درس مکاسب - بیع

جلسه ۹۴: قصد مدلول ۴

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

وقس على ما ذكر حال ما يرد من هذا الباب ، ولا فرق على الأوسط في الأحكام المذكورة بين النيّة المخالفة والتسمية ، ويفرّق بينهما على الأخير ، ويبطل الجميع على الأوّل (١) ، انتهى كلامه رحمه‌الله (٢).

المناقشة فيما أفاده صاحب المقابس

أقول : مقتضى المعاوضة والمبادلة دخول كلٍّ من العوضين في ملك مالك الآخر ، وإلاّ لم يكن كلٌّ منهما عوضاً وبدلاً.

وعلى هذا ، فالقصد إلى العوض وتعيينه يغني عن تعيين المالك ، إلاّ أنّ ملكيّة العوض وترتّب آثار الملك عليه قد يتوقّف على تعيين المالك ؛ فإنّ من الأعواض ما يكون متشخّصاً بنفسه في الخارج كالأعيان. ومنها ما لا يتشخّص إلاّ بإضافته إلى مالك ك‍ «ما في الذمم» ؛ لأنّ (٣) ملكيّة الكلّي لا يكون (٤) إلاّ مضافاً إلى ذمّة ، وإجراء أحكام الملك على ما في ذمّة الواحد المردّد بين شخصين فصاعداً غير معهود.

فتعيين (٥) الشخص في الكلّي إنّما يحتاج إليه لتوقّف اعتبار ملكيّة ما في الذمم على تعيين (٦) صاحب الذمّة.

فصحّ على ما ذكرنا أنّ تعيين المالك مطلقاً غير معتبرٍ سواء في‌

__________________

(١) مقابس الأنوار : ١١٥ ١١٦.

(٢) الترحيم من «ف».

(٣) في «ف» ، «خ» ، «ع» و «ص» : ولأنّ.

(٤) كذا ، والمناسب : لا تكون.

(٥) كذا في «ف» ، «ن» و «ص» ، وفي سائر النسخ : فتعيّن.

(٦) في «ف» بدل «على تعيين» : على اعتبار.

العوض المعيّن أو في (١) الكلّي ، وأنّ اعتبار التعيين فيما ذكره من الأمثلة في الشقّ الأوّل من تفصيله (٢) إنّما هو لتصحيح ملكيّة العوض بتعيين من يضاف الملك إليه ، لا لتوقّف المعاملة على تعيين ذلك الشخص بعد فرض كونه مالكاً ، فإنّ من اشترى لغيره في الذمّة إذا لم يعيّن الغير لم يكن الثمن مِلكاً ؛ لأنّ ما في الذمّة ما لم يضف إلى شخصٍ معيّن لم يترتّب عليه أحكام المال : من جعله ثمناً أو مثمناً ، وكذا الوكيل أو الولي العاقد عن اثنين ؛ فإنّه إذا جعل العوضين في الذمّة بأن قال : «بعت عبداً بألف» ، ثمّ قال : «قبلت» فلا يصير العبد قابلاً للبيع ، ولا الألف قابلاً للاشتراء به حتّى يُسنِد كلاّ منهما إلى معيّن ، أو إلى نفسه من حيث إنّه نائب عن ذلك المعيّن ، فيقول : «بعت عبداً من مال فلان بألف من مال فلان» فيمتاز البائع عن المشتري.

عود إلى مناقشة صاحب المقابس

وأمّا ما ذكره من الوجوه الثلاثة (٣) فيما إذا كان العوضان معيّنين ، فالمقصود إذا كان هي المعاوضة الحقيقيّة التي قد عرفت أنّ من لوازمها العقليّة دخول العوض في ملك مالك المعوّض تحقيقاً لمفهوم العوضيّة والبدليّة ، فلا حاجة إلى تعيين من يُنقل عنهما وإليهما العوضان ، وإذا‌

__________________

(١) في «ف» : وفي.

(٢) يعني تفصيل صاحب المقابس ، والمراد من الشقّ الأوّل هو ما أفاده بقوله : «إن توقّف تعيّن المالك على التعيين» ، راجع الصفحة ٢٩٦.

(٣) إشارة إلى ما ذكره صاحب المقابس في الشقّ الثاني من تفصيله ، وهو قوله : «ففي وجوب التعيين أو الإطلاق المنصرف إليه ، أو عدمه مطلقاً ، أو التفصيل بين التصريح بالخلاف فيبطل ، وعدمه فيصحّ ..» ، راجع الصفحة ٢٩٨.

لم يقصد المعاوضة الحقيقية فالبيع غير منعقد ؛ فإن جعل العوض من عين مال غير المخاطب الذي ملّكه المعوّض (١) فقال : «ملّكتك فرسي هذا بحمار عمرو» ، فقال المخاطب : «قبلت» ، لم يقع البيع لخصوص المخاطب ؛ لعدم مفهوم المعاوضة معه ، وفي وقوعه اشتراءً فضوليّاً لعمرو كلامٌ يأتي.

وأمّا ما ذكره من مثال «مَن باع مال نفسه عن غيره» (٢) فلا إشكال في عدم وقوعه عن غيره ، والظاهر وقوعه عن البائع ولغوية قصده عن الغير ؛ لأنّه أمر غير معقول لا يتحقّق القصد إليه حقيقة ، وهو معنى لغويّته ؛ ولذا لو باع مال غيره عن نفسه وقع للغير مع إجازته كما سيجي‌ء ولا يقع عن نفسه أبداً.

نعم ، لو ملكه فأجاز ، قيل بوقوعه له (٣) ، لكن لا من حيث إيقاعه أوّلاً لنفسه ؛ فإنّ القائل به لا يفرّق حينئذٍ بين بيعه عن نفسه أو عن مالكه ، فقصد وقوعه عن نفسه لغو دائماً ووجوده كعدمه.

إلاّ أن يقال : إنّ وقوع بيع مال نفسه لغيره (٤) إنّما لا يعقل إذا فرض قصده للمعاوضة الحقيقية ، لِمَ لا يجعل هذا قرينة على عدم إرادته‌

__________________

(١) في «ف» و «خ» : العوض.

(٢) راجع الصفحة ٢٩٨.

(٣) الظاهر أنّ القائل به كثير ، منهم : المحقّق القمّي في الغنائم : ٥٥٤ ناسباً إلى الأكثر ، ومنهم : كاشف الغطاء في شرحه على القواعد ، حيث قال في ذيل كلام العلاّمة : «وكذا لو باع مال غيره ثمّ ملكه» : «والأقوى عدم الاشتراط» ، راجع شرح القواعد (مخطوط) : الورقة ٦١.

(٤) في «ف» : بيع مال الغير لغيره.

من البيع المبادلة الحقيقية ، أو على تنزيل الغير منزلة نفسه في مالكيّة المبيع كما سيأتي أنّ المعاوضة الحقيقيّة (١) في بيع (٢) الغاصب لنفسه لا يتصوّر إلاّ على هذا الوجه؟ وحينئذٍ فيحكم ببطلان المعاملة ؛ لعدم قصد المعاوضة الحقيقيّة مع المالك الحقيقي.

ومن هنا ذكر العلاّمة (٣) وغيره (٤) في عكس المثال المذكور : أنّه لو قال المالك للمرتهن : «بعه لنفسك» بطل ، وكذا لو دفع مالاً إلى من يطلبه الطعام وقال : اشترِ به لنفسك طعاماً.

هذا ، ولكنّ الأقوى صحّة المعاملة المذكورة ولغوية القصد المذكور ؛ لأنّه راجعٌ إلى إرادة إرجاع فائدة البيع إلى الغير ، لا جعله أحد ركنَي المعاوضة.

وأمّا حكمهم ببطلان البيع في مثال الرهن واشتراء الطعام ، فمرادهم عدم وقوعه للمخاطب ، لا أنّ المخاطب إذا قال : «بعته لنفسي» ، أو «اشتريته لنفسي» لم يقع لمالكه إذا أجازه.

وبالجملة ، فحكمهم بصحّة بيع الفضولي وشرائه لنفسه ، ووقوعه للمالك ، يدلّ على عدم تأثير قصد وقوع البيع لغير المالك.

ثمّ إنّ ما ذكرنا كلّه حكم وجوب تعيين كلٍّ من البائع والمشتري من يبيع له ويشتري له.

__________________

(١) لم ترد «أو على تنزيل الغير إلى المعاوضة الحقيقية» في «ف».

(٢) في «ف» : فبيع.

(٣) القواعد ١ : ١٥١ و ١٦٦.

(٤) مثل الشهيد في الدروس ٣ : ٢١١ و ٤٠٩.