درس مکاسب - بیع

جلسه ۱۱: معاطات ۵

 

قصد ، وهو باطل. وعليه يتفرّع النماء ، وجواز وطء الجارية ، ومن منع فقد أغرب (١) ، انتهى.

والذي يقوى في النفس : إبقاء ظواهر كلماتهم على حالها ، وأنّهم يحكمون بالإباحة المجرّدة عن الملك في المعاطاة مع فرض قصد المتعاطيين التمليك ، وأنّ الإباحة لم تحصل بإنشائها ابتداءً ، بل إنّما حصلت كما اعترف به في المسالك (٢) من استلزام إعطاء كلٍّ منهما سلعته مسلّطاً عليها الإذن في التصرّف فيه بوجوه التصرّفات ، فلا يرد عليهم عدا ما ذكره المحقّق المتقدّم في عبارته المتقدّمة ، وحاصله :

حاصل ما أورده المحقّق الثاني على المشهور

أنّ المقصود هو الملك ، فإذا لم يحصل فلا منشأ لإباحة التصرّف ؛ إذ الإباحة إن كانت من المالك فالمفروض أنّه لم يصدر منه إلاّ التمليك ، وإن كانت من الشارع فليس عليها دليل ، ولم يشعر كلامهم بالاستناد إلى نصٍّ في ذلك ، مع أنّ إلغاء الشارع للأثر المقصود وترتيب غيره بعيدٌ جدّاً ، مع أنّ التأمّل في كلامهم يعطي إرادة الإباحة المالكيّة لا الشرعية.

ويؤيّد إرادة الملك : أنّ ظاهر إطلاقهم «إباحة التصرّف» شمولها للتصرّفات التي لا تصحّ إلاّ من المالك ، كالوطء والعتق والبيع لنفسه. والتزامهم حصول الملك مقارناً لهذه التصرّفات كما إذا وقعت هذه التصرّفات من ذي الخيار ، أو من (٣) الواهب الذي يجوز له الرجوع بعيد.

__________________

(١) حاشية الإرشاد (مخطوط) : ٢١٦.

(٢) المسالك ٣ : ١٤٨.

(٣) في «ف» : ومن.

وسيجي‌ء (١) ما ذكره بعض الأساطين : من أنّ هذا القول مستلزم لتأسيس قواعد جديدة.

الجواب عمّا أورده المحقّق الثاني على المشهور

لكنّ الإنصاف : أنّ القول بالتزامهم لهذه الأُمور (٢) أهون من توجيه كلماتهم ؛ فإنّ هذه الأُمور لا استبعاد في التزامها إذا اقتضى الأصل عدم الملكيّة ، ولم يساعد عليها دليل معتبر ، واقتضى الدليل صحّة التصرّفات المذكورة ؛ مع أنّ المحكيّ (٣) عن حواشي الشهيد على القواعد (٤) : المنع عمّا يتوقّف على الملك ، كإخراجه في خمسٍ ، أو زكاةٍ (٥) ، وكوطء الجارية (٦).

وممّا يشهد على نفي البُعد عمّا ذكرنا من إرادتهم الإباحة المجرّدة مع قصد المتعاطيين التمليك ـ : أنّه قد صرّح الشيخ في المبسوط (٧) ، والحلي في السرائر (٨) ، كظاهر العلاّمة في القواعد (٩) بعدم حصول الملك‌

__________________

(١) يجي‌ء في الصفحة ٤٤.

(٢) في «ف» : لهذه الوجوه.

(٣) حكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ١٥٨.

(٤) لم ترد «على القواعد» في «ف».

(٥) في «ف» : وزكاة.

(٦) في غير «ف» و «ش» زيادة ما يلي : «وصرّح الشيخ في المبسوط : بأنّ الجارية لا تملك بالهدية العارية عن الإيجاب والقبول ، ولا يحلّ وطؤها» ، لكن شطب عليها في «ن» ، وقال المامقاني رحمه‌الله : وهذه العبارة بتمامها قد خطّ أي شطب عليها المصنّف قدس‌سره في نسخته. انظر غاية الآمال : ١٧٨.

(٧) المبسوط ٣ : ٣١٥.

(٨) السرائر ٣ : ١٧٧.

(٩) القواعد ١ : ٢٧٤.

بإهداء الهديّة بدون الإيجاب والقبول ولو من الرسول ، نعم يفيد ذلك إباحة التصرّف ، لكنّ الشيخ استثنى وطء الجارية.

هل المعاطاة على القول بالإباحة بيع حقيقة؟

ثمّ إنّ المعروف بين المتأخّرين : أنّ من قال بالإباحة المجرّدة في المعاطاة ، قال بأنّها ليست بيعاً حقيقة كما هو ظاهر بعض العبائر المتقدّمة (١) ومعقد إجماع الغنية (٢) ، وما أبعد ما بينه وبين توجيه المحقّق الثاني من إرادة نفي اللزوم (٣)! وكلاهما خلاف الظاهر.

ويدفع الثاني (٤) : تصريحُ بعضهم (٥) بأنّ شرط لزوم البيع منحصر في مسقطات الخيار ، فكلّ بيعٍ عنده لازم من غير جهة الخيارات ، وتصريحُ غير واحدٍ (٦) بأنّ الإيجاب والقبول من شرائط صحّة انعقاد البيع بالصيغة (٧).

وأمّا الأوّل (٨) ، فإن قلنا بأنّ البيع عند المتشرّعة حقيقةٌ في الصحيح‌

__________________

(١) تقدّم في الصفحة ٢٦ عبارة الشيخ قدس‌سره في الخلاف : «فإنّه لا يكون بيعاً» ، وفي الصفحة ٢٨ عبارة الحلّي في السرائر : «فإنّه لا يكون بيعاً ولا عقداً».

(٢) تقدّم في الصفحة ٢٩.

(٣) تقدّم كلامه في الصفحة ٣٢.

(٤) أي توجيه المحقّق الثاني.

(٥) لم نقف على مصرّح بذلك ، نعم قال العلاّمة قدس‌سره في القواعد (١ : ١٤١ ١٤٢) : الأصل في البيع اللزوم ، وإنّما يخرج عن أصله بأمرين : ثبوت خيار ، وظهور عيب.

(٦) كالحلبي في الكافي : ٣٥٣ ، وابن زهرة في الغنية : ٢١٤ ، وتقدّم كلامهما في الصفحة ٢٩ و ٣٠ ، فراجع.

(٧) قال الشهيدي في شرحه بعد ذكر توجيهٍ للعبارة : فالظاهر بل المتعيّن أنّ كلمة «بالصيغة» من غلط النسخة. (هداية الطالب : ١٦٠).

(٨) أي ما هو المعروف بين المتأخّرين من أنّ المعاطاة ليست بيعاً حقيقة.

ولو بناءً على ما قدّمناه في آخر تعريف البيع (١) : من أنّ البيع في العرف اسمٌ للمؤثّر منه في النقل ، فإن كان في نظر الشارع أو المتشرّعة ، من حيث إنّهم متشرّعة ومتديّنون بالشرع ، صحيحاً مؤثّراً في الانتقال كان بيعاً حقيقيّا ، وإلاّ كان (٢) صوريّاً ، نظير بيع الهازل في نظر العرف فيصحّ على ذلك نفي البيعيّة على وجه الحقيقة في كلام كلّ من اعتبر في صحّته الصيغة ، أو فسّره بالعقد ؛ لأنّهم في مقام تعريف البيع بصدد بيان ما هو المؤثّر في النقل في نظر الشارع.

الأقوال في المعاطاة

إذا عرفت ما ذكرنا ، فالأقوال في المعاطاة على ما يساعده ظواهر كلماتهم ستّة :

اللزوم مطلقاً ، كما عن ظاهر (٣) المفيد (٤) ، ويكفي في وجود القائل به قول العلاّمة رحمه‌الله في التذكرة : الأشهر عندنا أنّه لا بدّ من الصيغة (٥).

واللزوم بشرط كون الدالّ على التراضي أو المعاملة لفظاً ، حكي عن بعض معاصري الشهيد الثاني (٦) ، وبعض متأخري المحدّثين (٧) ، لكن‌

__________________

(١) تقدّم في الصفحة ٢٠.

(٢) في «ف» زيادة : بيعاً.

(٣) كذا في «ف» و «ن» ، وفي «م» و «ص» : «كما هو ظاهر المفيد» ، وفي «خ» ومصحّحة «ع» : «كما هو عن ظاهر المفيد» ، وفي «ش» : «كما هو ظاهر عن المفيد».

(٤) راجع الصفحة ٢٤ ، الهامش ٦.

(٥) التذكرة ١ : ٤٦٢.

(٦) هو السيّد حسن بن السيّد جعفر ، على ما في مفتاح الكرامة ٤ : ١٥٦ ، وقد حكاه الشهيد الثاني عنه بلفظ : وقد كان بعض مشايخنا المعاصرين يذهب إلى ذلك ، المسالك ٣ : ١٤٧.

(٧) وهو المحدّث البحراني في الحدائق ١٨ : ٣٥٥.