درس مکاسب - بیع

جلسه ۱۸: معاطات ۱۲

 

بعض المقامات بالزوال برجوع المالك الأصلي. ومنشأ هذا الاختلاف اختلاف حقيقة السبب المملّك ، لا اختلاف حقيقة الملك. فجواز الرجوع وعدمه من الأحكام الشرعية للسبب ، لا من الخصوصيات المأخوذة في المسبّب.

ويدلّ عليه مع أنّه يكفي في الاستصحاب الشكّ في أنّ اللزوم من خصوصيات الملك. أو من لوازم السبب المملّك ، ومع أنّ المحسوس بالوجدان أنّ إنشاء الملك في الهبة اللازمة وغيرها على نهج (١) واحد ـ : أنّ اللزوم والجواز لو كانا (٢) من خصوصيّات الملك ، فإمّا أن يكون تخصيص القدر المشترك بإحدى الخصوصيّتين بجعل المالك ، أو بحكم الشارع.

فإن كان الأوّل ، كان اللازم التفصيل بين أقسام التمليك المختلفة بحسب (٣) قصد الرجوع ، وقصد عدمه ، أو عدم قصده ، وهو بديهي البطلان ؛ إذ لا تأثير لقصد المالك في الرجوع وعدمه.

وإن كان الثاني ، لزم إمضاء الشارع العقد على غير ما قصده المنشئ ، وهو باطل في العقود ؛ لما تقدّم أنّ العقود المصحّحة (٤) عند الشارع تتبع القصود ، وإن أمكن القول بالتخلّف هنا في مسألة المعاطاة ؛ بناءً على ما ذكرنا سابقاً انتصاراً للقائل بعدم الملك : من منع وجوب‌

__________________

(١) في «ف» : منهج.

(٢) كذا في «ش» ومصحّحة «ص» ، وفي غيرهما : لو كان.

(٣) العبارة في «ف» هكذا : التفصيل في أقسام التمليك بين.

(٤) في «ف» : الصحيحة.

إمضاء المعاملات الفعلية على طبق قصود المتعاطيين (١) ، لكنّ الكلام في قاعدة اللزوم في الملك يشمل (٢) العقود أيضاً.

وبالجملة ، فلا إشكال في أصالة اللزوم في كلّ عقدٍ شكّ في لزومه شرعاً ، وكذا لو شكّ في أنّ الواقع في الخارج هو العقد اللازم أو الجائز ، كالصلح من دون عوض ، والهبة. نعم ، لو تداعيا احتمل التحالف في الجملة.

ما يدل على اللزوم من الكتاب والسنّة

ويدلّ على اللزوم مضافاً إلى ما ذكر عموم قوله (٣) صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الناس مسلّطون على أموالهم» (٤) فإنّ مقتضى السلطنة أن لا يخرج عن ملكيّته (٥) بغير اختياره ، فجواز تملّكه عنه بالرجوع فيه من دون رضاه منافٍ للسلطنة المطلقة.

فاندفع ما ربما يتوهّم : من أنّ غاية مدلول الرواية سلطنة الشخص على ملكه ، ولا نسلّم ملكيّته (٦) له بعد رجوع المالك الأصلي.

ولِما (٧) ذكرنا تمسّك المحقّق رحمه‌الله في الشرائع على لزوم القرض‌

__________________

(١) راجع الصفحة ٤٧.

(٢) كذا في «ف» و «ن» ، وفي غيرهما : تشمل.

(٣) كذا في «ف» ، وفي سائر النسخ : قولهم.

(٤) عوالي اللآلي ٣ : ٢٠٨ ، الحديث ٤٩.

(٥) في «ف» : «عن الملكية» ، وفي نسخة بدل «ش» : عن ملكه.

(٦) كذا في «ص» ، وفي سائر النسخ : ملكية.

(٧) في أكثر النسخ : بما.

بعد القبض : بأنّ فائدة الملك السلطنة (١) ، ونحوه العلاّمة رحمه‌الله في موضع (٢) آخر (٣).

ومنه يظهر جواز التمسّك بقوله عليه‌السلام : «لا يحلّ مال امرئٍ إلاّ عن طيب نفسه» (٤) ؛ حيث دلّ على انحصار سبب حِلّ مال الغير أو جزء سببه في رضا المالك ، فلا يحلّ بغير رضاه.

وتوهّم : تعلّق الحِلّ بمال الغير ، وكونه مال الغير بعد الرجوع أوّل الكلام ، مدفوع : بما تقدّم (٥) ، مع أنّ (٦) تعلّق الحِلّ بالمال يفيد العموم ، بحيث يشمل التملّك أيضاً ، فلا يحلّ التصرّف فيه ولا تملّكه إلاّ بطيب نفس المالك.

ويمكن الاستدلال أيضاً بقوله تعالى ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ﴾ (٧) ، ولا ريب أنّ الرجوع‌

__________________

(١) الشرائع ٢ : ٦٨.

(٢) في «ف» : مواضع.

(٣) لعلّه أشار بذلك إلى ما أفاده في التذكرة (١ : ٤٦٤) بقوله : «يجوز بيع كلّ ما فيه منفعة ؛ لأنّ الملك سبب لإطلاق التصرّف» ، أو إلى ما أفاده في (١ : ٥٩٥) بقوله : «وفائدة الملك استباحة وجوه الانتفاعات».

(٤) عوالي اللآلي ٢ : ١١٣ ، الحديث ٣٠٩ ، وفيه : «لا يحلّ مال امرئ مسلم ..» ، وجاء في تحف العقول مرسلاً عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ولا يحلّ لمؤمنٍ مال أخيه إلاّ عن طيب نفسٍ منه» ، تحف العقول : ٣٤.

(٥) تقدّم في الصفحة السابقة عند دفع التوهّم عن الاستدلال بقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الناس مسلّطون ..».

(٦) في «ش» ومصحّحة «ن» : من أنّ.

(٧) النساء : ٢٩.

ليست (١) تجارة ، ولا عن تراضٍ ، فلا يجوز أكل المال.

والتوهّم المتقدّم في السابق [غير (٢)] جارٍ هنا ؛ لأنّ حصر مجوّز أكل المال في التجارة إنّما يراد به أكله على أن يكون ملكاً للآكل لا لغيره.

ويمكن التمسّك أيضاً بالجملة المستثنى منها ؛ حيث إنّ أكل المال ونقله عن مالكه بغير رضا المالك ، أكل وتصرّف بالباطل عرفاً.

نعم ، بعد إذن المالك الحقيقي وهو الشارع وحكمه بالتسلّط (٣) على فسخ المعاملة من دون رضا المالك يخرج عن (٤) البطلان ؛ ولذا كان أكل المارّة من الثمرة الممرور بها أكلاً بالباطل لولا إذن المالك الحقيقي ، وكذا الأخذ بالشفعة ، والفسخ بالخيار ، وغير ذلك من الأسباب (٥) القهريّة.

الاستدلال بما يدل على لزوم خصوص البيع

هذا كلّه ، مضافاً إلى ما دلّ على لزوم خصوص البيع ، مثل قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» (٦).

__________________

(١) في «ص» ومصحّحة «ن» : ليس.

(٢) لم ترد «غير» في النسخ ، ووردت في هامش نسخ «ن» ، «ع» و «ش» استظهاراً ، وقد أيّد الشهيدي قدس‌سره ضرورة هذه الزيادة ، انظر هداية الطالب : ١٧٠.

(٣) كذا في «ف» ومصحّحة «ن» ، وفي سائر النسخ : التسلّط.

(٤) في «ف» : من.

(٥) كذا في «ف» و «ش» ، وفي غيرهما : النواقل.

(٦) عوالي اللآلي ٣ : ٢٠٩ ، الحديث ٥١ ، وانظر الوسائل ١٢ : ٣٤٥ ، الباب الأوّل من أبواب الخيار ، الحديث ١ و ٢.