درس مکاسب - بیع

جلسه ۳۶: الفاظ عقد ۱۱

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

وقد صرّح في النهاية والمسالك على ما حكي (١) ـ : بأنّ «اشتريت» ليس قبولاً حقيقةً ، وإنّما هو بدل ، وأنّ الأصل في القبول «قبلت» ؛ لأنّ القبول في الحقيقة ما لا يمكن الابتداء به ، ولفظ «اشتريت» يجوز الابتداء به.

ومرادهما (٢) : أنّه بنفسه لا يكون قبولاً ، فلا ينافي ما ذكرنا من تحقّق مفهوم القبول فيه إذا وقع عقيب تمليك البائع ، كما أنّ «رضيت بالبيع» ليس فيه إنشاء لنقل ماله إلى البائع إلاّ إذا وقع متأخّراً ؛ ولذا منعنا عن تقديمه.

فكلٌّ من «رضيت» و «اشتريت» بالنسبة إلى إفادة نقل المال ومطاوعة البيع عند التقدّم والتأخّر متعاكسان.

فإن قلت : إنّ الإجماع على اعتبار القبول في العقد يوجب تأخير قوله (٣) : «اشتريت» حتى يقع قبولاً ؛ لأنّ إنشاء مالكيته لمال الغير إذا وقع عقيب تمليك الغير له يتحقّق فيه معنى الانتقال وقبول الأثر ، فيكون «اشتريت» متأخّراً التزاماً بالأثر عقيب إنشاء التأثير من البائع ، بخلاف ما لو تقدّم ؛ فإنّ مجرّد إنشاء المالكيّة لمالٍ لا يوجب تحقّق مفهوم القبول ، كما لو نوى تملّك (٤) المباحات أو اللقطة ، فإنّه لا قبول فيه رأساً.

__________________

(١) حكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ١٥٣ ، وانظر نهاية الإحكام ٢ : ٤٤٨ ، والمسالك ٣ : ١٥٤.

(٢) في «ف» : مرادهم.

(٣) في «ف» : «قول» ، وفي «خ» : قبوله.

(٤) في «ف» : ملك.

قلت : المسلّم من الإجماع هو اعتبار القبول من المشتري بالمعنى الشامل للرضا بالإيجاب ، وأمّا وجوب تحقّق مفهوم القبول المتضمّن للمطاوعة وقبول الأثر ، فلا.

فقد (١) تبيّن من جميع ذلك : أنّ إنشاء القبول لا بدّ أن يكون جامعاً لتضمّن إنشاء النقل وللرضا بإنشاء البائع تقدّم أو تأخّر ولا يعتبر إنشاء انفعال نقل البائع.

فقد تحصّل ممّا ذكرناه : صحّة تقديم القبول إذا كان بلفظ «اشتريت» وفاقاً لمن عرفت (٢) ، بل هو ظاهر إطلاق الشيخ في الخلاف ؛ حيث إنّه لم يتعرّض إلاّ للمنع عن الانعقاد بالاستيجاب والإيجاب (٣) ، وقد عرفت (٤) عدم الملازمة بين المنع عنه والمنع عن تقديم مثل «اشتريت» ، وكذا السيّد في الغنية ، حيث أطلق اعتبار الإيجاب والقبول ، واحترز بذلك عن انعقاده بالمعاطاة وبالاستيجاب والإيجاب (٥) ، وكذا ظاهر إطلاق الحلبي في الكافي ، حيث لم يذكر تقديم الإيجاب من شروط الانعقاد (٦).

__________________

(١) في «ف» : وقد.

(٢) في الصفحة السابقة.

(٣) الخلاف ٣ : ٣٩ ، كتاب البيوع ، المسألة ٥٦.

(٤) انظر الصفحة ١٤٨ ١٤٩.

(٥) الغنية : ٢١٤.

(٦) انظر الكافي في الفقه : ٣٥٢ (فصل في عقد البيع).

وهن الإجماع المنقول على وجوب تقديم الإيجاب

والحاصل : أنّ المصرح بذلك في ما وجدت من القدماء الحليّ (١) وابن حمزة (٢) ، فمن التعجّب بعد ذلك حكاية الإجماع عن الخلاف (٣) على (٤) تقديم الإيجاب ، مع أنّه لم يزد على الاستدلال لعدم (٥) كفاية الاستيجاب والإيجاب (٦) بأنّ ما عداه مجمعٌ على صحّته ، وليس على صحّته دليل (٧). ولَعَمري أنّ مثل هذا ممّا يوهن الاعتماد على الإجماع المنقول ، وقد نبّهنا على أمثال ذلك في مواردها.

نعم ، يشكل الأمر بأنّ المعهود المتعارف من الصيغة تقديم الإيجاب ، ولا فرق بين المتعارف هنا وبينه في المسألة الآتية ، وهو الوصل بين الإيجاب والقبول ، فالحكم لا يخلو عن شوب الإشكال.

ثمّ إنّ ما ذكرنا جارٍ في كلّ قبولٍ يؤدّى بإنشاءٍ مستقلٍّ كالإجارة التي يؤدّي قبولها بلفظ «تملّكت منك منفعة كذا» أو «ملكت» ، والنكاح‌

__________________

(١) السرائر ٢ : ٢٤٣ ، هكذا وردت الكلمة في «ش» ومصحّحة «ن» ، وفي سائر النسخ : «الحلبي» بدل «الحليّ» ، وهو سهوٌ أو تصحيف ، فإنّه قد تقدّم آنفاً : أنّ الحلبي أطلق ، ولم يذكر تقديم الإيجاب.

(٢) الوسيلة : ٢٣٧.

(٣) حكاه عنه الشهيد الأوّل في غاية المراد : ٨٠ ، كما تقدّم في صدر المسألة ، والشهيد الثاني في المسالك ٣ : ١٥٣.

(٤) في «ص» زيادة : لزوم.

(٥) كذا في «ش» ، وفي سائر النسخ : بعدم.

(٦) كذا في النسخ ، والظاهر سقوط كلمة : إلاّ.

(٧) انظر الخلاف ٣ : ٤٠ ، كتاب البيوع ، ذيل المسألة ٥٦.

الذي يؤدّي قبوله (١) بلفظ «أنكحت» (٢) و «تزوّجت».

تقديم القبول فيما لا إنشاء في قبوله إلّا «قبلت» ونحوه

وأمّا ما لا إنشاء في قبوله إلاّ «قبلت» أو ما يتضمّنه ك‍ «ارتهنت» فقد يقال بجواز تقديم القبول فيه ؛ إذ لا التزام في قبوله بشي‌ء (٣) كما كان في قبول البيع التزام (٤) بنقل ماله إلى البائع ، بل لا ينشئ به معنى غير الرضا بفعل الموجب ، وقد تقدّم (٥) أنّ الرضا يجوز تعلّقه بأمرٍ مترقّب (٦) كما يجوز تعلّقه بأمرٍ محقّق ، فيجوز أن يقول : «رضيت برهنك هذا عندي» فيقول : «رهنت».

التحقيق عدم الجواز

والتحقيق : عدم الجواز ؛ لأنّ اعتبار القبول فيه من جهة تحقّق عنوان المرتهن ، ولا يخفى أنّه لا يصدق الارتهان على قبول الشخص إلاّ بعد تحقّق الرهن ؛ لأنّ الإيجاب إنشاءٌ للفعل ، والقبول إنشاءٌ للانفعال (٧).

وكذا القول (٨) في الهبة والقرض ، فإنّه لا يحصل من إنشاء القبول‌

__________________

(١) في غير «ش» : قبولها.

(٢) كذا في «ف» ، وفي سائر النسخ : نكحت.

(٣) كذا في «ف» ، وفي سائر النسخ : لشي‌ء.

(٤) كذا في «ش» ، وفي سائر النسخ : التزاماً.

(٥) تقدّم في الصفحة ١٤٤.

(٦) في «ف» : مستقبل.

(٧) في نسخة بدل «خ» ، «م» ، «ع» و «ش» : لأنّ الإيجاب إنشاء للنقل ، والقبول إنشاء للانتقال.

(٨) في «خ» ، «ص» ومصحّحة «ع» : القبول.