درس مکاسب - بیع

جلسه ۱۲: معاطات ۶

 

ولو بناءً على ما قدّمناه في آخر تعريف البيع (١) : من أنّ البيع في العرف اسمٌ للمؤثّر منه في النقل ، فإن كان في نظر الشارع أو المتشرّعة ، من حيث إنّهم متشرّعة ومتديّنون بالشرع ، صحيحاً مؤثّراً في الانتقال كان بيعاً حقيقيّا ، وإلاّ كان (٢) صوريّاً ، نظير بيع الهازل في نظر العرف فيصحّ على ذلك نفي البيعيّة على وجه الحقيقة في كلام كلّ من اعتبر في صحّته الصيغة ، أو فسّره بالعقد ؛ لأنّهم في مقام تعريف البيع بصدد بيان ما هو المؤثّر في النقل في نظر الشارع.

الأقوال في المعاطاة

إذا عرفت ما ذكرنا ، فالأقوال في المعاطاة على ما يساعده ظواهر كلماتهم ستّة :

اللزوم مطلقاً ، كما عن ظاهر (٣) المفيد (٤) ، ويكفي في وجود القائل به قول العلاّمة رحمه‌الله في التذكرة : الأشهر عندنا أنّه لا بدّ من الصيغة (٥).

واللزوم بشرط كون الدالّ على التراضي أو المعاملة لفظاً ، حكي عن بعض معاصري الشهيد الثاني (٦) ، وبعض متأخري المحدّثين (٧) ، لكن‌

__________________

(١) تقدّم في الصفحة ٢٠.

(٢) في «ف» زيادة : بيعاً.

(٣) كذا في «ف» و «ن» ، وفي «م» و «ص» : «كما هو ظاهر المفيد» ، وفي «خ» ومصحّحة «ع» : «كما هو عن ظاهر المفيد» ، وفي «ش» : «كما هو ظاهر عن المفيد».

(٤) راجع الصفحة ٢٤ ، الهامش ٦.

(٥) التذكرة ١ : ٤٦٢.

(٦) هو السيّد حسن بن السيّد جعفر ، على ما في مفتاح الكرامة ٤ : ١٥٦ ، وقد حكاه الشهيد الثاني عنه بلفظ : وقد كان بعض مشايخنا المعاصرين يذهب إلى ذلك ، المسالك ٣ : ١٤٧.

(٧) وهو المحدّث البحراني في الحدائق ١٨ : ٣٥٥.

في عدّ هذا من الأقوال في المعاطاة تأمّل (١).

والملك الغير اللازم ، ذهب إليه المحقّق الثاني ، ونسبه إلى كلّ من قال بالإباحة (٢). وفي النسبة ما عرفت (٣).

وعدم الملك مع إباحة جميع التصرّفات حتى المتوقّفة على الملك ، كما هو ظاهر عبائر كثير (٤) ، بل ذكر في المسالك : أنّ كلّ من قال بالإباحة يسوّغ جميع التصرّفات (٥).

وإباحة ما لا يتوقّف على الملك ، وهو الظاهر من الكلام المتقدّم عن حواشي الشهيد على القواعد (٦) ، وهو المناسب لما حكيناه عن الشيخ في إهداء الجارية من دون إيجاب وقبول (٧).

والقول بعدم إباحة التصرّف مطلقاً ، نسب إلى ظاهر النهاية (٨) ، لكن ثبت رجوعه عنه في غيرها (٩).

رأي المشهور

والمشهور بين علمائنا : عدم ثبوت الملك بالمعاطاة‌ وإن قصد‌

__________________

(١) كتب في «ش» على قوله : «لكن إلى تأمّل» : هذه حاشية منه قدس‌سره.

(٢) جامع المقاصد ٤ : ٥٨.

(٣) راجع الصفحة ٢٥ ٢٦ و ٣٤.

(٤) تقدّمت عباراتهم في الصفحة ٢٦ ٣١.

(٥) المسالك ٣ : ١٤٩ ، ولفظه : لأنّ من أجاز المعاطاة سوّغ أنواع التصرّفات.

(٦) تقدّم في الصفحة ٣٥.

(٧) راجع الصفحة ٣٥ ٣٦.

(٨) نهاية الإحكام ٢ : ٤٤٩ ، حيث قرّب فيها كون حكم المعاطاة حكم المقبوض بالعقود الفاسدة.

(٩) كما سيأتي عن التحرير.

المتعاطيان بها التمليك (١) ، بل لم نجد قائلاً به إلى زمان المحقّق الثاني الذي قال به ، ولم يقتصر على ذلك حتى نسبه إلى الأصحاب (٢).

نعم ، ربما يوهمه ظاهر عبارة التحرير ، حيث قال فيه : الأقوى أنّ المعاطاة غير لازمة ، بل لكلٍّ منهما فسخ المعاوضة ما دامت العين باقية ، فإن تلفت لزمت ، انتهى. ولذا نسب ذلك إليه في المسالك (٣) ، لكنّ قوله بعد ذلك : «ولا يحرم على كلٍّ منهما الانتفاع بما قبضه ، بخلاف البيع الفاسد» (٤) ظاهر في أنّ مراده مجرّد الانتفاع ؛ إذ لا معنى لهذه العبارة بعد الحكم بالملك.

رأي العامّة في المعاطاة

وأمّا قوله : «والأقوى .. إلخ» ، فهو إشارة إلى خلاف المفيد رحمه‌الله والعامّة القائلين باللزوم. وإطلاق «المعاوضة» عليها باعتبار ما قصده المتعاطيان ، وإطلاق «الفسخ» على «الردّ» (٥) بهذا الاعتبار أيضاً ، وكذا «اللزوم».

ويؤيّد ما ذكرنا بل يدلّ عليه ـ : أنّ الظاهر من عبارة التحرير في باب الهبة توقّفها على الإيجاب والقبول ، ثمّ قال (٦) : وهل يستغنى عن‌

__________________

(١) عبارة «وإن قصد إلى التمليك» لم ترد في «ف» و «ش» ، وشطب عليها في «خ» ، وكتب عليها في «ن» : زائد.

(٢) راجع الصفحة ٣٢.

(٣) المسالك ٣ : ١٤٨.

(٤) التحرير ١ : ١٦٤.

(٥) في «ف» : الترادّ.

(٦) كذا في النسخ ، والعبارة لا تخلو من تأمّل ، والمعنى واضح.

الإيجاب والقبول في هدية الأطعمة؟ الأقرب عدمه ، نعم يباح التصرّف بشاهد الحال (١) ، انتهى. وصرّح بذلك أيضاً في الهدية (٢) ، فإذا لم يقل في الهبة بصحّة المعاطاة فكيف يقول بها في البيع؟

الأقوى : حصول الملك الاستدلال بالسيرة

وذهب جماعة (٣) تبعاً للمحقّق الثاني إلى حصول الملك ، ولا يخلو عن قوّة ؛ للسيرة المستمرّة على معاملة المأخوذ بالمعاطاة معاملة الملك في التصرّف فيه بالعتق ، والبيع ، والوطء ، والإيصاء ، وتوريثه ، وغير ذلك من آثار الملك.

الاستدلال بآية أحل الله البيع

ويدلّ عليه أيضاً : عموم قوله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ (٤) ؛ حيث إنّه يدلّ على حلّية جميع التصرّفات المترتّبة على البيع ، بل قد يقال : بأنّ الآية دالّة عرفاً بالمطابقة (٥) على صحّة البيع ، لا مجرّد الحكم التكليفي. لكنّه محلّ تأمّل.

وأمّا منع صدق البيع عليه عرفاً فمكابرة.

وأمّا دعوى الإجماع في كلام بعضهم على عدم كون المعاطاة بيعاً‌

__________________

(١) التحرير ١ : ٢٨١.

(٢) التحرير ١ : ٢٨٤.

(٣) منهم : المحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة ٨ : ١٣٩ ١٤١ ، والمحدّث الكاشاني في المفاتيح ٣ : ٤٨ ، والمحدّث البحراني في الحدائق ١٨ : ٣٥٠ و ٣٦١ ، والمحقّق النراقي في المستند ٢ : ٣٦١ ٣٦٢ ، ونفى عنه البُعد المحقّق السبزواري في الكفاية : ٨٨.

(٤) البقرة : ٢٧٥.

(٥) في «ف» : دالّة بالمطابقة عرفاً.

كابن زهرة في الغنية (١) فمرادهم بالبيع : المعاملة اللازمة التي هي إحدى (٢) العقود ؛ ولذا صرّح في الغنية بكون الإيجاب والقبول من شرائط صحّة البيع.

ودعوى : أنّ البيع الفاسد عندهم ليس بيعاً ، قد عرفت الحال فيها (٣).

الاستدلال بآية التجارة

وممّا ذكر يظهر وجه التمسّك بقوله تعالى ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ﴾ (٤).

الاستدلال بحديث السلطنة والمناقشة فيه

وأمّا قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الناس مسلّطون على أموالهم» (٥) فلا دلالة فيه على المدّعى ؛ لأنّ عمومه باعتبار أنواع السلطنة ، فهو إنّما يجدي فيما إذا شكّ في أنّ هذا النوع من السلطنة ثابتة للمالك ، وماضية شرعاً في حقّه ، أم لا؟ أمّا إذا قطعنا بأنّ (٦) سلطنة خاصّة كتمليك ماله للغير نافذة في حقّه ، ماضية شرعاً ، لكن شكّ في أنّ هذا التمليك الخاصّ هل يحصل بمجرّد التعاطي مع القصد ، أم لا بدّ من القول الدالّ عليه (٧)؟ فلا يجوز الاستدلال على سببيّة المعاطاة في الشريعة للتمليك‌

__________________

(١) تقدّم كلامه في الصفحة ٢٩.

(٢) في «ف» و «ش» : أحد.

(٣) راجع الصفحة ١٩ وغيرها.

(٤) النساء : ٢٩.

(٥) عوالي اللآلي ١ : ٢٢٢ ، الحديث ٩٩.

(٦) في «ف» : بأنّه.

(٧) في «ع» و «ش» زيادة : «فلا» استدراكاً.