درس مکاسب - بیع

جلسه ۱۲۵: بیع فضولی ۱۰

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

«تجارة» ، وتكون (١) «عن تراضٍ».

ومن المعلوم : أنّ السبب الموجب لحِلِّ الأكل في الفضولي إنّما نشأ عن التراضي ، مع أنّ الخطاب لمُلاّك الأموال ، والتجارة في الفضولي إنّما تصير (٢) تجارة المالك بعد الإجازة ، فتجارته عن تراضٍ.

وقد حكي عن المجمع : أنّ مذهب الإماميّة والشافعيّة وغيرهم أنّ معنى التراضي بالتجارة إمضاء البيع بالتفرّق (٣) أو التخاير بعد العقد (٤). ولعلّه يناسب ما ذكرنا من كون الظرف خبراً بعد خبر.

الاستدلال بالروايات على البطلان

وأمّا السنّة ، فهي أخبار :

منها : النبوي المستفيض ، وهو قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لحكيم بن حزام : «لا تبع ما ليس عندك» (٥) فإنّ عدم حضوره عنده كناية عن عدم تسلّطه على تسليمه ؛ لعدم تملّكه ، فيكون مساوقاً للنبويّ الآخر : «لا بيع إلاّ في ما يملك» بعد قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا طلاق إلاّ في ما يملك ، ولا عتق إلاّ في ما يملك» (٦) ، ولِما ورد في توقيع العسكري صلوات الله عليه إلى الصفّار : «لا يجوز بيع ما ليس يملك» (٧).

__________________

(١) في غير «ف» : يكون.

(٢) في غير «ص» : يصير.

(٣) كذا في «ف» والمصدر ، وفي سائر النسخ : بالتصرّف.

(٤) مجمع البيان ٢ : ٣٧.

(٥) راجع سنن البيهقي ٥ : ٢٦٧ ، ٣١٧ و ٣٣٩.

(٦) كنز العمال ٩ : ٦٤١ ، الحديث ٢٧٧٧٩ ، وراجع المستدرك ١٣ : ٢٣٠ ، الباب الأوّل من أبواب عقد البيع وشروطه ، الحديث ٣ و ٤.

(٧) الوسائل ١٢ : ٢٥٢ ، الباب ٢ من أبواب عقد البيع وشروطه.

وما عن الحميري أنّ مولانا عجّل الله فرجه كتب في جواب بعض مسائله : «أنّ الضيعة لا يجوز ابتياعها إلاّ عن مالكها أو بأمره أو رضاً منه» (١).

وما في الصحيح عن محمّد بن مسلم الوارد في أرضٍ بفم النيل (٢) اشتراها رجل ، وأهل الأرض يقولون : هي أرضنا (٣) ، وأهل [الأسياف] (٤) يقولون : هي من أرضنا. فقال : «لا تشترها إلاّ برضا أهلها» (٥).

وما في الصحيح عن محمّد بن القاسم بن الفضل (٦) في رجل اشترى من امرأة من آل فلان بعض قطائعهم ، فكتب عليها (٧) كتاباً‌

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٢٥١ ، الباب الأوّل من أبواب عقد البيع وشروطه ، الحديث ٨.

(٢) النيل» بليدة في سواد الكوفة يخترقها خليج كبير يتخلّج من الفرات الكبير ، حفره الحجّاج بن يوسف وسمّاه بنيل مصر ، معجم البلدان ٥ : ٣٣٤ «نيل».

(٣) في مصحّحة «ن» والمصدر : أرضهم.

(٤) في النسخ : «الأسناف» ، وفي الكافي والتهذيب ومصحّحة بعض النسخ : «الأستان» ، وما أثبتناه مطابق لما نقله الشهيد عن بعض النسخ المصحّحة في شرحه (هداية الطالب : ٢٧٤) ، ولعلّ ما نقله الشهيدي أقرب إلى الصواب ؛ لأنّ الأسياف كما في القاموس جمع سِيف بالكسر وهو ساحل البحر وساحل الوادي ، أو كلّ ساحل ، فأصحاب السيف هم أصحاب ساحل النيل الذي تقدّم تفسيره ويؤيّده قول السائل : «أرض بفم النيل» أي فم الخليج.

(٥) الوسائل ١٢ : ٢٤٩ ، الباب الأوّل من أبواب عقد البيع وشروطه ، الحديث ٣ بتفاوت يسير.

(٦) في مصحّحة «ص» والمصادر الحديثية : الفضيل.

(٧) كذا في «ف» و «ن» والمصدر ، وفي سائر النسخ : «إليها» ، إلاّ أنّه صحّح في بعضها بما أثبتناه.

أنّها (١) قد قبضت المال ولم تقبضه (٢) ، فيعطيها المال أم يمنعها؟ قال : قل له (٣) : يمنعها أشدّ المنع ، فإنّها باعت ما لم تملكه» (٤).

المناقشة في الاستدلال بالروايات

والجواب عن النبوي :

أوّلاً : أنّ الظاهر من الموصول هي العين الشخصيّة ؛ للإجماع والنصّ على جواز بيع الكليّ (٥) ، ومن البيع البيع لنفسه ، لا عن مالك العين ، وحينئذٍ فإمّا أن يراد بالبيع مجرّد الإنشاء ، فيكون دليلاً على عدم جواز بيع الفضولي لنفسه ، فلا يقع له ولا للمالك بعد إجازته. وإمّا أن يراد ما عن التذكرة من أن يبيع عن نفسه ثمّ يمضي ليشتريه من مالكه ، قال : لأنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذكره جواباً لحكيم بن حزام ، حيث سأله عن أن يبيع الشي‌ء فيمضي ويشتريه ويسلّمه ، فإنّ هذا البيع غير جائز ، ولا نعلم فيه خلافاً ؛ للنهي المذكور وللغرر ؛ لأنّ صاحبها قد لا يبيعها (٦) ، انتهى.

وهذا المعنى يرجع إلى المراد من روايتي خالد ويحيى الآتيتين في بيع الفضولي لنفسه (٧) ، ويكون بطلان البيع بمعنى عدم وقوع البيع للبائع بمجرّد انتقاله إليه بالشراء ، فلا ينافي أهليّته لتعقّب الإجازة من المالك.

__________________

(١) لم ترد «أنّها» في غير «ف» ، لكنّها استدركت في «م» و «ص» بلفظ : «بأنّها» ، وفي «ن» كما أثبتناه.

(٢) في «ف» : قد قضت المال ولم تقضه.

(٣) كلمة «له» من «ن» ، «م» و «ص» والمصدر.

(٤) الوسائل ١٢ : ٢٤٩ ، الباب الأوّل من أبواب عقد البيع وشروطه ، الحديث ٢.

(٥) انظر الوسائل ١٣ : ٦٠ ، الباب ٥ من أبواب السلف.

(٦) التذكرة ١ : ٤٦٣ ، وحكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ١٨٦.

(٧) تأتيان في الصفحة ٤٤٧.

وبعبارة اخرى : نهي المخاطب عن البيع دليل على عدم وقوعه مؤثّراً في حقّه ، فلا يدلّ على الغاية بالنسبة إلى المالك حتّى لا تنفعه إجازة (١) المالك في وقوعه له ، وهذا المعنى أظهر من الأوّل ونحن نقول به ، كما سيجي‌ء (٢).

وثانياً : سلّمنا دلالة النبوي على المنع ، لكنّها بالعموم ، فيجب تخصيصه بما تقدّم (٣) من الأدلّة الدالّة على تصحيح بيع ما ليس عند العاقد لمالكه إذا أجاز.

وبما ذكرناه من الجوابين يظهر الجواب عن دلالة قوله : «لا بيع إلاّ في ملك» ؛ فإنّ الظاهر منه كون المنفي هو البيع لنفسه ، وأنّ النفي راجع إلى نفي الصحّة في حقّه لا في حقّ المالك ، مع أنّ العموم لو سلّم وجب تخصيصه بما دلّ على وقوع البيع للمالك إذا أجاز.

وأمّا الروايتان (٤) ، فدلالتهما على ما حملنا عليه السابقين (٥) أوضح ،

__________________

(١) كذا في «ف» و «ن» ، وفي غيرهما : بإجازة.

(٢) سيجي‌ء في الصفحة ٤٤٧ و ٤٥٢.

(٣) راجع الصفحة ٣٥٠ وما بعدها.

(٤) قال المامقاني قدس‌سره : الروايتان عبارة عن توقيع العسكري عليه‌السلام إلى الصفّار ، وما عن الحميري. (غاية الآمال : ٣٦٤) واستظهر السيّد اليزدي قدس‌سره أنّ المراد بهما روايتا خالد ويحيى الآتيتان في بيع الفضولي لنفسه ، ثمّ قال : وأمّا دعوى أنّ المراد بهما التوقيعان ، فهي كما ترى. (حاشية المكاسب : ١٤٠) وقال الشهيدي قدس‌سره أيضاً : يعني بهما روايتي خالد ويحيى الآتيتين. (هداية الطالب : ٢٧٥).

(٥) المراد بهما : النبويّان السابقان ، كما قاله المامقاني قدس‌سره في غاية الآمال : ٣٦٤.