الكلام في شروط المتعاقدين
الكلام في شروط المتعاقدين
مسألة
المشهور بطلان عقد الصبي
المشهور كما عن الدروس (١) والكفاية (٢) ـ : بطلان عقد الصبي ، بل عن الغنية : الإجماع عليه وإن أجاز الولي (٣).
وفي كنز العرفان : نسبة عدم صحّة عقد الصبي إلى أصحابنا (٤) ، وظاهره إرادة التعميم لصورة إذن الولي.
وعن التذكرة : أنّ الصغير محجور عليه بالنصّ والإجماع سواء كان مميّزاً أو لا في جميع التصرّفات إلاّ ما استثنى ، كعباداته وإسلامه وإحرامه وتدبيره ووصيّته وإيصال الهديّة وإذنه في الدخول ، على خلافٍ في ذلك (٥) ، انتهى.
واستثناء إيصال الهديّة وإذنه في دخول الدار ، يكشف بفحواه عن
__________________
(١) الدروس ٣ : ١٩٢ ، لكنّه نسبه إلى الأشهر.
(٢) الكفاية : ٨٩ ، وحكاه عنه وعن الدروس السيّد المجاهد في المناهل : ٢٨٦.
(٣) الغنية : ٢١٠.
(٤) انظر كنز العرفان ٢ : ١٠٢.
(٥) التذكرة ٢ : ٧٣.
شمول المستثنى منه لمطلق أفعاله ؛ لأنّ الإيصال والإذن ليسا من التصرّفات القوليّة والفعليّة ، وإنّما الأوّل آلة في إيصال الملك كما لو حملها على حيوان وأرسلها ، والثاني كاشف عن موضوعٍ تعلّق عليه إباحة الدخول ، وهو رضا المالك.
الاستدلال على البطلان بحديث رفع القلم
واحتجّ على الحكم في الغنية (١) بقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «رفع القلم عن ثلاثة : عن الصبيّ حتّى يحتلم ، وعن المجنون حتّى يفيق ، وعن النائم حتّى يستيقظ» (٢) ، وقد سبقه في ذلك الشيخ في المبسوط في مسألة الإقرار وقال : إنّ مقتضى رفع القلم أن لا يكون لكلامه حكم (٣). ونحوه الحلّي في السرائر في مسألة عدم جواز وصيّة البالغ عشراً (٤) ، وتبعهم في الاستدلال به جماعة ، كالعلاّمة (٥) وغيره (٦).
الاستدلال بروايات عدم جواز أمر الصبي
واستدلّوا (٧) أيضاً بخبر حمزة بن حمران عن مولانا الباقر عليهالسلام : «إنّ الجارية إذا زوّجت ودخل بها ولها تسع سنين ذهب عنها اليتم ،
__________________
(١) الغنية : ٢١٠.
(٢) عوالي اللآلي ١ : ٢٠٩ ، الحديث ٤٨.
(٣) المبسوط ٣ : ٣.
(٤) السرائر ٣ : ٢٠٧.
(٥) التذكرة ٢ : ١٤٥.
(٦) كالمحقّق الثاني في جامع المقاصد ٧ : ٨٢ ، والمحقّق التستري في مقابس الأنوار : ١٠٨.
(٧) كما في الحدائق ١٨ : ٣٦٩ ، والرياض ١ : ٥١١ ، ومقابس الأنوار : ١٠٨ ، والجواهر ٢٢ : ٢٦١ وغيرها.
ودفع إليها مالها ، وجاز أمرها في الشراء (١) ، والغلام لا يجوز أمره في البيع والشراء ولا يخرج عن اليتم حتّى يبلغ خمس عشرة سنة .. الحديث» (٢).
وفي رواية ابن سنان : «متى يجوز أمر اليتيم؟ قال : حتّى يبلغ أشدّه. قال : ما أشدّه؟ قال : احتلامه» (٣) ، وفي معناها روايات أُخر (٤).
المناقشة في دلالة هذه الروايات
لكنّ الإنصاف : أنّ جواز الأمر في هذه الروايات ظاهر في استقلاله في التصرّف ؛ لأنّ الجواز مرادفٌ للمضيّ ، فلا ينافي عدمه ثبوت الوقوف على الإجازة ، كما يقال : بيع الفضولي غير ماضٍ ، بل موقوف.
ويشهد له الاستثناء في بعض تلك الأخبار بقوله : «إلاّ أن يكون سفيهاً» (٥) ، فلا دلالة لها حينئذٍ على سلب عبارته ، وأنّه إذا ساوم وليّه متاعاً (٦) وعيّن له قيمته (٧) وأمر الصبيّ بمجرّد إيقاع العقد مع الطرف
__________________
(١) في المصدر زيادة : والبيع.
(٢) الوسائل ١٢ : ٢٦٨ ، الباب ١٤ من أبواب عقد البيع وشروطه ، الحديث الأوّل ، وذيله.
(٣) الخصال ٢ : ٤٩٥ ، الحديث ٣ ، وعنه في الوسائل ١٣ : ١٤٣ ، الباب ٢ من أبواب كتاب الحجر ، الحديث ٥.
(٤) انظر الوسائل ١٢ : ٢٦٧ ، الباب ١٤ من أبواب عقد البيع وشروطه ، و ١٣ : ١٤١ و ١٤٢ ، الباب ١ و ٢ من أبواب كتاب الحجر ، والصفحة ٤٢٨ و ٤٣٢ ، الباب ٤٤ و ٤٥ من أبواب كتاب الوصايا وغيرها.
(٥) مثل رواية ابن سنان المتقدّمة والروايتين الأُخريين عنه أيضاً في الوسائل ١٣ : ٤٣٠ و ٤٣١ ، الباب ٤٤ من أبواب أحكام الوصايا ، الحديث ٨ و ١١.
(٦) كذا في «ف» ، «خ» و «ش» ونسخة بدل «ن» ، وفي سائر النسخ : متاعه.
(٧) في «ف» : قيمة.
الآخر كان باطلاً ، وكذا لو أوقع إيجاب النكاح أو قبوله لغيره بإذن وليّه.
المناقشة في دلالة حديث رفع القلم
وأمّا حديث رفع القلم ، ففيه :
أوّلاً : أنّ الظاهر منه قلم المؤاخذة ، لا قلم جعل الأحكام ؛ ولذا بنينا كالمشهور على شرعيّة عبادات الصبيّ.
وثانياً : أنّ المشهور على الألسنة أنّ الأحكام الوضعيّة ليست مختصّة بالبالغين ، فلا مانع من أن يكون عقده سبباً لوجوب الوفاء بعد البلوغ ، أو على الوليّ إذا وقع بإذنه أو إجازته ، كما يكون جنابته سبباً لوجوب غسله بعد البلوغ وحرمة تمكينه من مسّ المصحف.
وثالثاً : لو سلّمنا اختصاص الأحكام حتّى الوضعية بالبالغين ، لكن لا مانع من كون فعل غير البالغ موضوعاً للأحكام المجعولة في حقّ البالغين ، فيكون الفاعل كسائر غير البالغين خارجاً عن ذلك الحكم إلى وقت البلوغ.
ترديد بعضهم في الصحّة ، وتصريح آخرين بها
وبالجملة ، فالتمسّك بالرواية ينافي ما اشتهر بينهم من شرعيّة عبادة الصبيّ ، وما اشتهر بينهم من عدم اختصاص الأحكام الوضعيّة بالبالغين. فالعمدة في سلب عبارة الصبي هو الإجماع المحكي (١) ، المعتضد بالشهرة العظيمة ، وإلاّ فالمسألة محلّ إشكال ؛ ولذا تردّد المحقّق في الشرائع في إجارة المميّز بإذن الوليّ (٢) بعد ما جزم بالصحّة في العارية (٣) ،
__________________
(١) تقدّم حكايته عن الغنية والتذكرة في أوّل المسألة.
(٢) الشرائع ٢ : ١٨٠.
(٣) الشرائع ٢ : ١٧١.