درس مکاسب - بیع

جلسه ۵۸: الفاظ عقد ۳۳

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

للسببية أو المقابلة ، فالمشتري لمّا أقدم على ضمان المبيع وتقبّله على نفسه بتقبيل البائع وتضمينه إيّاه على أن يكون الخراج له مجّاناً ، كان اللازم على (١) ذلك أنّ خراجه له على تقدير الفساد ، كما أنّ الضمان عليه على هذا التقدير أيضاً.

والحاصل : أنّ ضمان العين لا يجتمع مع ضمان الخراج ، ومرجعه إلى أنّ الغنيمة والفائدة بإزاء الغرامة ، وهذا المعنى مستنبط من أخبار كثيرة متفرّقة ، مثل قوله عليه‌السلام في مقام الاستشهاد على كون منفعة المبيع في زمان الخيار للمشتري : «ألا ترى أنّها لو أُحرقت كانت من مال المشتري؟» (٢) ونحوه في الرهن (٣) وغيره.

المناقشة في الاستدلال

وفيه : أنّ هذا الضمان ليس هو ما أقدم عليه المتبايعان حتّى يكون الخراج بإزائه ، وإنّما هو أمرٌ قهريٌّ حكم به الشارع كما حكم بضمان المقبوض بالسوم والمغصوب.

المراد بـ «الضمان» في النبوي

فالمراد بالضمان الذي بإزائه الخراج : التزام الشي‌ء على نفسه وتقبّله له مع إمضاء الشارع له.

وربما ينتقض ما ذكرنا في معنى الرواية بالعارية المضمونة ؛ حيث إنّه أقدم على ضمانها ، مع أنّ خراجها ليس له ؛ لعدم تملّكه للمنفعة ، وإنّما‌

__________________

(١) كذا في «ف» ، وفي سائر النسخ : من.

(٢) الوسائل ١٢ : ٣٥٦ ، الباب ٨ من أبواب الخيار ، الحديث ٣ ، ولفظ الحديث : «أرأيت لو أنّ الدار احترقت من مال من كانت تكون الدار ، دار المشتري؟!» ، ومثله في الدلالة الحديث الأوّل من هذا الباب.

(٣) الوسائل ١٣ : ١٢٦ ، الباب ٥ من أبواب أحكام الرهن ، الحديث ٦ ، وغيره.

تملّك الانتفاع الذي عيّنه المالك ، فتأمّل.

والحاصل : أنّ دلالة الرواية (١) لا تقصر عن سندها في الوهن ، فلا يترك لأجلها قاعدة ضمان مال المسلم واحترامه وعدم حلّه إلاّ عن طيب النفس.

استدلالان آخران على الضمان ، والمناقشة فيهما

وربما يردّ هذا القول : بما ورد في شراء الجارية المسروقة ، من ضمان قيمة الولد وعوض اللبن ، بل عوض كلّ ما انتفع (٢).

وفيه : أنّ الكلام في البيع الفاسد الحاصل بين مالكي العوضين من جهة أنّ مالك العين جعل خراجها له بإزاء ضمانها بالثمن ، لا ما كان فساده من جهة التصرّف في مال الغير.

وأضعف من ذلك ردّه بصحيحة أبي ولاّد (٣) المتضمّنة لضمان منفعة المغصوب المستوفاة ؛ ردّاً على أبي حنيفة القائل بأنّه إذا تحقّق ضمان العين ولو بالغصب سقط كراها (٤) ، كما يظهر من تلك الصحيحة.

نعم ، لو كان القول المذكور موافقاً لقول أبي حنيفة في إطلاق القول بأنّ الخراج بالضمان ، انتهضت الصحيحة وما قبلها ردّاً عليه.

حكم المنافع الفائتة بغير استيفاء

هذا كلّه في المنفعة المستوفاة ، وأمّا المنفعة الفائتة بغير استيفاء ،

__________________

(١) أي النبوي المرسل : «الخراج بالضمان» ، المتقدّم في الصفحة ٢٠١.

(٢) انظر الوسائل ١٤ : ٥٩١ ، الباب ٨٨ من أبواب نكاح العبيد والإماء ، الأحاديث ٢ ٥.

(٣) الوسائل ١٧ : ٣١٣ ، الباب ٧ من أبواب الغصب ، الحديث الأوّل.

(٤) انظر بداية المجتهد ٢ : ٢٣١ ، والمغني لابن قدامة ٥ : ٥٠١.

ما يمكن أن يستدلّ به على الضمان

فالمشهور فيها أيضاً الضمان ، وقد عرفت عبارة السرائر المتقدّمة (١) ، ولعلّه لكون المنافع أموالاً في يد من بيده العين ، فهي مقبوضة في يده ؛ ولذا يجري على المنفعة حكم المقبوض إذا قبض العين ، فتدخل المنفعة في ضمان المستأجر ، ويتحقّق قبض الثمن في السلَم بقبض الجارية المجعول خدمتها ثمناً ، وكذا الدار المجعول سكناها ثمناً ، مضافاً إلى أنّه مقتضى احترام مال المسلم ؛ إذ كونه في يد غير مالكه مدّة طويلة من غير اجرةٍ منافٍ للاحترام.

المناقشة في الاستدلال

لكن يشكل الحكم بعد تسليم كون المنافع أموالاً حقيقة ـ : بأنّ مجرّد ذلك لا يكفي في تحقّق الضمان ، إلاّ أن يندرج في عموم «على اليد ما أخذت» (٢) ، ولا إشكال (٣) في عدم شمول صلة الموصول للمنافع ، وحصولها في اليد بقبض العين لا يوجب صدق الأخذ. ودعوى : أنّه كناية عن مطلق الاستيلاء الحاصل في المنافع بقبض (٤) الأعيان ، مشكلة.

وأمّا احترام مال المسلم ، فإنّما يقتضي عدم حلّ التصرّف فيه (٥) وإتلافه بلا عوض ، وإنّما يتحقّق ذلك في الاستيفاء.

__________________

(١) تقدّمت في الصفحة ١٨٠ ، وإليك نصّها : إنّ البيع الفاسد يجري عند المحصّلين مجرى الغصب في الضمان.

(٢) عوالي اللآلي ١ : ٢٢٤ ، الحديث ١٠٦.

(٣) في «ش» : فلا إشكال.

(٤) كذا في «ش» ومصحّحة «ن» ، وفي «ف» : «لبعض» ، وفي سائر النسخ : لقبض.

(٥) لم ترد «فيه» في «ف».

القول بعدم الضمان موافق للأصل

فالحكم بعدم الضمان مطلقاً كما عن الإيضاح (١) أو مع علم البائع بالفساد كما عن بعضٍ آخر (٢) موافق للأصل السليم.

مضافاً إلى أنّه قد يدّعى شمول قاعدة «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» [له (٣)]. ومن المعلوم (٤) أنّ صحيح البيع لا يوجب ضماناً للمشتري للمنفعة ؛ لأنّها له مجّاناً ولا يتقسّط الثمن عليها ، وضمانها مع الاستيفاء لأجل الإتلاف ، فلا ينافي القاعدة المذكورة ؛ لأنّها بالنسبة إلى التلف لا الإتلاف.

مضافاً إلى الأخبار الواردة في ضمان المنافع المستوفاة من الجارية المسروقة المبيعة (٥) ، الساكتة من ضمان غيرها في مقام البيان.

وكذا صحيحة محمّد بن قيس الواردة في مَن باع وليدة أبيه بغير إذنه ، فقال عليه‌السلام : «الحكم أن يأخذ الوليدة وابنها» (٦) وسكت عن المنافع الفائتة ، فإنّ عدم الضمان في هذه الموارد مع كون العين لغير البائع يوجب عدم الضمان هنا بطريقٍ أولى.

__________________

(١) إيضاح الفوائد ٢ : ١٩٤.

(٢) نسبه المؤلّف قدس‌سره إلى بعض من كتب على الشرائع ، انظر الصفحة الآتية.

(٣) من مصحّحة «ص».

(٤) في «ف» : إذ من المعلوم.

(٥) الوسائل ١٤ : ٥٩١ ، الباب ٨٨ من أبواب نكاح العبيد والإماء ، الأحاديث ٢ ٥.

(٦) نفس المصدر ، الحديث الأوّل.

للتوقّف في المسألة مجال

والإنصاف : أنّ للتوقّف في المسألة كما في المسالك (١) تبعاً للدروس (٢) والتنقيح (٣) مجالاً.

وربما يظهر من القواعد في باب الغصب عند التعرّض لأحكام البيع الفاسد ـ : اختصاص الإشكال والتوقّف بصورة علم البائع (٤) على ما استظهره السيّد العميد (٥) والمحقّق الثاني (٦) من عبارة الكتاب ، وعن الفخر : حمل الإشكال في العبارة على مطلق صورة عدم الاستيفاء (٧).

محصّل الأقوال في المسألة

فتحصّل (٨) من ذلك كلّه : أنّ الأقوال في ضمان المنافع الغير المستوفاة خمسة :

الأوّل : الضمان ، وكأنّه للأكثر.

الثاني : عدم الضمان ، كما عن الإيضاح.

الثالث : الضمان إلاّ مع علم البائع ، كما عن بعض مَن كتب على الشرائع (٩).

__________________

(١) المسالك ٣ : ١٥٤.

(٢) الدروس ٣ : ١٩٤.

(٣) التنقيح الرائع ٢ : ٣٢.

(٤) القواعد ١ : ٢٠٨.

(٥) كنز الفوائد ١ : ٦٧٦.

(٦) جامع المقاصد ٦ : ٣٢٤ ٣٢٥.

(٧) إيضاح الفوائد ٢ : ١٩٤.

(٨) كذا في «ف» و «ص» ، وفي «ش» وظاهر «ن» : «فيتحصّل» ، وفي سائر النسخ : «فيحصل».

(٩) لم نقف عليه.

الرابع : التوقّف في هذه الصورة ، كما استظهره جامع المقاصد والسيّد العميد من عبارة القواعد.

الخامس : التوقّف مطلقاً ، كما عن الدروس والتنقيح والمسالك ومحتمل القواعد ، كما يظهر من فخر الدين.

وقد عرفت أنّ التوقّف أقرب إلى الإنصاف ، إلاّ أنّ المحكي من التذكرة ما لفظه (١) : إنّ منافع الأموال من العبيد (٢) والثياب والعقار وغيرها مضمونة بالتفويت والفوات تحت اليد العادية ، فلو غصب عبداً أو جارية (٣) أو عقاراً أو حيواناً مملوكاً ضمن منافعه سواء أتلفها بأن استعملها ، أو فاتت تحت يده بأن بقيت مدّة في يده (٤) لا يستعملها عند علمائنا أجمع (٥).

ولا يبعد أن يراد ب «اليد العادية» مقابل اليد الحقّة ، فيشمل يد المشتري في ما نحن فيه ، خصوصاً مع علمه (٦) ، سيّما مع جهل البائع به.

وأظهر منه ما في السرائر في آخر باب الإجارة ـ : من الاتّفاق أيضاً على ضمان منافع المغصوب الفائتة (٧) ، مع قوله في باب البيع : إنّ‌

__________________

(١) لم ترد «ما لفظه» في «ف» و «ش».

(٢) كذا في «ف» و «ن» ، وفي سائر النسخ : العبد.

(٣) في المصدر زيادة : أو ثوباً.

(٤) في «ف» : بأن بقيت تحت يده مدّة.

(٥) التذكرة ٢ : ٣٨١.

(٦) كذا في «ش» ومصحّحة «ن» و «م» ، وفي سائر النسخ : غلبته.

(٧) السرائر ٢ : ٤٧٩.