموزون في الأخبار لا يراد بهما «كلّ ما فرض صيرورته كذلك» حتّى يعمّ ما علم كونه غير مقدّر في زمن الشارع ، بل المراد بهما المصداق الفعلي المعنون بهما في زمان المتكلّم ، وهذه الأفراد لا يعلم عدم كونها مكيلةً ولا موزونةً في زمن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

__________________

(١) ادّعاه الفاضل المقداد في التنقيح ٢ : ٩١.

(٢) المتقدّم في صحيحة الحلبي ، المتقدّمة في الصفحة ٢١٠.

(٣) في غير «ش» : لم يعلم كون ما تعارف ، وصحّحت في «ن» و «ص» بما في المتن.