درس مکاسب - بیع

جلسه ۲۰۴: بیع فضولی ۸۷

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

ومنها : التعليل بكونهم «حجّتي عليكم وأنا حجّة الله» ؛ فإنّه إنّما يناسب الأُمور التي يكون المرجع فيها هو الرأي والنظر ، فكان هذا منصب ولاة الإمام عليه‌السلام من قِبَل نفسه ، لا أنّه واجب من قِبَل الله سبحانه على الفقيه بعد غيبة الإمام عليه‌السلام ، وإلاّ كان المناسب أن يقول : «إنّهم حُجج الله عليكم» كما وصفهم في مقام آخر ب «أنّهم أُمناء الله على الحلال والحرام» (١).

ومنها : أنّ وجوب الرجوع في المسائل الشرعية إلى العلماء الذي هو من بديهيّات الإسلام من السلف إلى الخلف ممّا لم يكن يخفى على مثل إسحاق بن يعقوب ، حتّى يكتبه في عداد مسائل أشكلت عليه ، بخلاف وجوب الرجوع في المصالح العامّة إلى رأي أحدٍ ونظره ؛ فإنّه يحتمل أن يكون الإمام عليه‌السلام قد وكّله في غيبته إلى شخص أو أشخاص من ثقاته في ذلك الزمان.

والحاصل : أنّ الظاهر أنّ لفظ «الحوادث» ليس مختصّاً بما اشتبه حكمه ولا بالمنازعات.

النسبة بين التوقيع وعمومات الاذن في المعروف لكلّ أحد

ثمّ إنّ النسبة بين مثل هذا التوقيع وبين العمومات الظاهرة في إذن الشارع في كلّ معروف لكلّ أحد ، مثل قوله عليه‌السلام : «كلّ معروف صدقة» (٢) ، وقوله عليه‌السلام : «عون الضعيف من أفضل الصدقة» (٣) وأمثال‌

__________________

(١) راجع الصفحة ٥٥١.

(٢) الوسائل ١١ : ٥٢١ ، الباب الأوّل من أبواب فعل المعروف ، الحديث ٥.

(٣) الوسائل ١١ : ١٠٨ ، الباب ٥٩ من أبواب جهاد العدوّ ، الحديث ٢ ، وفيه : عونك.

ذلك وإن كانت عموماً من وجه ، إلاّ أنّ الظاهر حكومة هذا التوقيع عليها وكونها بمنزلة المفسّر الدالّ على وجوب الرجوع إلى الإمام عليه‌السلام أو نائبه في الأُمور العامّة التي يفهم عرفاً دخولها تحت «الحوادث الواقعة» ، وتحت عنوان «الأمر» في قوله ﴿أُولِي الْأَمْرِ﴾ (١).

وعلى تسليم التنزّل عن ذلك ، فالمرجع بعد تعارض العمومين إلى أصالة عدم مشروعيّة ذلك المعروف مع عدم وقوعه عن رأي وليّ الأمر (٢). هذا ، لكن المسألة لا تخلو عن إشكال ، وإن كان الحكم به مشهورياً.

محدودية مدلول الأدلّة

وعلى أيّ تقدير ، فقد ظهر ممّا ذكرنا : أنّ ما دلّ عليه هذه الأدلّة هو ثبوت الولاية للفقيه في الأُمور التي يكون مشروعيّة إيجادها في الخارج مفروغاً عنها ، بحيث لو فرض عدم الفقيه كان على الناس القيام بها كفاية. وأمّا ما يُشكّ في مشروعيّته كالحدود لغير الإمام ، وتزويج الصغيرة لغير الأب والجدّ ، وولاية المعاملة على مال الغائب بالعقد عليه وفسخ العقد الخياري عنه ، وغير ذلك ، فلا يثبت من تلك الأدلّة مشروعيّتها للفقيه ، بل لا بدّ للفقيه من استنباط مشروعيّتها من دليلٍ آخر.

نعم ، الولاية على هذه وغيرها ثابتة للإمام عليه‌السلام بالأدلّة المتقدّمة المختصّة به ، مثل آية ﴿أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٣).

__________________

(١) الوارد في قوله تعالى ﴿أَطِيعُوا اللهَ﴾ ، وتقدّم في الصفحة ٥٤٧.

(٢) في «ف» : اولي الأمر.

(٣) الأحزاب : ٦.

وقد تقدّم (١) : أنّ إثبات عموم نيابة الفقيه (٢) عنه عليه‌السلام في هذا النحو من الولاية على الناس ليقتصر في الخروج عنه على ما خرج بالدليل دونه خرط القتاد.

الحاصل : إنّ هنا مقامين

وبالجملة ، فها هنا مقامان :

أحدهما : وجوب إيكال المعروف المأذون فيه إليه ؛ ليقع خصوصياته عن نظره ورائه ، كتجهيز الميّت الذي لا وليّ له ، فإنّه يجب أن يقع خصوصياته من تعيين الغاسل والمغسل وتعيين شي‌ء من تركته للكفن وتعيين المدفن عن رأي الفقيه.

الثاني : مشروعيّة تصرّفٍ خاصٍّ في نفس أو مال أو عرض.

والثابت بالتوقيع وشبهه هو الأوّل دون الثاني ، وإن كان الإفتاء في المقام الثاني بالمشروعيّة وعدمها أيضاً من وظيفته ، إلاّ أنّ المقصود عدم دلالة الأدلّة السابقة على المشروعيّة.

نعم ، لو ثبتت أدلّة النيابة عموماً تمّ ما ذكر.

التمسّك برواية «السلطان وليّ من لا وليّ له» ، ومناقشتها

ثمّ إنّه قد اشتهر في الألسن وتداول في بعض الكتب (٣) رواية (٤) أنّ «السلطان وليّ من لا وليّ له» وهذا أيضاً بعد الانجبار سنداً أو‌

__________________

(١) تقدّم في الصفحة ٥٥٣.

(٢) في غير «ش» : «نيابته للفقيه» ، وصحّحت في «ن» بما أثبتناه.

(٣) كما في المسالك ٧ : ١٤٧ ، وعوائد الأيام : ٥٦٣ ، ذيل العائدة : ٥٤ ، والجواهر ٢٩ : ١٨٨ ، وراجع الحديث في كنز العمّال ١٦ : ٣٠٩ ، الحديث ٤٤٦٤٣ و ٤٤٦٤٤.

(٤) لم ترد «رواية» في «ف».

مضموناً (١) يحتاج إلى أدلّة عموم النيابة ، وقد عرفت ما يصلح أن يكون دليلاً عليه (٢) ، وأنّه لا يخلو عن وهن في دلالته ، مع قطع النظر عن السند ، كما اعترف به جمال المحقّقين في باب الخمس بعد الاعتراف بأنّ المعروف بين الأصحاب كون الفقهاء نوّاب الإمام عليه‌السلام (٣) ، ويظهر من المحقّق الثاني أيضاً في رسالته الموسومة ب «قاطع اللجاج» (٤) في مسألة جواز أخذ الفقيه اجرة أراضي الأنفال من المخالفين كما يكون ذلك للإمام عليه‌السلام إذا ظهر الشكّ (٥) في عموم النيابة (٦) ، وهو في محلّه.

المقصود من «من ولا وليّ له»

ثمّ إنّ قوله (٧) : «من ولا وليّ له» في المرسلة المذكورة ليس مطلق من لا وليّ له ، بل المراد عدم الملكة ، يعني : أنّه وليّ مَن مِن شأنه أن يكون له وليّ بحسب شخصه أو صنفه أو نوعه أو جنسه ، فيشمل الصغير الذي مات أبوه ، والمجنون بعد البلوغ ، والغائب ، والممتنع ، والمريض ، والمغمى عليه ، والميّت الذي لا وليّ له ، وقاطبة المسلمين إذا كان لهم مِلك ، كالمفتوح عنوة ، والموقوف عليهم في الأوقاف العامّة ، ونحو ذلك.

__________________

(١) قال الشهيد قدس‌سره : منشأ الترديد هو الشكّ في أنّ المتداول في الألسنة متن الرواية ونقلت باللفظ ، أو مضمونها ونقلت بالمعنى (هداية الطالب : ٣٣٢).

(٢) راجع الصفحة ٥٥١ ٥٥٣.

(٣) حاشية الروضة : ٣٢٠ ، ذيل عبارة : أو إلى نوّابه وهم الفقهاء.

(٤) كذا في النسخ ، والمعروف تسميتها ب «قاطعة اللجاج».

(٥) كذا في «ف» ، «خ» و «ص» ، وفي سائر النسخ : للشكّ.

(٦) قاطعة اللجاج في تحقيق حلّ الخراج (رسائل المحقّق الكركي) ١ : ٢٥٧.

(٧) في «ف» زيادة : عليه‌السلام.