درس مکاسب - بیع

جلسه ۸۹: بلوغ ۵

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

فإنّ الحرج ممنوع ، سواء أراد أنّ الحرج يلزم من منعهم عن المعاملة في المحقّرات والتزام مباشرة البالغين لشرائها ، أم أراد أنّه يلزم من التجنّب عن معاملتهم بعد بناء الناس على نصب الصبيان للبيع والشراء في الأشياء الحقيرة.

ثمّ لو (١) أراد استقلاله في البيع والشراء لنفسه بماله من دون إذن الوليّ ليكون حاصله أنّه غير محجورٍ عليه في الأشياء اليسيرة ، فالظاهر كونه مخالفاً للإجماع.

وأمّا ما ورد في رواية السكوني عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «قال : ونهى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن كسب الغلام الصغير الذي لا يحسن صناعةً بيده» ؛ معلّلاً بأنّه «إن لم يجد سرق» (٢) ، فمحمولٌ على عوض كسبه من التقاطٍ ، أو اجرةٍ عن (٣) إجارةٍ أوقعها الولي أو الصبي بغير إذن الولي ، أو عن عمل أمر به من دون إجارة فأعطاه المستأجر أو الآمر اجرة المثل ، فإنّ هذه كلّها ممّا يملكه الصبي ، لكن يستحبّ للولي وغيره اجتنابها إذا لم يعلم صدق دعوى الصبيّ فيها ؛ لاحتمال كونها من الوجوه المحرَّمة ، نظير رجحان الاجتناب عن أموال غيره ممّن لا يبالي بالمحرَّمات.

وكيف كان ، فالقول المذكور في غاية الضعف.

تصحيح المعاملة لو كان الصبي بمنزلة الآلة

نعم ، ربما صحّح سيّد مشايخنا في الرياض هذه المعاملات إذا‌

__________________

(١) في «ع» و «ص» : «إن» ، وفي نسخة بدلهما : لو.

(٢) الوسائل ١٢ : ١١٨ ، الباب ٣٣ من أبواب ما يكتسب به.

(٣) في «ف» بدل «عن» : أو.

كان الصبي بمنزلة الآلة لمن له أهليّة التصرّف ؛ من جهة استقرار السيرة واستمرارها على ذلك (١).

المناقشة في ذلك

وفيه إشكال ، من جهة قوّة احتمال كون السيرة ناشئة من (٢) عدم المبالاة في الدين ، كما في كثيرٍ من (٣) سيرهم الفاسدة.

ويؤيّد ذلك : ما يرى من استمرار سيرتهم على عدم الفرق بين المميّزين وغيرهم ، ولا بينهم وبين المجانين ، ولا بين معاملتهم لأنفسهم بالاستقلال بحيث لا يعلم الوليّ أصلاً ، ومعاملتهم لأوليائهم على سبيل الآلية ، مع أنّ هذه (٤) ممّا (٥) لا ينبغي الشكّ في فسادها (٦) ، خصوصاً الأخير.

مع أنّ الإحالة على ما جرت العادة به كالإحالة على المجهول ؛ فإنّ الذي جرت عليه السيرة هو الوكول إلى كلِّ صبيٍّ ما هو (٧) فطنٌ فيه ، بحيث لا يغلب في المساومة عليه ، فيَكِلون إلى من بلغ ستّ سنين (٨) شراءَ باقة بقلٍ ، أو بيعَ بيضة دجاجٍ بفَلْسٍ ، وإلى من بلغ‌

__________________

(١) الرياض ١ : ٥١١.

(٢) في غير «ف» : عن.

(٣) لم ترد «كثير من» في «ش».

(٤) في «م» ، «ع» ، «ص» و «ش» : هذا.

(٥) لم ترد «ممّا» في «ف».

(٦) في «ش» : فساده.

(٧) في «ن» ، «خ» ، «م» و «ص» : «ماهر» ، لكنّ صُحّح في «ن» بما أثبتناه في المتن.

(٨) كذا في «ش» ومصحّحة «ص» ، وفي سائر النسخ : من بلغ سنتين.

ثمانية (١) سنين اشتراء اللحم والخبز ونحوهما ، وإلى من بلغ أربع عشرة سنة شراء الثياب ، بل الحيوان ، بل يكلون إليه أُمور التجارة في الأسواق والبلدان ، ولا يفرّقون بينه وبين مَن أكمل خمس عشرة سنة ، ولا يكِلون إليه شراء مثل القرى والبساتين وبيعها إلاّ بعد أن يحصل له التجارب ، ولا أظنّ أنّ القائل بالصحّة يلتزم العمل بالسيرة على هذا التفصيل.

وكيف كان ، فالظاهر أنّ هذا القول أيضاً مخالف لما يظهر منهم.

وقد عرفت حكم العلاّمة في التذكرة بعدم جواز ردّ المال إلى الصبيّ إذا دفعه إلى الناقد لينقده ، أو المتاع الذي دفعه إلى المقوّم ليقوّمه (٢) ، مع كونه غالباً في هذه المقامات بمنزلة الآلة للوليّ ، وكذا حكمه بالمنع من ردّ مال الطفل إليه بإذن الوليّ ، مع أنّه بمنزلة الآلة في ذلك غالباً.

دعوى كاشف الغطاء إفادة معاملة الصبي الإباحة لو كان مأذونا والمناقشات فيه

وقال كاشف الغطاء رحمه‌الله بعد المنع عن (٣) صحّة عقد الصبي أصالة ووكالة ما لفظه : نعم ، ثبت الإباحة في معاملة المميّزين (٤) إذا جلسوا مقام أوليائهم ، أو تظاهروا على رؤوس الأشهاد حتّى يظنّ أنّ ذلك من إذن الأولياء خصوصاً في المحقّرات. ثمّ قال : ولو قيل بتملّك الآخذ منهم لدلالة مأذونيّته في جميع التصرّفات فيكون موجباً قابلاً ، لم يكن بعيداً (٥) ، انتهى.

__________________

(١) كذا في النسخ ، والمناسب : «ثماني» ، كما في مصحّحة «ص».

(٢) راجع الصفحة ٢٨٥.

(٣) في «ف» : من.

(٤) كذا في «ن» و «ش» والمصدر ، وفي سائر النسخ : المتميّزين.

(٥) كشف الغطاء : ٤٩ ٥٠.

المناقشة في ذلك

أقول (١) : أمّا التصرّف والمعاملة بإذن الأولياء سواء كان على وجه البيع أو المعاطاة (٢) فهو الذي قد عرفت (٣) أنّه خلاف المشهور والمعروف حتّى لو قلنا بعدم اشتراط شروط البيع في المعاطاة ؛ لأنّها تصرّف لا محالة وإن لم تكن بيعاً ، بل ولا معاوضة.

كلام المحقّق التستري في توضيح الدعوى

وإن أراد بذلك أنّ إذن الولي ورضاه المنكشف بمعاملة الصبيّ هو المفيد للإباحة ، لا نفس المعاملة كما ذكره بعضهم في إذن الولي في إعارة الصبي (٤) فتوضيحه ما ذكره بعض المحقّقين من تلامذته (٥) ، وهو : أنّه لمّا كان بناء المعاطاة على حصول المراضاة كيف اتّفق ، وكانت مفيدةً لإباحة التصرّف خاصّة كما هو المشهور وجرت عادة الناس بالتسامح في الأشياء اليسيرة والرضا باعتماد غيرهم في التصرّف فيها على الأمارات المفيدة للظنّ بالرضا في المعاوضات ، وكان الغالب في الأشياء التي يعتمد فيها على قول الصبيّ تعيين (٦) القيمة ، أو الاختلاف الذي يتسامح به في العادة ، فلأجل ذلك صحّ القول بالاعتماد على ما يصدر من الصبي من صورة البيع والشراء مع الشروط المذكورة ، كما يعتمد عليه في الإذن في دخول الدار وفي إيصال الهديّة إذا ظهرت أمارات‌

__________________

(١) لم ترد «أقول» في غير «ف».

(٢) لم ترد «سواء كان إلى أو المعاطاة» في «ف».

(٣) راجع أوّل المسألة.

(٤) انظر جامع المقاصد ٦ : ٦٥ ، والمسالك ٥ : ١٣٦.

(٥) هو المحقّق التستري قدس‌سره.

(٦) كذا في أكثر النسخ والمصدر ، وفي «ش» ومصحّحة «ن» : تعيّن.

الصدق ، بل ما ذكرنا أولى بالجواز من الهديّة من وجوه ، وقد استند فيه في التذكرة إلى تسامح السلف (١).

وبالجملة ، فالاعتماد في الحقيقة على الإذن المستفاد من حال المالك في الأخذ والإعطاء ، مع البناء على ما هو الغالب من كونه صحيح التصرّف ، لا على قول الصبي ومعاملته من حيث إنّه كذلك ، وكثيراً ما يعتمد الناس على الإذن المستفاد ، من غير وجود ذي يدٍ أصلاً ، مع شهادة الحال بذلك ، كما في دخول الحمّام ووضع الأُجرة و (٢) عوض الماء التالف في الصندوق ، وكما (٣) في أخذ الخُضَر الموضوعة للبيع ، وشرب ماء السقّائين ووضع القيمة المتعارفة في الموضع المعدّ لها (٤) ، وغير ذلك من الأُمور التي جرت العادة بها ، كما يعتمد على مثل ذلك في غير المعاوضات من أنواع التصرّفات.

فالتحقيق : أنّ هذا ليس مستثنى من كلام الأصحاب ولا منافياً له ، ولا يعتمد على ذلك أيضاً في مقام الدعوى ولا فيما إذا طالب المالك بحقّه وأظهر عدم الرضا (٥) ، انتهى.

حاصل ما أفاده التستري

وحاصله : أنّ مناط الإباحة ومدارها في المعاطاة ليس على وجود تعاطٍ قائمٍ بشخصين ، أو بشخصٍ منزَّلٍ منزلة شخصين ، بل على تحقّق‌

__________________

(١) التذكرة ١ : ٤٦٢ ، وتقدّم عنه في الصفحة ٢٨٦.

(٢) كلمة «و» من «ف» والمصدر.

(٣) في «ش» : وكذا.

(٤) كذا في «ف» و «ص» والمصدر ، وفي سائر النسخ : لهما.

(٥) مقابس الأنوار : ١١٣.

الرضا من كلٍّ منهما بتصرّف صاحبه في ماله ، حتّى لو فرضنا أنّه حصل مال كلٍّ منهما عند صاحبه باتّفاقٍ كإطارة الريح ونحوها فتراضيا على التصرّف بإخبار صبيٍّ أو بغيره من الأمارات كالكتابة ونحوها كان هذه (١) معاطاة أيضاً ؛ ولذا يكون (٢) وصول الهدية إلى المُهدى إليه على يد الطفل الكاشف إيصاله عن رضا المهديّ بالتصرف بل التملّك كافياً في إباحة الهديّة ، بل في تملّكها.

المناقشة فيما أفاده

وفيه (٣) : أنّ ذلك حسن ، إلاّ أنّه موقوف أوّلاً على ثبوت حكم المعاطاة من دون إنشاء إباحةٍ وتمليك ، والاكتفاء (٤) فيها بمجرّد الرضا.

ودعوى حصول الإنشاء بدفع الوليّ المال إلى الصبي ، مدفوعة : بأنّه إنشاء إباحةٍ لشخصٍ غير معلوم ، ومثله غير معلوم الدخول في حكم المعاطاة ، مع العلم بخروجه عن موضوعها.

وبه يفرق بين ما نحن فيه ومسألة إيصال الهديّة بيد الطفل ؛ فإنّه يمكن فيه دعوى كون دفعها (٥) إليه للإيصال إباحة أو تمليكاً (٦) ، كما ذكر أنّ إذن الوليّ للصبيّ في الإعارة إذن في انتفاع المستعير ، وأمّا دخول‌

__________________

(١) كذا في النسخ ، والمناسب : «هذا» ، كما في مصحّحة «ص».

(٢) في «ش» : كان.

(٣) في «ف» : ففيه.

(٤) كذا في «ش» ونسخة بدل «ن» ، وفي «ف» : «يكفي» ، وفي مصحّحة «ص» : «أن يكتفى» ، وفي سائر النسخ : يكتفى.

(٥) كذا في «ص» ، وفي غيرها : دفعه.

(٦) كذا في «ن» ، «ش» ومصحّحة «ص» ، وفي سائر النسخ : تملّكاً.